بقلم: علي عبيد الهاملي
كاتب وإعلامي إماراتي
لم تفاجئني الطفلة الصغيرة، ذات الأعوام الستة، عندما سألتها: ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟ فأجابت بثقة: أريد أن أصبح مشهورة!
سوف تكون هذه الإجابة متوقعة لو سأل أغلبنا أبناءه وبناته السؤال نفسه، فهؤلاء الأطفال الذين أصبحوا يلازمون الأجهزة اللوحية طوال اليوم، ينبهرون مؤكداً بالمشاهير الذين يتابعونهم ويشاهدونهم طوال الوقت، ومؤكدٌ أيضاً أن ما يقدمه هؤلاء المشاهير لا يناسب سن هؤلاء الأطفال، كما أنه لا يتوافق مع القيم والأخلاق التي يجب أن نربيهم عليها. ولهذا فإن إجابتهم هذه تبدو منطقيةً بالنظر إلى الواقع الذي يعيشونه.
وسائط التواصل الاجتماعي لم تكن مجرد أدوات للتعبير أو الترفيه، كما ظنّ البعض في بداياتها، ولكنها تحولت إلى سلطةٍ تتحكم في الأذواق، وتعيد تشكيل المفاهيم، وتفرض منظومةً جديدةً من القيم، تختلف كثيراً عمّا نشأنا عليه. دخلت هذه الوسائط إلى حياتنا كما يدخل الضوء من النافذة، لكنها ما لبثت أن صارت هي النافذة ذاتها التي نطلّ منها على العالم، وأحياناً التي نُقاس بها نحن أنفسنا.
كان الناس فيما مضى يُقاسون بما يحملون من علمٍ، وأخلاقٍ، وتجربةٍ، وحكمة. أما اليوم، فصار الميزان في يد المتابعين وعدد المشاهدات ومرات الإعجاب. هكذا تغيّر مفهوم النجاح، وتبدّل معنى القدوة، واختلطت القيم بالأرقام، حتى صار البعض يقيس قيمته في الحياة بما يملكه من متابعين، لا بما يقدّمه من فكر أو عطاء، وانطبق هذا على الأطفال أيضاً.
الكدّ في العمل لم يعد الطريق الوحيد للثراء أيضاً، فقد ظهرت أساليب جديدةٌ لكسب المال لا تقوم على جهدٍ فكريٍ أو بدني، ولكن على القدرة على جذب الأنظار، وصناعة المحتوى الخفيف أو المثير على حساب المضمون والذوق. أصبح الكثيرون يحلمون بأن يصبحوا «مؤثرين» قبل أن يكونوا مؤهلين، وأن يحصدوا المال من الإعلانات قبل أن يعرفوا كيف يصنعون قيمةً حقيقيةً في المجتمع. وانطبق هذا على الأطفال أيضاً.
في ظل هذه التحولات، تبدلت ملامح العلاقات الإنسانية، فتراجع الصدق أمام الاستعراض، وغابت البساطة خلف فلاتر الوجوه والزوايا المصقولة. حتى مفهوم الزواج دخل مرحلة جديدة من «العرض والطلب» الرقمي، إذ تُقاس الزوجة بما تنشره من جمالٍ مصطنعٍ على الشاشة، ويُقاس الزوج بما يظهر من سخاءٍ في الهدايا والسفر والمظاهر.
ومع هذا الانقلاب في المفاهيم، تغيّر دور القيم الأخلاقية في توازن المجتمع. كانت الأخلاق مرجعاً يُحتكم إليه، أما اليوم فقد أصبحت وجهة نظرٍ قابلةً للنقاش أو التجاهل. وحين تغيب البوصلة الأخلاقية، يضيع الفرق بين الحرية والفوضى، وبين الجرأة والانفلات، وبين الشهرة والاستحقاق. تجد من يتحدث عن التجديد وهو يهدم الثوابت، ومن يدّعي التعبير عن الذات وهو يسيء إلى الآخرين، ومن يجمع ملايين المتابعين على حساب الكلمة المسؤولة والفكر الراقي. هنا تتجلى خطورة وسائط التواصل الاجتماعي؛ أنها لا تغيّر فقط في أدوات الحياة، ولكن في منظومة القيم التي تُبنى عليها الحياة.
لكن الإنصاف يقتضي أن نقول إن هذه الوسائط ليست شرّاً كلها. فقد فتحت آفاقاً جديدةً للمعرفة، وقرّبت المسافات، ومكّنت المبدعين من الوصول إلى جمهورهم بلا وسطاء. غير أن المشكلة في الطريقة التي نستخدمها بها، وفي غياب الضوابط الذاتية والأخلاقية التي كانت تحكم سلوك الإنسان قبل أن تحكمه الخوارزميات. فإذا فقد الإنسان بوصلته الداخلية، تحوّلت الحرية إلى فوضى، والجرأة إلى إسفاف، والطموح إلى سباقٍ نحو التفاهة.
ما نحتاجه اليوم ليس إغلاق النوافذ الرقمية، ولكن إعادة ترتيب ما يدخل منها. أن نعلّم أبناءنا أن الشهرة لا تصنع الإنسان، وأن المال لا يمنح القيمة، وأن النجاح الحقيقي هو أن يُذكر اسمك بخيرٍ لا بعدد المشاهدات ومرات الإعجاب، بل بما تركت من أثرٍ طيّب في نفوس الناس، فالقيم ليست كلمات تُكتب في المناهج أو تُعلّق في الجدران، ولكنها سلوكٌ يُمارس، ومسؤوليةٌ يتحمّلها كل فردٍ في المجتمع.
تستطيع وسائل التواصل أن تغير شكل الحياة، لكنها لا تملك أن تغيّر جوهر الإنسان، إلا إذا سمح لها بذلك. وعلينا نحن أن نعيد إلى الكلمة معناها، وإلى الصورة صدقها، وإلى العلاقات حرارتها الإنسانية، قبل أن نجد أنفسنا متصلين بالعالم، منفصلين عن أنفسنا.












