بقلم / مسعود معلوف
سفير متقاعد
المقصود بالحرب الإسرائيلية على لبنان هو الحرب الأخيرة التي بدأت في مطلع شهر آذار/مارس من العام الجاري، إذ أن لبنان، منذ عشرات السنين، يتعرض لحروب متتالية من قبل إسرائيل، ولذلك اقتضى التوضيح عن أية حرب نتحدث في هذه المقالة.
في اليوم التالي لعملية حماس ضد إسرائيل في السابع من أوكتوبر 2023 وقيام إسرائيل بحربها على قطاع غزة، أعلن حزب الله اللبناني مساندته لحركة حماس عبر إرسال قذائف نحو الشمال الإسرائيلي، فبدأت إسرائيل بتنفيذ عمليات عسكرية ضد لبنان استمرت أكثر من سنة ما أدى الىتدمير الكثير من المنشآت في الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى من لبنان، كما تمكنت من قتل الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله وعدد من قادة الحزب، الى أن تم الإتفاق على وقف إطلاق النار برعاية الولايات المتحدة وفرنسا وبموافقة حزب الله في أواخر شهر تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2024.
التزم حزب الله باتفاق وقف إطلاق النار التزاما تاما بالرغم من خرق إسرائيل للإتفاق آلاف المرات في خلال سنة وثلاثة أشهر إلى أن شنت إسرائيل والولايات المتحدة الحرب على إيران في الثامن والعشرين من شهر شباط/فبراير وقتلت عددا كبيرا من القيادات العسكرية والمدنية في إيران وفي طليعتها المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي.
عندئذ قام حزب الله،انتقاماً لمقتل الولي الفقيه،بتوجيه بعض القذائف والصواريخ نحو الأراضي الإسرائيلية، مبرراً هذه العملية بأنه لم يعد يصبر على خرق إسرائيل لوقف إطلاق النار طيلة هذه المدة، فلم تتأخر إسرائيل بالقيام بعمليات عسكرية واسعة النطاق سواء بالقصف الجوي على البلدات والقرى في الجنوب والعاصمة بيروت ومدن أخرى، أو عبر تهجير السكان من المدن والقرى الواقعة جنوب نهر الليطانيملزمة إياهم بالتوجه شمالاً نحو بيروت، وهذا ما أدى الى نزوح ما يزيد عن مليون نسمة أي ما يعادل خُمس اللبنانيين ومعظمهم الآن بلا مسكن ولا مأوى،علماً أن أعداداً كبيرة منهم موجودون في خيم على جانب الطرقات، كما أن إسرائيل تقوم بتهديم المساكن والمنشآت المدنية والحكومية في الجنوب وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، وتقصف الجسور مدعية أن الغاية من ذلك هي عدم السماح لمقاتلي حزب الله من التوجه جنوبا، بينما يرىالكثيرون أن الغاية من هذا التدمير هي عدم تمكين السكان من العودة الى مساكنهم في الجنوب إذ هنالك اعتقاد سائد ناتج عن تصريحات مسؤولين إسرائيليين أن إسرائيل تود إقامة منطقة عازلة في الجنوب اللبناني لحماية سكان الشمال الإسرائيلي من أية اعتداءات من الجانب اللبناني.
لا يخفى على أحد أن هنالك انقساماً واضحاً بين اللبنانيين بالنسبة الى حزب الله إذ أن نسبة غير قليلة من الشعب اللبناني لا توافق على أن يكون فريق من اللبنانيين يحمل السلاح، كما أنهميتهمون الحزب بتهديد سائر اللبنانيين وبالسيطرة على قرار الحكومة. علماً ان رئيس الجمهورية جوزاف عون، في خطاب القسم بعد انتخابهفي التاسع من شهر كانون الثاني/يناير من العام الماضي، شدد على ضرورة حصر السلاح بيد الجيش اللبناني وحده وأن يكون قرار الحرب والسلم بيد الحكومة دون سواها.
وبعد تشكيل الحكومة برئاسة الدكتور نواف سلام، صدر البيان الوزاري الذي على أساسه أخذت الحكومة ثقة المجلس النيابي وفقا للدستور اللبناني، وقد ورد صراحة في هذا البيان موضوع حصرية السلاح لدى الحكومة الذيوافق عليه أكثرية أعضاء الحكومة التي تضم ممثلين عن حزب الله.
معارضو حزب الله يتهمون الحزب بأنه، بالقذائف الستة التي وجهها إلى إسرائيل انتقاما لمقتل الولي الفقيه في إيران، أعطى إسرائيل ورئيس وزرائها نتتنياهو الذريعة المنتظرة من قبلهم للقيام بالعمليات التدميرية في الجنوب اللبناني، ولا شك أن نتنياهو يهمه كثيراً استمرار الحرب في المنطقة وخاصة في لبنان، كي يقول للإسرائيليين أنه يدافع عنهم على عدة جبهات، وذلك استعدادا للإنتخابات التشريعية التي ستجري في شهر أوكتوبر القادم، إذ أنه في حال فشل حزبه في هذه الإنتخابات وعدم عودته الى رئاسة الحكومة، فإن ذلكقد يؤدي الى نهاية حياته السياسية وربما ذهابه الى السجن نتيجة للمحاكمات التي يتعرض لها منذ فترة بتهم الفساد.
لا شك أن الدمار الذي ألحقته إسرائيل بلبنان غير مسبوق، ومستقبل الوضع غامض للغاية، والحكومة اللبانية غير قادرة على مواجهة هذا الواقع وتقديم الدعم والحلول لهذه الأعداد الهائلة من النازحين، وهذا ما جعل عدداً غير قليل من اللبنانيين يلومون الحزب على ما قام به، متهمينه بأنه لم يحرك ساكنا طيلة خمسة عشر شهرا من الإعتداءات الإسرائيلية وآلاف الخروقات لوقف إطلاق النار، بينما سارع الى إطلاق بضعة صواريخ دعماً لإيران، علما أن قليلين جداً في لبنان اقتنعوا بتبرير قيادة الحزب بأن هذا الأخير صبر كل هذه المدة على الخروقات الإسرائيلية ولم يعد يحتمل ذلك، وأن لا علاقة لما يجري في إيران بما قام به الحزب ضد إسرائيل.
يبدو أيضاً أن الحزب، بالعملية التي قام بها ضد إسرائيل، أعطى كذلك الدول الغربية التي تؤيد إسرائيل فرصة لتكرار الحديث عن ضرورة تجريد الحزب من سلاحه،كما أدى ذلك الى المزيد من الضغوط على الحكومة اللبنانية للقيام بما وعدت به وتنفيذ قراراتها بالنسبة الى حصرية السلاح، متهمين الحكومة إما بالضعف، أو بعدم الجدية، خاصة وأن المسؤولين اللبنانيين يكررون الموقف الحكومي المعروف دون القيام بأي عمل لتطبيقه.
يتساءل كثيرون في الوقت الحاضر كم ستدوم هذه الحرب ومتى ستنتهي، كما أن عدداً غير قليل من المراقبين والمحللين يعتقدون أن حرب إسرائيل على لبنان ستنتهي عندما تتوقف الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، إنطلاقا من اعتبارهم حزب الله أحد أذرع إيران في المنطقة وأي نتيجة تنتهي إليها الحرب مع إيران ستنسحب بالتالي على الحزب.
ولكن يبدو أن الجواب عن هذا التساؤل أعطاه بعض المسؤولين العسكريين في إسرائيل إذ أكدوا أن الوضع في لبنان مختلف عما هو عليه في إيران والحرب مع لبنان ستنتهي، على حد قولهم، عندما يتم القضاء على حزب الله، ولذلك يعتقد كثيرون أن الحرب الإسرائيلية على لبنان لن تنتهي قريباً، واعتقادي الشخصي هو أن نتنياهو سيستمر بهذه الحرب لفترة غير قصيرة لأسباب عديدة:
- السبب الأول والأهم هو كما أشرنا سابقاً ان نتنياهو يود أن يظهر أمام الإسرائيليين بأنه يدافع عنهم ويقوم بجهود كبيرة لدرء خطر الحزب عنهم آملاً بالحصول على تأييدهم في الإنتخابات التشريعية القادمة.
- سبب آخر يعود الى مقاومة الحزب بشراسة وبشكل مفاجئ للإسرائيليين إذ كان قائد الجيش اللبناني قد أبلغ مجلس الوزراء بأن وجود الحزب جنوب نهر الليطاني قد انتهى وانه سيبدأ قريباً بتنفيذ خطة إزالة الحزب من المنطقة الواقعة شمالي هذا النهر، فإذا بالجميع يتفاجأ بهذا الوجود العسكري القوي للحزب في الجنوب اللبناني.
- يعتقد البعض أيضاً أن نتنياهو يفضل أن تبقى الأمور على ما هي عليه لبعض الوقت، من جهة كي تبقى الأحوال متوترة في الداخل اللبناني بين الحزب وأخصامه وهذا أمر يريح إسرائيل، ومن جهة ثانية بانتظار أن يستهلك الحزب ما لديه حالياً من مخزون من الأسلحةإذ سيصعب كثيرا إن لم يكن سيستحيل تجديد هذا المخزون بعد انتهائه كون إيران ليس بمقدورها وهي تحارب إسرائيل والولايات المتحدة إرسال أسلحة الى لبنان بسبب حاجتها لها نظرا لصعوبة إنتاج أسلحة إضافية في هذه الحالة من الحرب والدمار الذي تعرضت له منشآتها العسكرية. وحتى لو كان عندها فائض من الأسلحة، فإنه يستحيل إيصالها الى لبنان عن طريق سوريا كما كان يحصل في السابقكون النظام الجديد القائم في دمشق لن يسمح بذلك نظرا لعلاقاته السيئة جدا مع إيران ومع حزب الله بالذات.
في سعيها لوضع حد لهذه الحرب، أعربت الحكومة اللبنانية أكثر من مرة عن استعدادها لإجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، إلا أن هذه الأخيرة لم تعرب حتى الآن عن قبولهابإجراء مثل هذه المفاوضات إذ أنها، على ما يبدو، تفضل إستمرار الحرب لفترة أطول للأسباب التي عرضناها سابقا.
لذلك نخشى كثيراً ان تستمر هذه الأوضاع عدة شهور، مع ما يرافق ذلك من قتل للمواطنين، وتدمير لمنشآت مدنية ومستشفيات ومدارس ومساكن، بالإضافة الى تعطيل الموسم السياحي الذي كان سينعش الإقتصاد اللبناني بعض الشيء، كل ذلك الى جانب ما يعانيه النازحون من صعوبات جمة في أوضاعهم السيئة للغاية واحتمال حصول ما لا تحمد عقباه نتيجةللضغط السكاني الذي يسببه النزوح في مناطق عديدة من لبنان. ولا يمكن تجاهل ما يصرح به بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية عن رغبتهم بأن يُلحِق جيشهمبالجنوب اللبناني ما ألحقوه بقسم كبير من قطاع غزة.
فمستقبل لبنان كما يبدو حالياً غامض جدا، والحل الوحيد للبنانيين هو ان يضعوا حدا لخلافاتهم االداخلية، ويضعوا مصير الوطن في أعلى سلم أولوياتهم، خاصة وأن إسرائيل تسعى الى إشعال الخلافات والفتن فيما بينهم بشتى الطرق والوسائل. فهل سيكون اللبنانيون على مستوى هذه المسؤولية الوطنية ليخلصوا بلدهم من هذا الواقع المرير؟













