بقلم: د. حسين عبد البصير
تحتمس الأول
تحتمس الأول هو المهندس المعماري للإمبراطورية المصرية العظيمة في الشرق الأدنى القديم. تولى الحكم في الأربعينيات من عمره. وبدأ عصر إرسال الجيوش إلى خارج الحدود على نطاق واسع؛ وبذلك يكون هو أول من خطا بمصر بخطوات كبيرة في سبيل تكوين الإمبراطورية وعمل على بسط نفوذ وسيادة الدولة المصرية إلى أقاصي الشمال والجنوب. وكان ذا صفات تشهد له بالكفاءة العسكرية والرؤية الاستراتيجية والميل الكبير لأعمال البطولة والبسالة في الحرب ومواصلة كفاح من سبقوه من ملوك مصر في الدفاع عن مصر وتوسيع حدودها إلى أقصى ما تسقط عليه أشعة الشمس في الشرق الأدنى القديم. وكان هذا الملك ميالاً للتعمير والأعمال السلمية والنهضة بالدولة والدفع بها إلى أقصى غايات التنمية والازدهار.
ولا نعلم إن كان ابنًا لأمنحتب الأول من إحدى زوجاته الثانويات (سن سنب)، أم كان ابنًا لأحمس الأول من زوجته أحمس نفرتاري، أم كان أحد أقرباء أمنحتب الأول البعيدين. والمؤكد هو استيلاؤه على العرش ثم زواجه من أحمس ربما ابنة أحمس الأول وأخت أمنحتب الأول، أو ربما أخته، ليصبغ الشرعية على حكمه.
وبمجرد توليه الحكم، نقش موظفوه مرسوم تتويجه في وادي حلفا وغيرها من مناطق النوبة. وظهرت أحمس نفرتاري في نقش وادي حلفا وكان لها دور كبير في توليه الحكم بعد ابنها أمنحتب الأول، ويعكس هذا رضاءها عنه، وتقديره لها.
وعلى الفور قام الملك بحملة برية نهرية في العام الثاني من حكمه لردع النوبيين بعد أن قاموا بالقلاقل والاضطرابات وتهديد حدوده الجنوبية. وقام بمعاقبة الثوار. وتم تطهير القناة التي شقها سنوسرت الثالث في الجندل الأول من الطمي الذي تجمع بها نتيجة الاهمال. وتم هزيمة النوبيين، وترك الملك لوحة عند تومبوس بالجندل الثالث ذكر فيها أنه المهيمن على الأراضي الفسيحة الممتدة من تومبوس جنوبًا إلى الفرات شمالاً. وبنى قلعة هناك، ما تزال آثارها باقية. وعاد الفرعون عن طريق قناة سنوسرت بعد أن قتل أعداءه في العام الثالث من حكمه. وطغت الحضارة المصرية على الحضارة المحلية في تلك البلاد. وتم تمصير بلاد النوبة. وسيطرت مصر على النوبة لمدة 500 عام قادمة بلا أدنى قلاقل.
وقام الملك بالحرب في سوريا. ولم تقابل الجيوش المصرية أية صعوبات في قادش ووصلت إلى نهارين (دولة ميتاني) بين الفرات والعاصي. ومن العبارات الجميلة إطلاق نصوصنا تعبير «النهر ذي المياه المعكوسة» على الفرات؛ لأنه يجري من شمال جنوب على عكس النيل الذي ينبع جنوبًا ليصب شمالاً. وترك لوحة عند قرقميش، ذاكرًا كيف وصلت حدوده في آسيا الصغرى إلى ضفة الفرات. وانتصرت مصر. وعاد جيشها بطوائف كثيرة من الأسرى وغنائم الحرب. وقام بحملة على الليبيين وقاتلهم حتى شردهم.
تحتمس الأول هو الذي مد حدود مصر من قرن الأرض جنوبًا إلى أطراف المياه المعكوسة شمالاً ليكون بامتياز هو المهندس المعماري الأول للإمبراطورية المصرية في الشرق الأدنى القديم.
تحتمس الثاني
تحتمس الثاني هو ابن تحتمس الأول من زوجته الثانوية «موت نفرت»، وهو الابن الوحيد الذي عاش لأبيه. وتزوج من أخته الملكة الأشهر حتشبسوت.
ونشأ الخلاف بينه وبين زوجته القوية حتشبسوت؛ نظرًا للفارق الكبير بينهما ولسوء حالته الصحية ولضعف شخصيته، ولقوة شخصية حتشبسوت وطموحها الكبير نحو تولي حكم البلاد منفردة؛ فجعلت من وجوده رمزيًا.
ونتيجة هذا الخلاف بينهما، انقسمت البلاد إلى حزبين. وسادت الدسائس والمؤامرات. وتحين النوبيون الفرصة وخرجوا عن السيطرة المصرية من العام الأول من حكمه. وكانت هذه هي عادتهم في إشعال الثورة واستغلال فرصة انتقال الحكم من ملك لآخر، واختبار قدرة الفرعون الجديد على السيطرة عليهم.
وعلى الفور أرسل تحتمس الثاني جيشًا إلى النوبة ليس بقيادته، فهزم الثوار، وأعاد الأمور إلى نصابها الطبيعي، وتم تسجيل هذا الحدث على لوحة تذكارية تمت إقامتها بين أسوان وفيله. وجاء عليها ما يلي: «لما علم جلالته بذلك، ثار الفهد، وأقسم أنه لن يترك أي رجل من أولئك حيًا».
وأغلب الظن أن نشاطات تحتمس الثاني امتدت إلى منطقة الجندل الرابع في بلاد النوبة بسبب وجود اسمه مسجلاً على صخرة في منطقة جبل برقل هناك، وربما لا يعني هذا قيامه بحدث عسكري في تلك المنطقة.
وذكر الموظف الشهير أحمس ابن نخبت في سيرته الذاتية المعروفة أنه خاض حربًا في عهد تحتمس الثاني وقام فيها بضرب البدو الشاسو الذين كانوا يعيشون على حدود فلسطين، وكذلك ليس بقيادة الملك. وتم العثور في منطقة الدير البحري على نقوش من عهد تحتمس الثاني تشير إلى إشارات غامضة لحملات قام بها في بعض الأماكن في سوريا. وربما استغلت بعض القبائل المقيمة في صحراوات مصر الغربية فرصة الخلاف بين الملك والملكة على عرش البلاد، فقامت بالثورة وشق عصا الطاعة، مما دفع الملك إلى إرسال حملة حربية للسيطرة عليهم وذلك وفقًا لنص تم تسجيل اسم الفرعون عليه في واحة الفرافرة في مواجهة أسيوط في مصر الوسطى. وفي المجمل الأعم، لم تكن جهود تحتمس الثاني الحربية بنفس القوة والعظمة كسابقيه من ملوك مصر المحاربين العظام الذين قاموا بذلك قبله.
ولا نعرف إن كان تحتمس الثاني مات ميتة طبيعية أم لا. وبفحص مومياء هذا الملك، تبين أنه كان طويلاً، غير قوي البنية، وكان أصلع الرأس، ووسيمًا، ومتأنقًا.
وأنجبت له زوجته الرئيسية حتشبسوت الأميرتين نفرو رع ومريت رع حتشبسوت. وتزوج أيضًا تحتمس الثاني من زوجات ثانوية مثل إيزيس التي أنجبت له، ابنه، فرعون الحرب والتوسعات الملك الأعظم تحتمس الثالث سيد المحاربين وأعظم ملوك مصر والشرق الأدنى القديم.
تحتمس الثاني حلقة وصل مهمة بين والده تحتمس الأول وولده تحتمس الثالث، هدية مصر للعالم، والذي أعاد لمصر مجدها الذهبي، والذي أنشأ أعظم وأقوى إمبراطورية في العالم القديم.
تحتمس الثالث
كانت مصر القديمة في موعد مع القدر كي يمن عليها بإنجاب أعظم الفراعنة المحاربين وأعظم ملك مصري على الإطلاق، الملك تحتمس الثالث، فرعون المجد والانتصار وسيد الملوك المحاربين والعسكريين الاستراتيجيين، ومكمل الإمبراطورية المصرية في العالم القديم متخذًا من جده الملك المؤسس تحتمس الأول قدوة ومثلاً أعلى.
كان أبوه هو الملك تحتمس الثاني الذي مات وترك الفرعون الذكر وولي العهد الأمير تحتمس وحيدًا تحت وصية عمته وزوجته أبيه الملك الشهيرة حتشبسوت التي داعبها سحر السلطة وأغوتها لذة الحكم، فاغتصبت الحكم من الملك الصغير، وأبعدته إلى رحابة الظل.
وظل تحتمس الثالث في الظل فترة طويلة إلى أن تم غياب أو أقصاء الملكة حتشبسوت عن المشهد السياسي في البلاد، وخرج الأسد من عرينه لتظهر لنا شخصية الملك تحتمس الثالث الأسطورية مسجلاً مجد وفخار مصر العسكري المدون بأحرف من نور وإعزاز في كل كليات وأكاديميات العالم العسكرية.
لقد تزوج تحتمس الثالث من أخته غير الشقيقة الأميرة نفرو رع، ابنة حتشبسوت وأبيه تحتمس الثاني، وماتت قبل العام الحادي عشر من حكمه. وعندما تولى الحكم، تزوج من حتشبسوت مريت رع التي صارت زوجته الأساسية والتي أنجبت له ولي عهده الملك أمنحتب الثاني. وبينما كان تحتمس الثالث في الظل، استثمر وقته في تعلم فنون القتال وأصول الحرب مما جعل منه قائدًا عسكريًا فذًا قلما يتكرر أو يجود الزمان بمثله في أرض المعارك.
واستغل البعض من أمراء ممالك بلاد الشام فترة حكم حتشبسوت وانفصلوا عن الإمبراطورية المصرية وعقدوا تحالفات مع مملكة ميتاني القوية. وفي العام الثاني من حكمه المستقل عن حتشبسوت (حوالي العام 23 من حكمهما المشترك)، قام الملك الشجاع تحتمس الثالث ببدء حملاته العسكرية في بلاد الشرق الأدنى القديم. ونعلم عن حملات هذا الملك الحربية من خلال حولياته التي قام بتسجيلها أحد قواده على جدران الكرنك. وتذكر الحوليات أن الملك انتصر في كل بلد حارب فيه. ولم يقم تحتمس الثالث بحروبه كي يخلد اسمه فقط، وإنما أيضًا كي يمجد من اسم ربه الأعلى المعبود آمون رع سيد طيبة ورب الدولة الحديثة الذي كان يحارب تحت رايته ويجلب خيرات تلك البلدان إلى معبده وكهنته الذين كانوا يباركون الابن البار بأبيه آمون رع الملك المحارب العظيم تحتمس الثالث. وكانت الحملة العسكرية عبارة عن خطة رائعة وقوية الإحكام والتنفيذ. فنراه يزحف نحو غزة في عشرة أيام ويحتل المدينة ويأخذ طريقه إلى مجدو التي تمردت على حكمه بقيادة أمير قادش. وكانت هناك مشكلة في اختيار الطريق المناسب الذي على القوات أن تسلكه إلى مجدو؛ فكان هناك طريقان معتادان غير أن تحتمس الثالث اختار الطريق غير المتوقع والضيق والأشد خطورة ووعورة حتى يحدث المفاجأة للعدو ويقضي عليه. وكان النصر العظيم حليف الفرعون المحارب تحتمس الثالث بعد أن حاصر المدينة لمدة سبعة أشهر.
وكان يخرج على رأس جيشه محاربًا في سوريا كل صيف لمدة 18 عامًا. وكان يستخدم القوات البحرية المصرية لنقل القوات المصرية إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط. واحتل قادش في العام 42 من حكمه. ودانت أكثر من 350 مدينة بالولاء لحكم مصر في بلاد الشام. وقام بحوالي 17 حملة عسكرية في غرب آسيا. وقام بحملات في بلاد النوبة وأقام بها عددًا من المعابد وساهم في تمصيرها بشكل كبير. وأطلق عليه عالم الآثار الأمريكي الشهير جيمس هنري بريستد «نابليون مصر القديمة»، غير أن هذه التسمية غير موفقة؛ لأن تحتمس الثالث لم يُهزم في أية معركة قام بها؛ كما أن إمبراطورتيه المترامية الأطراف استمرت بعد وفاته في أسرته لفترة طويلة.
تحتمس الثالث فرعون لم تنجب مصر الفرعونية مثله على الإطلاق. وكل شيء قام به كان من أجل بلده مصر العظيمة وأبناء وطنه المصريين العظام مما جعل منها سيدة العالم القديم حقًا وصدقًا ومن تحتمس الثالث أسطورة خالدة نفخر بها إلى يومنا هذا.
لنا تكملة في العدد القادم













