للكاتب الدكتور / زياد بشاره أفرام
تلهو بين البساتين في ضيعة بعيدة عن المدينة. تعانق الورد وتشتم رائحته لتملأ نفسها البريء برحيقه. تقطف اغصان العشب الاخضر لتضعه تاجاً على رأسها، لينعكس اللون الاخضر إلى عيونها اللؤلؤتين. تركض من مكان إلى آخر لتملأه بعطرها، لتنحني لها اغصان الزيتون، وتعود إلى مرجوحتها التي صُنِعت خصيصاً لها. ولم يتجرأ أيُ طفلٍ الاقتراب منها أو المس بها!
تغمر الشمس وهي في طريقها للمغيب علها توقفها، وهي تنظر إلى السماء مناجيةً لها بعدم انتهاء النهار، لتستمر تتراقص على رؤوس قدميها كراقصة الباليه! تسرق النظر إلى شرفة منزلها عما إذا وقف والدها لينده لها، وبذلك تكون اشارة للعودة إلى المنزل. لتنظر إلى والدها وهي المدللة، تتغندر بمشيتها علّه يعطيها بعض الوقت الاضافي لتلهو اكثر! ليكتف يديه نحوَ صدره ويومئ لها برأسه للعودة فوراً.
تدخل وكأنها الملاك الذي يطوف في السماء حراً، فارداً جناحيه ليعلو اكثر. عندها تشعر بلمسة الهواء العليل، وتشتم رحيق البساتين، مجسدةً بذلك مزهرية مزخرفة بجميع انواع الزهور والاعشاب! تتدلل على والدتها تغمرها بدورها وترفعها إلى صدرها، متوجهة إلى غرفة الغسيل وثم إلى الحمام تزيل عنها الاوساخ والبقع التي كانت تكسو وجهها، وهي غير مدركة لهذه الاوساخ والغبار. ولم تكترث ولو لمرة بحالتها. كانت اهتماماتها فقط الركض واللهو قدر المستطاع، وكأنها تصارع الزمن أبت أن تكبر لتصبح فتاة راشدة لتكمل حياتها.
وكأنها على علم!
وكأنها على علم بأن الايام القادمة سوف تحطم احلامها وآمالها في هذه الدنيا! لتتزوج في سن مبكر جداً، وهي ما زالت الفتاة التي تلهو بين الحقول وتقفز من جلٍ إلى جلٍ. متسمراً عقلها بين تلك اللحظات السعيدة الطفولية وبين ما حال بها الامر بعد ذلك الزواج. لم يستوعب عقلها تلك الخطوة الصادمة لها حين وصلت إلى عين العاصفة. العاصفة التي بدأت حين رزقت بأول فتاة، حينها ضاعت في هوائها القوي. وهي الفتاة الصغيرة وما زالت لحينها. في ذلك الغروب غمرت الشمس وهي امرأة مناجيةً لها أن تعلمها الاهتمام بطفلتها، وطالبة منها أيضاً أن تصبح امرأة وتترك ثوب الطفولة ذلك!
جاهدة بمعرفتها الضئيلة تلك، ومع مرور الايام تعلمت تربية ابنتها التي اسمتها “ريتال” إلى أن اصبحت بعمر الخمسة سنوات. استيقظت ذلك الصباح تبحث عن زوجها “براء”، لم تجده في المنزل، جلست إلى طاولة المطبخ وهي مهمومة وكأنها نسيت للحظات كل شيء. إلى أن، عاد براء إلى المنزل، وكانت الساعة قاربت الثالثة بعد الظهر متوجهاً للمطبخ كعادته، ليرى زوجته “جنى” جالسة على الكرسي وكأنها في غيبوبة. رمى السلام على زوجته وسألها عن طفلتهما ريتال: أين الفتاة. نظرت اليه بعدما علا صوته ليوقظها من غفوتها وشرودها، لتقف مسرعةً نحو غرفة الطفلة ولم تجدها، توجهت إلى الشرفة المطلة على الحي حيث يقطنون ترى ريتال مع جارتها ترعاها وهي بأمان. نزل براء إلى الشارع ليأخذ ابنته، ويعود للمنزل على الفور، متفقداً زوجته ويسألها عمّ حدث لتكون هكذا ضائعة وغير مدركة أين الفتاة!
ماذا حصل معكِ؟ سألها براء.
لتجيبه جنى: هناك أمرٌ كبيرٌ عسى أن اكون على خطأ.
حسناً، ما هو ذلك الأمر؟ رد براء عليها.
البارحة كان موعد الدورة الشهرية لي! انتظرت لليوم علني اخطأت في العد، لكن اليوم لا اشعر بشيء وهذه علامة سيئة، لهذا يجب علينا زيارة الطبيب وعلى الفور.
اتصلت بالطبيب لأخذ الموعد، لتجاوبها المساعدة بأن اقرب موعد بعد أسبوعين، وحيث أن وضعكِ ليس خطيراً، لهذا يمكنك الانتظار.
هدّأ من اضطرابها زوجها براء، وجلس معها إلى الطاولة ليستفسر منها عن قلقها وشرودها. لتقول له: براء نحن الآن ثلاثة، وها هي الحياة قاسية علينا، تخيّل ما إذا كنت حاملاً بطفل ماذا عسانا نفعل! ما هي الخطوات التي نستطيع ان نتقدم بها لتحسين وضعنا؟
براء: اسمعي جنى جيداً… أن الله عز وجل لا يترك عباده، وإن كنتِ حاملاً، فقد يكون في هذا الحمل خير عظيم لا ندركه الآن. فكم من أمرٍ ظننّاه عبئاً، فإذا به نعمةٌ ورحمة من الله.
احنت رأسها الزوجة مرددةً، عساه خيرٌ!
مرت فترة الحَمِل وفي تلك الليلة جاءها المخاض، ليعلن الطبيب عن وصول صبي جميل “راجي”! امْتَزَجَتْ دموعها ببعض، دموع فرح بالمولود الجديد وبسلامتها. لتحضن مولودها إلى صدرها، لتنهمر دموع الخوف والقلق من المستقبل وعن كيفيه تربية الطفلين!
وكأنها على علم!
اصبح راجي بعمر الأربع سنوات. وخلال تلك السنوات كانت المسافة بين الزوجة جنى والزوج براء تنشطر لتصبح هوّةً عميقة. فالزوج لم يعد يستطع تحمل النفقات، والزوجة كانت قد تألمت مما حل بهما من فقرٍ وعجزٍ حتى قوت اليومي لم يستطيعوا أن يحصلوا عليه! انهار كل شيء بينهما، ليصبح كل طرفٍ واقفاً على حافة من الشطرين ويصطحب الأطفال هنا وهناك، لم تعد الاماكن آمنة للطفلين من كثرة ما تنقلوا وسمعوا من خلافات بين والديهما. ليصبح الانهيار ساحة معركة حقيقية وصولا إلى الطلاق.
في ذلك النهار وقبل اعلان حكم الطلاق بأسبوع حدثت معجزة، عاد الزوجان إلى محاولة لجمع العائلة من جديد ولملمة ما تحطّم من آثار على الطفلين، حيث أن الطفلَيْن اصبحا تائهين، ولم يكونا مثل أي طفل، فقد تهالكا مع ذلك الانهيار، حزن، ضياع، رسوب، حالة عصبية ………
اجتمعت العائلة، وكان الزوجان مصرّين على التفاهم ولم شمل العائلة مهما جرى من احداث في الماضي، لكنّ الفقر ما زال يلازمهما، ولم يفارقهما لحظة، وكأنه ظلهما الذي لا يغيب. تآكلت الأيام وتبدّدت الاشياء الجميلة، واندثرت لحظات الفرح والسعادة كأنها لم تكن، إلى غير رجعة! بعد كل ما جرى معهما من خلافات ووصولاً إلى الطلاق، نهضا بتلك العائلة، ليبحثا عن النقاط الإيجابية التي تحثهما على المضي قدماً لتحقيق السعادة لهم جميعاً. بالفعل نجحا، هذا الأب وتلك الأم بإعطاء الحنان والحب، وكل ما استطاعا لأولادهم. لم يفت الأوان أبداً بالنسبة لهم، لكن الأولاد تحطموا مما حدث، لتكون هذه المشكلة الوحيدة التي واجهتهم، ضحوا بالكثير للتعويض على الأولاد نفسياً وعاطفياً وتربوياً! وما زالوا إلى يومنا هذا يضحون، لكن الفقر القاهر هو المرافق الوحيد لهم، حتى في أصغر الأشياء وادقها، خاصةً في تأمين الطعام للأطفال، كما ولهم أيضاً!
انبلج فجر ذلك النهار مهاتفةً شخصاً كان صديقهم وكبيرهم. دون تردد أو تفكير فيما إذا كان الاتصال سيحمل نتيجة سلبية أم إيجابية، كل ما فعلته ببساطة هو الاتصال به، مدفوعة بشعور داخلي اقوى من التردّد!
مجاوباً: جنى، هل حدث لكم شيء لتتصلي بي؟
جنى: لا ليس بالكثير، كل ما اريد بعض المساعدة!
في الحال رد ذلك الصديق: هيا قولي أي شيء، ماذا تريدين؟
عمَّ الصمت في تلك المكالمة ليقطعه صوت جنى وهي حزينة جداً أتستطيع أن تصغي لي؟
ليصل الجواب لها وفوراً: أكيد، فأنا منتظر ذلك الاتصال منذ زمن، وأنا المراقب الصامت. هيا أنني آذان صاغية!
وكأنها على علم!
غمرت الشمس، وهي أشبه بأمٍ حنون، تلك الليلة والتي يُفترض أن تكون حزينة، وبينما كانت تفلت من بين يديّها الشمس وآخر خيوط النهار، نظرت إلى السماء، تناجي ربّها بطريقتها البسيطة الفقيرة، صائحةً من أعماق قلبها بصوتٍ مخنوق. وكأنك تعلمُ…..













