بقلم: د. حسين عبد البصير
أمنحتب الثاني
يعتبر الملك أمنحت الثاني من أشهر فراعنة الدولة الحديثة المحاربين وعرف باسم «الملك الرياضي». وورث امبراطورية كبيرة عن والده سيد ملوك مصر المحاربين الفرعون الأشهر الملك تحتمس الثالث. وقام بحملات عسكرية قليلة في سوريا. وحارب أقل من والده العظيم الملك تحتمس الثالث.
وعُرف عن الملك أمنحتب الثاني أنه كان محبًا جدًا للألعاب الرياضية. فكان الملك رياضيًا قوي البنيان. وكان يجيد ركوب الخيل والتعامل مع الخيل. وكان من ضمن هواياته الذهاب إلى الحرب على اعتبار أنها رياضة مسلية كما كان يراها. وبفحص مومياء الملك أمنحتب الثاني، اتضح لنا أنه كان بحق مفتول العضلات وكان قوى الساعد. وكانت رياضة الرماية هي هواية العمر التي واظب على ممارستها الملك أمنحتب الثاني. وعثرنا على لوحة من الجرانيت في الكرنك تصف مهارة الملك أمنحتب الثاني في كيفية استخدام القوس، حيث أنه نجح في استخدام سهامه كي تصيب هدفاً من النحاس بسمك 6 سنتيمترات لأربع عشرة مرة متتالية. وهذا أمر مذهل للغاية. وكان له مدرب ملكي للرماية من ضمن صفوف جيش الملك تحتمس الثالث العظيم.
وحاول الفرعون الرياضي أمنحتب الثاني الاحتفاظ بالإمبراطورية الآسيوية التي امتلكها عن والده الملك تحتمس الثالث العظيم وذلك باستخدام القسوة في سحق أي تمرد قد يبدر ضده؛ فنراه في السنة الثالثة من حكمه يرسل حملة إلى شمال سوريا، وكانت تلك أول الحروب التي شنها على آسيا. ووجدنا نقوشًا في عمدا وإلفنتين وفي أرمنت، يفخر فيها الملك الرياضي أمنحتب الثاني بقتله سبعة أمراء من شمال سوريا. وقاد في العام السابع من حكمه حملة إلى فلسطين فأخضع أمراءها، ثم استولى عليها في مدة قصيرة، ثم عبر النهر، ثم استولى على العديد من البلدان والقرى.
ثم اتجه بعدها إلى مدينة قادش الشهيرة التي ما أن علم أهلها بوجوده حتى ذهبوا يقدمون له يمين الولاء والطاعة، وبعد ذلك اتجه الفرعون الرياضي إلى فينيقيا وعاد منها بغنائم كثيرة لمصر العظيمة. وفي العام التاسع من حكمه، أرسل حملة ثانية إلى شمال فلسطين لإخماد ثورة قامت فيها، فهزم أهلها هزيمة نكراء، وأخذ منهم أسرى يقدر عددهم بتسعين ألف أسير، ووصل بجيشه إلى نهر الفرات ببلاد النهرين (العراق حاليًا). ونتيجة لانتصاراته المدوية، أسرع إليه أمراء آسيا محملين بالهدايا ومقدمين إلى جلالة الفرعون الرياضي فروض الولاء والطاعة. وبعد العام التاسع من حكمه، توجه الملك أمنحتب الثاني إلى الاهتمام بشئون البلاد الداخلية بعد أن شعر بالرضا عن إنجازاته الحربية التي جلبت له الاستقرار والراحة والأمان في أرجاء الإمبراطورية المصرية الفسيحة.
وتوفى الملك أمنحتب الثاني بعد أن حكم مصر لمدة 25 سنة، ودُفن في مقبرة بوادي الملوك وهي المقبرة رقم 35. وقد تم نحت هذه المقبرة في الصخر وتم تزيينها بصور مجموعة كتب العالم الآخر. وقد اكتشف هذه المقبرة فيكتور لوريه في عام 1898م. ولعل أهمية هذه المقبرة ترجع إلى أنه في إحدى الحجرات الجانبية في هذه المقبرة، تم اكتشاف خبيئة لمومياوات الفراعنة وعثر بها على 13 مومياء معظمها لملوك نقلوا إلى مقبرته منهم ابنه تحتمس الرابع، وحفيده أمنحتب الثالث وزوجة الأخير الملكة تي، والملوك سبتاح ومرنبتاح ورمسيس الرابع والخامس والسادس وسيتي الثاني وست نخت، بالإضافة إلى صاحب المقبرة الذي وجد داخل تابوته وحول عنقه أكليل من الزهور.
هذا هو الفرعون الرياضي العظيم الملك أمنحتب الثاني خليفة أبيه العظيم تحتمس الثاني الذي حافظ على عرش مصر وإمبراطوريتها العظيمة في الشرق الأدنى القديم.
تحتمس الرابع
تحتمس الرابع هو ابن الملك الرياضي أمنحتب الثاني. وكان للملك أمنحتب الثاني أبناء عدة يتسابقون لخلافة والدهم الفرعون الرياضي. وكان من بين حيل وصول الملك تحتمس الرابع للحكم أنه أدعى أنه رأى الإله رع في نومه. وتفاصيل هذا الحلم منقوش على لوحة الحلم بين مخلبي تمثال «أبو الهول» الشهير في هضبة الجيزة. ويذكر النص أن «أبو الهول» تحدث إلى الأمير تحتمس وأخبره أنه إذا قام بإزالة الرمال المتراكمة على تمثاله وحافظ عليه مما يطمسه عن الأعين فإنه سيجعل منه حاكم مصر القادم. وتعتبر هذه اللوحة دليلاً على أن تحتمس الرابع لم يكن الوريث الشرعي لعرش مصر، وأنه كان يتنافس مع أخوته على عرش مصر، وأنهم كانوا عقبة في سبيل توليه العرش مما جعله يختلق قصة الحلم كنوع من أنواع الدعاية السياسية له كي يتحايل كي يستولي على عرش البلاد دون حق شرعي قوي، وقد أزال بالفعل الرمال عن تمثال «أبو الهول» العظيم. وأقام حوله سورًا ما تزال آثاره باقية إلى الآن.
وبعد تولي الفرعون تحتمس الرابع حكم مصر، قام بحملة عسكرية على شمال سوريا. وانتصر فيها. وأخمد كل الثورات التي قامت فيها ضد مصر. وعاد من هذه الحملة بالغنائم الكثيرة لمصر العظيمة. وعاد عن طريق لبنان التي وأخذ منها كمًا كبيرًا من أخشاب الآرز لبناء سفينة الإله آمون المقدسة. وتم ذكر قصة الأخشاب تلك على مسلة توجد في روما. وشهدت علاقاته مع سوريا تغيرات كبيرة نتجت عن التحالف السلمي بين المصريين وأهل مملكة ميتاني الشهيرة. وتم تتويج الأمر بالزواج الملكي الدبلوماسي بين تحتمس الرابع وابنة ملك ميتاني. وقام الملك تحتمس الرابع بحملة ثانية على بلاد النوبة حيث قامت ثورة هناك، واستطاع هزيمة أعدائه وعاد بالكثير من الأسرى والغنائم.
وقام تحتمس الرابع في الكرنك بتصوير نفسه في مناظر ونقوش يقدم القرابين لربه المعبود آمون بعد عودته من حملته الأولى ببلاد آسيا.
واستمر تحتمس الرابع في الحكم حوالي تسعة أعوام. وتوفى بعدها. ودفن في مقبرته في وادي الملوك رقم 43. وتعرضت المقبرة للنهب، ولكن وجدت فيها عدة قطع أثاث وعربة حربية.
الفرعون تحتمس الرابع فرعون مجد العسكرية المصرية وأعلى من شأنها وزواج بين العمل العسكري والزواج الدبلوماسي من الشرق الأدنى القديم كي يحفظ لمصر عظمتها ومجدها التليد.
أمنحتب الثالث
يعتبر عصر الفرعون الشمس الملك الأشهر أمنحتب الثالث (ويعنى اسمه «آمون سعيد») واحدًا من أعظم عصور الفن في مصر القديمة قاطبة، إن لم يكن أعظمها على الإطلاق، وواحدًا من أعظم عصور الفن في تاريخ العالم القديم كله، وأيضا في سجل تاريخ الفن العالمي. ووُصف الملك أمنحتب الثالث بـ «قرص الشمس المشع» وعُرف بلاطه بالعظمة وصار مضربًا للأمثال بالثراء المبهر. واختار رجال بلاطه وكبار رجال دولته من عائلات النبلاء القديمة تماشيًا من سياسته القائمة على اختيار أصحاب الدم الأزرق فقط لإدارة دولته الشاسعة. وبعد الوفاة المبكرة لولى عهده الأمير تحتمس، أصبح الأمير أمنحتب (أمنحتب الرابع/أخناتون بعد ذلك) وليًا للعهد ثم صار ملكًا على مصر بعد وفاة أبيه الفرعون الشمس.
وورث الفرعون الشمس الملك أمنحتب الثالث إمبراطورية كبيرة في قمة المجد والثراء والقوة عن أجداده الملوك الفاتحين العظام أمثال أحمس الأول وتحتمس الأول وتحتمس الثالث وأمنحتب الثاني وتحتمس الرابع. وحكم الملك أمنحتب الثالث (منذ حوالي 1410 إلى 1372 قبل الميلاد) الدولة المصرية العريقة حوالي ثمانية وثلاثين عامًا، وكان الملك التاسع من ملوك الأسرة الثامنة عشرة من عصر الدولة الحديثة، عصر الإمبراطورية المصرية القديمة، سيدة العالم القديم أجمع. واعتلى العرش بعد وفاة أبيه الملك تحتمس الرابع في سن الثانية عشرة تقريبًا. وكانت أمه زوجة ثانوية تدعى «موت إم ويا». وشهد عهده رخاء وازدهارًا كبيرين ليس لهما مثيل.
وبالنسبة للملك أمنحتب الثالث وولعه غير المسبوق بالبناء والفن والعمارة والتشييد، فقد اهتم بترميم ودراسة آثار أجداده من الملوك الأقدمين ملوك مصر السابقين. وقلّد التمثال الأشهر لجده الأعلى الملك خفرع –من حكام عصر بناة الأهرام من ملوك الأسرة الرابعة– في تمثال فريد له كان موجودًا في مقبرة أمنحتب الثالث بطيبة الغربية (ويوجد الآن في متحف جامعة لندن في المملكة المتحدة) ويظهر الملك أمنحتب الثالث راكعًا وكان يحمي رأسه الإله حورس مثلما هو الحال في تمثال الملك خفرع المعروف عالميًا. وفي النصف الثاني من حكم الملك أمنحتب الثالث، أشرف الملك شخصيًا –أو من خلال مستشاريه المقربين– على تعديل المباني الدينية في طيبة وأضاف إليها معبده الجنائزي الضخم الخاص بتخليد ذكراه في منطقة كوم الحيتان في غرب طيبة.
وكان الفرعون الشمس الملك أمنحتب الثالث أشهر فراعنة مصر والعالم القديم، وواحد من أعظم حكام مصر على مر التاريخ، في أوائل سنوات حكمه مهتمًا بالرياضة وخاصة الصيد والقنص حيث كان صيادًا عظيمًا حيث عثرنا له على جعران يسجل عليه أنه أقتنص مائة ثور برى في رحلة صيد ملكية استغرقت يومين وعلى جعران آخر أنه أصدره في السنة العاشرة ذكر فيه أنه منذ ارتقائه العرش قتل 102 من الأسود في رحلات الصيد.
وأبدى اهتمامًا قليلاً بالعسكرية لأنه لم يواجه غير القليل من القلاقل مثل ما حدث في السنة الخامسة من حكمه في بلاد النوبة، غير أن القتال كان يدور مع فئة قليلة من المتمردين. وبعد أن انتصر عليهم، وسّع مساحة ملكه حتى وصل إلى الجندل الرابع، وقد دوّن ذكرى لذه الحملة بالقرب على صخور جزيرة بالنوبة. كما وصفت حملته على بلاد النوبة على لوحة سمنة في المتحف البريطاني في لندن. وقد قامت ثورة أخرى في بلدة واقعة بعد الجندل الثاني. وكانت النوبة لها إدارة ذاتية بإشراف ابن الملك في كوش، فأرسل أمنحتب الثالث نائبه في الجنوب وابن الملك لقمع تلك الثورة، ولم يشترك فيها أمنحتب الثالث. واتسم معظم حكمه بالاستقرار والرخاء.
وفي النهاية، فإن عصر الفرعون الشمس الملك الأشهر أمنحتب الثالث وروائعه الفنية والمعمارية الفريدة والعديدة والمتنوعة الخاصة بالملك وأفراد عائلته وكبار رجال بلاطه وحاشيته كان بحق خير شاهد على الثراء والجمال والروعة ودقة الأداء وعظمة مصر في العالمين القديم والحديث على حد سواء. لقد كانت مصر القديمة محظوظة بوجود ملك مثل الفرعون الشمس الملك الأشهر أمنحتب الثالث بين ملوكها من البنائين العظام، وقد كان أيضًا الفرعون الشمس الملك الأشهر أمنحتب الثالث محظوظًا بحكم دولة عظيمة كمصر سيدة العالم القديم في ذلك العصر: عصر الإمبراطورية، والتي أعطت له شهرة لا يضاهيه فيها كثير من حكام مصر من الفراعين الخالدين على وجه الزمن المتغير دومًا.
لنا تكملة في العدد القادم













