بقلم: علي عبيد الهاملي
كاتب وإعلامي إماراتي
في لحظات الاضطراب، حين تتسارع الأحداث وتظهر الاستفزازات، تُختبر الدول لا بما تقوله فقط، ولكن بما تمتنع عن قوله، وبالقرارات التي تتخذها بعيداً عن الأضواء والصخب.
في كل الأزمات، الطارئ منها وغير الطارئ، تختار الدول الواثقة من نفسها أن تتحرك من موقع الدولة العاقلة لا المنفعلة، وأن تُدير الموقف بمنطق المسؤولية لا بردود الفعل، واضعةً نصب عينيها مصلحة الاستقرار وعمق العلاقة مع الشقيق والحليف، قبل أيّ حسابات أخرى. يلفت النظر دائماً الانضباط السياسي والإعلامي الذي يرافق تعاطي هذه الدول مع الأحداث والأزمات، وهو انضباط لا يمكن قراءته بوصفه تراجعاً أو صمتاً مرتبكاً، وإنما تعبيراً صريحاً عن نضج الدولة وثقتها بقراراتها، وإيمانها بأن الأزمات العابرة لا تُدار بمنطق كسر العظم، ولا تتحول إلى صدامات مفتوحة تُرضي الانفعال الآني، وتُكلف أثماناً باهظة على المدى المتوسط والبعيد. فالدول الراسخة لا تدخل المعارك لمجرد أن غيرها يلوّح بها، ولا تستدرجها الاستفزازات إلى حيث لا تريد ولا يجب أن تكون.
العلاقات بين الأشقاء والحلفاء، مهما بلغت درجة متانتها، لا تخلو من تباينات في تقدير المواقف أو ترتيب الأولويات. غير أن الفارق الجوهري بين الدول التي تُدرك معنى الشراكة الاستراتيجية، وتلك التي تُدير خلافاتها بعقلية اللحظة، يكمن في طريقة إدارة هذه الاختلافات. فالبعض لا ينظر إلى الخلاف بوصفه مدخلاً للقطيعة، وإنما مناسبة لإعادة التوازن وضبط الإيقاع، وتغليب لغة الحوار والعقل، حتى في أصعب الظروف وأكثرها حساسية.
في هذا السياق، تبرز خطورة تحويل منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة معركة بديلة. فقد أثبت التاريخ أن الحروب الكلامية، حين تُترك بلا ضوابط، قد تكون أشد تدميرًا من المواجهات المباشرة. الكلمات، حين تنفلت من سياقها، تصنع وقائع يصعب التراجع عنها، وتراكم مشاعر عداء لا تخدم أحداً. ومن هنا، فإن الدعوة إلى التهدئة الرقمية أثناء الأزمات ليست ترفاً أخلاقياً، ولكنها ضرورة سياسية وإعلامية، لأن الخسارة في هذه الساحة غالباً ما تكون مشتركة وعميقة الأثر.
تؤثر الدول العاقلة دائماً أن تبقى وفية لخطابها الرصين، وأن تحافظ على مستوىً أخلاقيٍّ عالٍ في نقاشها العام، حتى وهي تواجه حملات منظمة وخطاباً انفعالياً ومحاولات متكررة لجرّها إلى ردود فعل حادة. هذا الخيار، وإن بدا للبعض بطيئاً أو غير صاخب، هو في جوهره الخيار الأكثر حكمة، لأنه يحمي صورة الدولة، ويصون علاقاتها، ويمنع تحويل الخلاف السياسي إلى قطيعة مجتمعية أو كراهية شعبية عابرة للحدود.
في مقابل هذا الضجيج، تواصل هذه الدول تركيزها على ما تجيده وتؤمن به. فهي دول تجيد البناء والتنمية والاستثمار في الإنسان. مشاريعها الاقتصادية الكبرى، من الموانئ إلى الطاقة النظيفة، ومن التكنولوجيا المتقدمة إلى الاقتصاد الإبداعي، لا تتوقف يوماً بسبب أزمة طارئة، ولا تُؤجَّل بسبب سجال إعلامي. وكذلك حضورها الثقافي والحضاري، داخلياً وخارجياً، الذي يظل قائماً على الانفتاح والتسامح وصناعة الجسور لا هدمها. فالدولة التي جعلت من الثقافة والتعليم والابتكار ركائز لهويتها الحديثة، لن تسمح لأزمة عابرة أن تزيح بوصلتها عن هذا المسار.
الرهان الحقيقي في مثل هذه اللحظات لا يكون على كسب جولة إعلامية، ولكن على الحفاظ على عقل الدولة وصورة القيادة ومصالح الشعوب. هذا هو ما تفعله حين تختار أن تُمسك العصا من المنتصف كي تقدم نموذجاً في إدارة الأزمات يقوم على ضبط النفس، واحترام الشراكات، وعدم الانجرار إلى معارك جانبية تستنزف الجهد والوقت والسمعة.
لقد علمتنا الأحداث أن الأزمات تنقضي، ولا يبقى منها إلا ما تراكمه الدول من ثقة، وما تحافظ عليه من ثبات، وما تقدمه من نموذج في السلوك السياسي الرشيد. وحين تُعاد قراءة المشهد،يُقال إن هذه الدولة اختارت العقل، وآثرت المستقبل على ضجيج اللحظة. تلك، في جوهرها، هي الحكمة التي لا تُقاس بعلو الصوت، وإنما بسلامة القرار.












