بقلم: لمياء موسى
في زمنٍ ازدحمت فيه القيود، وتكاثرت «لكن» خلف «أحبك»، ينبثق سؤال لا يخمد له لهيب في القلب:
هل يوجد حبّ لا ينتظر مقابلًا، لا يفاوض، لا يُقاس؟
هل يمكن أن نُحَبّ لأننا ببساطتنا، لا بصورتنا المنقّحة التي ترضيهم؟
فالحبّ الخالص ليس رواية تُحكى، بل تجربة تُدرك، لا يحتاج إلى برهانٍ أو تبرير.
نظرةٌ تشعرك أنك لست بحاجة إلى إثبات، وحضنٌ يحتضنك بلا استفسار، وقلبٌ لا يتبدّل حين تسقط، ولا يتراجع أمام نقائصك.
ذلك النور الساكن الذي يضيء في عمق الظلمة، دون أن يخبو إن أخفقت أو تعثّرت.
في هذا المقال، نسير على أطراف هذا الإحساس النادر، نستنشق عبيره من ذاكرة جدّةٍ أحبّت بحضورها، وننقّب عن صداه في زوايا الوجدان… حيث الحبّ كما يليق به أن يكون.
الحديث عن الحبّ المطلق ليس أمرًا يسيرًا، رغم بساطة الكلمة وجمال رنينها.
أن تصف ما يعرفه الناس أسهل من أن تبوح بشيء لم يعتده كثيرون.
فكيف تُرسم ملامح شعور لا يُشرح بالكلمات، بل يُدرك بالقلب؟
وكيف نطلب من التعبير أن يسجن ما لا يُحتجز، وأن يُترجم ما لا يُنطق؟
كيف تصف إحساسًا من الفرح وأنت في حضرة إنسان، وكأن روحك وجدت ملاذها؟
تحبه بما فيه، بلا محاولات تجميل، ولا أقنعة تخفي هشاشته.
لا تحتاج منه تفسيرًا، ولا يسعى لإثبات شيء.
تراه بهيًّا في ضعفه، صادقًا في هدوئه، جميلًا فقط لأنه هو… كما هو.
إنني لا أتناول هنا العلاقة العاطفية بين رجل وامرأة فحسب، بل أُشير إلى ذلك النوع من الحبّ الذي يتجاوز المعايير، ويتحرّر من العقود الصامتة.
ذلك الحبّ الذي يبدو في نظرة أمٍّ لوليدها، وفي لمسةٍ على الكتف لا تسأل: ماذا فعلت لتستحقّها؟
حبٌّ يقبلك كما أنت، لا كما يُفترض أن تكون، حتى في لحظاتك المنطفئة.
حالة من التفرّغ العاطفي، حيث تنتمي إلى من تحب دون شروط، دون أن تضع سقفًا أو نهاية.
حبّ لا يخشى انكشافك، ولا يهرب من حقيقتك، بل يراك في هشاشتك ويُقرّر البقاء.
مجبول على العطاء، وكأن قلب المحب لا يعرف سوى البذل الحرّ، الطاهر، غير المشروط.
فالحبّ اللامشروط هو أسمى أنواع الحب وأندرها.
لا يُبنى على نوايا مضمَرة، ولا يُقيَّد بنتائج، ولا يُهدَّد بالتقلّبات.
لا يقول: «أحبك إذا»، بل يهمس: «أحبك لأنك أنت، فحسب».
ذلك الشعور الذي لا يرتبط بسلوك مُرضٍ، ولا ينهار عند أول هفوة.
يمنحك الطمأنينة بلا انتظار، ويهبك القبول دون ميزان، ويقف بجانبك دون مطالب.
ولا يعني ذلك التغاضي عن الألم، بل يعني أنّ جوهر المحبة لا يتغيّر باختلاف الظروف، ولا يُقاس بالمردود.
طاقته صافية، تشبه ما تهبه الأم لطفلها، أو ما تفيض به الجدة على حفيدها، أو ما تمنحه النفس حين تخلو من الخوف.
جدّتي، كانت أوّل من لقّنتني هذا الحبّ.
لم تستخدم الكلمات، بل كانت حضورًا صافيًا، يحتويني بنظرةٍ لا تطلب شيئًا، وتقول: «أحبك، لأنك أنت، وهذا يكفي».
في ظلّها، أدركت أن الحبّ لا يُعطي بمواعيد، ولا يُطالب بشرح.
كان دفؤها أول إشراق لمعنى الحبّ الصادق، البعيد عن الحسابات، المنزّه عن التوقّعات.
ومنذ ذلك الوقت، أيقنت أن هذا الوجود، كلّه، يتنفّس من نبع حبّ غير مقيّد.
طاقة خفية، تدبّ في التفاصيل، تعيدنا إلى ذواتنا حين نضيع، وتُرمّم ما تكسّر فينا دون ضجيج.
تُضفي على الوجود لونه، وتجعل الحياة تستحق أن تُعاش، لمجرّد أن الحبّ يسكنها.
من ذاق ذلك الحب من يد أب، أو قلب أم، أو عبر لمسة جدٍّ أو جدّة، لا يعود قادرًا على الرضى بما هو أقل.
لأنه ببساطة شرب من نبعٍ صافٍ، فيصعب بعد ذلك أن يبلّ ظمأه من غديرٍ ملوّث.
ذاك الذي اختبر الحبّ الحرّ، يصبح قلبه خبيرًا، يفرّق منذ اللحظة الأولى بين الحقيقة والزيف.
لا تستدرجه العبارات، ولا تخدعه الزينة، كأنه يمتلك بصرًا يتجاوز المظاهر ويكشف الجواهر.
فإن صادفتَ حبًّا يمنحك حضوره دون سؤال، ويقبلك دون قيد، فتمسّك به كأنك وجدت نجاة قلبك.
وإن قرأت في عيني أحدهم ذلك السلام، وذلك القبول العميق الذي لا ينتظر شيئًا، فاعلم أنّك لمست وجه الحبّ كما خُلق.
فالحبّ الصادق لا يُشبه زهرًا موسميًا، بل هو كالجذور.
عميق، ساكن، لا يصرخ، لكنه يثبت.
صلاته بلا صوت، وسكينته لا تُصنع بالكلام.
ويا من مررتَ به يومًا، كن مرآةً له، موطنًا، ظلًا، وأثرًا.
ازرعه في مسارك، وامنحه لمن يحتاجه.
ففي زمنٍ كثرت فيه المعايير، كن أنت البذرة النادرة…
كن أنت الحبّ، حين يتحرّر من «لكن».













