بقلم: محمد منسي قنديل
هناك اعلان لا يفتأ يتكرر على شاشات التلفزيون ، وهي اعلانات قد اصبحت مثيرة للضجر، خاصة ونحن لا ننتج شيئا ذي اهمية لنعلن عنه، وهذا الاعلان المتكرر لا يقدم منتجا ولا خدمة ولكنه يعلن فقط عن اقامة حفل، فمناسبة افتتاح أحدى الدور العسكرية سيقام حفل ضخم يضم ثلاثة من المطربين من نوع «الميجاستار» وهو تصنيف اعلى من «السوبر ستار» الذي اصبح يطلق على الجميع، المطربون من ثلاث بلدان مختلفة، أولهم مطرب خليجي ضخم الحجم كعادة معظم نجوم الخليج حيث تنعكس الوفرة المالية على أجسادهم والثانية مطربة جميلة من لبنان الذي اشتهر بجمال نساءه والثالث من مصر وهو مطرب ضئيل الحجم كثيف الشعر واسع الشعبية بحكم اغلبية الاعداد الكبيرة للمصريين، المهم في الاعلان بالنسبة لي ليست الأشكال ولكن الأصوات، فالأصوات الثلاثة متشابهة، لا فرق بين رجل وامرأة، ولا بين حجم ضخم أو ضئيل، كلها تأتي من حناجر مستعارة، تعتمد على صخب الآلات الموسيقية وقوة اجهزة الصوت وما فيها من مؤثرات، لم يعد من الممكن الحكم على جمال الصوت، وإن كنت اعتقد، وهذا مجرد رأي شخصي، أن الاصوات الثلاثة لا قيمة لها، وأن شهرتها ناتجة عن آذان لا تحسن الاستماع، فإن انخفاض المستوى الذي طال كل شيء في حياتنا قد طال الحناجر أيضا، وعلي أن اعترف أن ذوقي قديم في الغناء، فمازلت أومن أن المطرب لابد أن يمتلك حنجرة قوية واضحة المخارج، وأن يكون قادرا على فهم الكلمات التي تخرج من فمه، هذا إذا كانت الكلمات لها معنى وهو الأمر الذي لا نجده في معظم الأغاني الجديدة.
ويدرك هواة الغناء والطرب العربي، أننا نعيش في ظل انتهاء مرحلة قديمة من تاريخ هذا الغناء، وبداية مرحلة أخرى لم تتبلور، ولم تكون شخصيتها بعد، وإن كانت في معظمها تعتمد على حناجر من الدرجة الثانية، وأذكر أنه في عز شهرة أم كلثوم كتب أديبنا توفيق الحكيم قائلا: إنها السبب في تأخر الغناء العربي، فقد استنامت الجماهير لجمال صوتها وكل ما تمتلكه من مواهب الغناء القديم من عقف وعطف وتأوهات، ورضي الناس بمطربة تشدو لأكثر من ساعة بأغنية واحدة وهي تشد منديلها، وكان هذا الرأي صحيحا في مجمله، فالموسيقى العربية بفضل ملوك الطرب القدامى دخلت في غيبوبة من الدندنة والتكرار لم تفق منها إلا بعد سنوات طويلة، ومن المدهش أن ذوق الناس ظل مختلفا ومغايرا لذوق الخاصة، بل ومستقلا عن ذوق الأجهزة الرسمية بالرغم من سطوتها.
وقد قامت الإذاعة المصرية ذات مرة بإجراء استطلاع للرأي ـ شبه حقيقي ـ لاختيار أفضل مطرب يحبه الناس، وكانت تتصدر أجهزة الأثير يومها أصوات رائعة مثل أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وفايزة أحمد وشادية ووردة وفيروز، ولكن الجمهور ترك كل هؤلاء واختار محمد فوزي، و(مال القمر ماله.. ما جناش على باله)، ذلك اللحن الشعبي الفاتن، وكانت النتيجة صاعقة لدرجة أن الإذاعة لم تكرر هذا الاستطلاع مرة أخرى، فقد أثبت أن هناك ذائقة مختلفة للناس العاديين، وأنه مهما حاولت الأجهزة الرسمية، وكبار المطربين محاصرة ذوق الجمهور، فهو يكون مزاجه الخاص، وبالرغم من أن فوزي قد مات، فإن التمرد الجماهيري ظل مستمرا، ففور أن انتشرت أجهزة الكاسيت، عبروا عن هذا التمرد باختيار مطرب لم تكن الأجهزة الرسمية تذيع له أي أغنية هو أحمد عدوية، هل تذكرون عدوية بصوته المجروح المليء بالشجن؟ وهل تذكرون شكواه المستمرة من غدر الزمان وخيانة الخلان؟! لقد غدر به الرفاق بالفعل واعطوه جرعة زائدة من المخدر دمرت بضع مراكز من مخه، كان صوته فطريا خارجا من عمق الحارة المصرية، لذلك التف حوله أهل هذه الحارات من الحرفيين، وفي الوقت نفسه التف شباب الجامعات حول ثنائي آخر، لم تكن الأجهزة الرسمية تعترف به، بل كانت تعاديه على طول الخط، وأعني بهذا الثنائي الشيخ إمام مطربا وأحمد فؤاد نجم شاعرا، ما كان أجملهما، وأجمل هذا الزمان.
وهكذا ظل التمرد ساريا، وبلغ الأمر قمته بعد موت أم كلثوم، وعلى عكس التوقعات بدأت موجة غريبة من الأغاني الطويلة والبطيئة، اعتقد كل واحد من المطربين أنه يمكن أن يكون خليفة الست إذا تمكن من الوقوف على المسرح أطول مدة، وغنى الأغنية الواحدة في أطول وقت ممكن، كانت هذه واحدة من أطول فترات الغناء وأكثرها مللا، وكان من الطبيعي أن تولد موجة جديدة من الألحان الجديدة والسريعة، ولكنها كانت ولادة مبتسرة، دون أصوات مميزة، وبلا ألحان أصيلة، وبإعادة سخيفة للمعاني القديمة نفسها، وكانت هناك فورة من المطربين (الصينيين)، أي الذين يشبهون بعضهم بعضا، شكلا وصوتا ومضمونا. وبالرغم من كل (الفيديو كليبات) الساخنة، وما فيها من فوره حسية، فإن العديد من الناس لم يجدوا بدا من العودة إلى أعماق الحارة المصرية مرة أخرى، إلى واحد من ألحانها الأكثر بدائية، وحدث أن كان شعبان عبد الرحيم، بغنائه الدارج، وكلماته الخالية من الشاعرية، بل وبملابسه الغريبة المتنافرة الألوان، ولأن الاختيار كان مبتذلا، فلم يعد تعبيرا عن التمرد، ولا بحثا عن الأصالة، ولكن علامة على اليأس، فالإيقاعات الفطرية داخل الناس لم تجد من يعبر عنها، وكل ما في الثقافة الشعبية من مفردات افتقدت من يعيد صياغتها. أهمية «شعبولا» وبعده «شيبة» أنهما المرحلة البدائية التي يجب أن نبحث من خلالهما عن قوالب اكثر فنية وأفضل ذوقا، فحتى الآن لم يسمع الناس الغناء الذي يحبونه، وهم يعاقبون أنفسهم بالاستماع إلى شعبان عبد الرحيم وتيجا اورتيجا وحتى شيبة، لقد فتحت الحارة ابوابها بكل ما فيها من فقر واحباط دون أن نستطيع اغلاقه، فقد انتشرت اغاني الافراح والتحقت بها اغني عربات «السرفيس» واشتعلت إلى درجة غناء المهرجانات ودخلتها وجوه غريبة اشبه بمدمني المخدرات ولكنها اصبحت سائدة وتوارى اصحاب الحناجر المستعارة، وحتى الآن مازال الغناء غريبا يعبر فقط عن حالة الازمة الاقتصادية الزحام الخانق التي نعاني منها بلا مشاعر، بلا مشاعر على الإطلاق.








