بقلم: علي عبيد الهاملي
كاتب وإعلامي إماراتي
في السياسة، لا تولد القرارات الكبرى من فراغ، ولا تُتخذ بدافع الانفعال أو ردّ الفعل الآني، حتى وإن ظهرت كذلك في واجهة المشهد الإعلامي. فهي، في جوهرها، نتاج مسار طويل من المراقبة والتجربة وإعادة التقييم. من هذا المنظور، يمكن قراءة القرار الأميركي بتصنيف فروع جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر والأردن ولبنان منظمات إرهابية، متقاطعاً مع التصويت الذي أجرته الجمعية الوطنية الفرنسية أخيراً، بوصفهما علامتين على تحوّل أعمق في النظرة الغربية إلى هذه الجماعة، لا بوصفها مجرد حركة سياسية ذات خطاب ديني، بل كتنظيم أيديولوجي عابر للحدود، يحمل في بنيته بذور الصدام مع الدولة الوطنية.
لعقود، تعاملت عواصم غربية عديدة مع جماعة الإخوان باعتبارها حالة رمادية؛ لا هي تنظيم إرهابي صريح، ولا هي حركة سياسية مدنية مكتملة الشروط. هذا التردد لم يكن نابعاً من غموض في أفكار الجماعة أو تاريخها، بقدر ما كان انعكاساً لرهانات سياسية قصيرة المدى، ساد فيها الاعتقاد بأن الاحتواء أو التوظيف أقل كلفة من المواجهة. غير أن التجربة أثبتت، مرة بعد أخرى، أن التنظيمات المؤدلجة لا تُروَّض، وأن خطاب المرحلة والضرورة سرعان ما ينقلب إلى مشروع تصادمي حين تتوافر له الظروف.
القرار الأميركي الأخير لافت، ليس فقط لأنه شمل فروعاً بعينها، بل لأنه تعامل معها بوصفها كيانات مستقلة في الفعل والخطر، لا مجرد امتدادات تنظيمية معزولة. وهو ما ينسف، عملياً، الخطاب الدفاعي الذي طالما لجأت إليه الجماعة، والقائم على فكرة الخصوصية المحلية لكل فرع، ومحاولة الفصل بين «التنظيم الدولي»والسلوك الوطني. فحين تتوحد الفكرة، ويتشابه المنهج، وتتقاطع شبكات التمويل والعلاقات، يصبح الادعاء بالفصل أقرب إلى مناورة سياسية منه إلى توصيف واقعي.
في السياق ذاته، يأتي التصويت الذي أجرته الجمعية الوطنية الفرنسية لصالح قرار يدعو إلى إطلاق إجراءات لإدراج جماعة «الإخوان المسلمين» على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، بعد نقاشات عاصفة استمرت قرابة خمس ساعات. النص الذي قدمته كتلة اليمين الجمهوري لم يكتفِ بالإشارة إلى المخاطر الأمنية، بل ذهب أبعد، داعياً إلى الاعتراف القانوني بالطابع السياسي للفكر الانفصالي الذي تتبناه الجماعة، وتصنيفه ضمن خانة الإرهاب. ووفقاً لتصريحات رئيس الكتلة، لوران فوكييه، فإن هذا التوجه يندرج ضمن مسار سيادي وأمني أوسع، يركز على حماية وظائف الدولة الأساسية ومؤسساتها من محاولات الاختراق والتفكيك الناعم.
ما يجمع بين القرارين الأميركي والفرنسي ليس التزامن الزمني فحسب، بل التحول في زاوية النظر. فالغرب، الذي كان يميل سابقاً إلى قراءة الإخوان من منظور براغماتي ضيق، بدأ يتعامل مع الظاهرة بوصفها إشكالية بنيوية تمسّ مفهوم الدولة، والاندماج المجتمعي، والأمن طويل الأمد. الرسالة هنا مزدوجة؛ إلى الدول التي عانت طويلاً من تمدد خطاب الإخوان ومحاولاتهم اختراق المؤسسات، بأن تجاربها لم تعد تُقابل بالتجاهل؛ وإلى الجماعة نفسها، بأن زمن اللعب على التناقضات الدولية، أو الاحتماء بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، لم يعد مضمون العواقب.
الأسباب التي ساقتها واشنطن، من تهديد المصالح الأميركية، إلى دعم جماعات مصنفة إرهابية، ليست جديدة على تقارير مراكز الأبحاث أو أرشيف الاستخبارات الغربية. وكذلك الحال في فرنسا، حيث تراكمت خلال السنوات الماضية تقارير وتحقيقات حول شبكات التأثير، والجمعيات، والخطاب الانفصالي. الجديد، في الحالتين، هو الانتقال من خانة التوصيف والتحليل إلى خانة القرار والتنفيذ. وهنا يكمن جوهر التحول، لأن السياسة لا تُقاس بما يُكتب في التقارير، بل بما يُترجم إلى التزامات قانونية وأمنية ومالية.
التبعات المتوقعة لهذه القرارات لا تقتصر على تجفيف منابع التمويل أو فرض العقوبات، بل تمتد إلى إعادة تشكيل صورة جماعة الإخوان في الوعي الغربي العام. فالتصنيف القانوني غالباً ما يسبق التحول الثقافي والإعلامي، ويعيد تعريف مفاهيم الشرعية والمظلومية التي طالما أحسن التنظيم توظيفها في خطاباته الموجهة للداخل والخارج.
ومع ذلك، يبقى الأهم مما صدر هو ما سيأتي بعده. فالتجارب السابقة علمتنا أن القرارات غير المسنودة برؤية شاملة قد تتحول إلى عناوين عابرة. المواجهة الحقيقية مع التنظيمات الأيديولوجية لا تكون أمنية فقط، بل فكرية وثقافية وتنموية. فالتطرف لا ينمو في الفراغ، بل في بيئات مأزومة، يشعر فيها الشباب بالاغتراب وانسداد الأفق وتناقض الخطاب.
في المحصلة، يشكل القرار الأميركي والتوجه الفرنسي خطوة في مسار أطول، لا نهاية له. نجاح هذا المسار سيتوقف على مدى اتساقه مع سياسات أوسع، تعترف بأن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بتحالفات ظرفية مع جماعات مؤدلجة، بل بدعم الدول الوطنية ومؤسساتها الشرعية ومشاريعها التنموية. أما الرهان على التنظيمات، فقد أثبت التاريخ، القريب قبل البعيد، أنه رهان خاسر، مهما طال أمده وتعددت ذرائعه.












