بقلم: د. حسين عبد البصير
مونتو حتب الثاني
بعد عصر طويل من الاستقرار السياسي، انقسمت البلاد وشهد عصر الانتقال الأول انهيار الدولة والسلطة المركزية وطغيان سطوة حكام الأقاليم المصرية وبزوغ نجمهم. وفي النصف الثاني من عصر الأسرة الحادية عشرة، ظهر الفرعون مونتو حتب الثاني نب حبت رع ووحد مصر؛ فأصبح الموحد الثاني للأرض المصرية بعد الملك مينا الأول، وأسّس الدولة الوسطى.
حكم الملك مونتو حتب الثاني حوالي 51 عامًا. ووحد مصر تحت سلطة ملك واحد في حوالي عام حكمه التاسع والثلاثين، منهيًا بذلك عصر الانتقال الأول، ومؤسسًا عصرًا من الاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي للبلاد.
وعندما صعد مونتو حتب الثاني لحكم البلاد في منطقة طيبة (الأقصر الحالية)، كان يحكم جزءًا كبيرًا من البلاد والذي ورثه عن سابقيه يبدأ من الجندل الأول في منطقة أسوان جنوبًا إلى الجنوب من منطقة أبيدوس في محافظة سوهاج في صعيد مصر شمالاً.
وفي العام الرابع عشر من حكمه، حدث صراع في الشمال ضمن الصراع الأزلي بين الشمال والجنوب بين الملك مونتو حتب الثاني الموجود في طيبة وبين بقايا الأسرة العاشرة المنافسة له والموجودة في منطقة هيراكليوبوليس (إهناسيا المدينة في محافظة بني سويف) والتي كانت تهدد بغزو مصر العليا حيث كان يسيطر الفرعون مونتو حتب الثاني. وقد تمت تسمية هذا العام «عام جريمة الإقليم الثيني» في إشارة واضحة إلى غزو منطقة الإقليم الثيني في محافظة سوهاج من قبل ملوك منطقة هيراكليوبوليس الذين قاموا بالاعتداء على الجبانة الملكية المقدسة في منطقة أبيدوس في سوهاج. فقام الملك مونتو حتب الثاني بإرساله جيوشه المقاتلة إلى الشمال للرد بالقوة على ما قام بها ملوك منطقة هيراكليوبوليس. وأكبر دليل على هذه الحرب المقدسة لتوحيد البلاد هو عثورنا على أجساد ملفوفة في الكتان وغير محنطة لحوالي ستين جنديًا في مقبرة الجنود الشهيرة في منطقة الدير البحري في الأقصر في عشرينيات القرن العشرين الماضي. وعثرنا على اسم الملك مونتو حتب مكتوبًا على الأغطية الكتانية التي كانت تلف بها أجسادهم. وتم قتل هؤلاء الجنود في معركة الشرف في الرحلة الطويلة لتوحيد مصر المبعثرة آنذاك. ونظرًا لقرب هذه المقبرة الخاصة بهؤلاء الجنود من المقابر الملكية في منطقة طيبة، نعتقد أن هذه المقبرة تخص الأبطال الذين حاربوا وماتوا في الصراع الدموي بين الملك مونتو حتب الثاني وأعدائه من ملوك الشمال المنافسين له. وبموت حاكم مصر السفلى في هذا الصراع، ضعفته مملكته، مما جعل الفرصة سانحة أمام مونتو حتب الثاني لتوحيد مصر. وعلى الرغم من أن تاريخ التوحيد غير مؤكد، فربما حدث قبل العام 39 من حكمه.
وكذلك أمر الملك بخروج حملات عسكرية إلى النوبة كي يعيد النوبة إلى السيادة المصرية وأقام حامية في إلفنتين في أسوان. وقام أيضًا بأنشطة عسكرية في أرض كنعان في جنوب فلسطين.
الملك مونتو حتب الثاني نب حبت رع ملك عظيم وقائد عسكري فذ أعاد مصر إلى الوحدة والسيادة والمجد والرخاء، فتم توقيره من قبل ملوك مصر اللاحقين وذلك لعظيم دوره وجميل صنيعه من أجل مصر الخالدة.
أمنمحات الأول
الفرعون أمنمحات الأول هو فرعون قادم من الجنوب المصري العريق. وهو أول ملوك الأسرة الثانية عشرة التي تعتبر قمة مجد عصر الدولة الوسطى، الفترة الذهبية الثانية بعد عصر الأهرامات في الدولة القديمة.
وأغلب الظن أن هذا الملك كان الوزير أمنمحات الذي قاد حملة إلى منطقة وادي الحمامات في عهد سلفه مونتو حتب الرابع، والذي ربما كان شريكه في الحكم. ولا ينتمي أمنمحات الأول إلى الدم الملكي. وهناك عدد من الأعمال الأدبية التي تعتبر دعاية سياسية له لإضفاء الشرعية على فترة حكمه مثل «نبوءة نفرتي» و»تعاليم أمنمحات». وتأثر في العمارة بأهرامات الدولة القديمة خصوصًا أهرامات الأسرتين الخامسة والسادسة. وقام بنقل العاصمة من العاصمة القديمة طيبة (الأقصر الحالية) إلى «إثت تاوي» (أي القابضة على الأرضين) وتم دفنه في هرمه في منطقة اللشت في الجيزة.
وشهدت بدايات حكمه توترًا سياسيًا كبيرًا وصراعات عدة. وكانت هناك معارك بحرية قام بها أحد رجاله المدعو خنوم حتب الأول وأحرز فيها نصرًا مؤزرًا. وذكر هذا الموظف أن مصر قامت بحملات عسكرية عدة في الشمال والجنوب من أجل استعادة هيبة الدولة وبسط السيادة على مناطق نفوذ وممتلكات مصر. وقام جلالة الفرعون أمنمحات الأول بتدعيم أواصر حكمه والحفاظ على مؤسسات الدولة والعودة للدولة المركزية الأصيلة. واتخذ هذا الفرعون لقبًا مميزًا ضمن ألقابه الخمسة وهو «وحم مسو» بمعنى «معيد الميلاد أو النهضة» للأرض المصرية حيث قام بالعودة إلى أمجاد عصر الدولة القديمة حيث كانت الأهرامات العظيمة والمدارس الفنية العريقة.
غير أن أسوأ ما شهدته نهاية عهد هذا الفرعون هو تعرضه لمحاولة اغتيال أدت إلى مماته. ودليلنا على ذلك عملان أدبيان شهيران هما: تعاليم أمنمحات وقصة سنوهي. والنص الأول نصائح وجهها الملك الأب إلى ابنه وولي عهده سنوسرت. ولعل أهم ما جاء فيها تحذيره له من أن يثق في أتباعه، وطلب منه ألا يتخذ من أحد صديقًا. ويخبر ولده بما حدث له من اغتيال قائلاً إنه أثناء منامه بالليل، تم رفع الأسلحة على الملك من رجاله، فكان الملك أشبه بثعبان في الصحراء. وحاول المقاومة. وكانت هذه محاولة للاعتداء على حياته من حرسه الخاص. ولم يكن هناك سلاح بيد الملك، فلم يستطع مقاومة هؤلاء الخونة. ولا يوجد شجاع بليل بمفرده، دون سلاح، ودون معاون. ولقد حدث هذا الاعتداء على حياته لأن ابنه سنوسرت لم يكن معه، ولم تكن تسمع الحاشية بهذا، ولم يكن يخطر هذا بذهن الملك إطلاقًا، ولم يكن يعلم بخيانة هؤلاء الأتباع. ويؤكد هذا النص اغتيال الفرعون بواسطة حراسه، بينما كان ابنه وولي عهده سنوسرت (سنوسرت الأول بعد ذلك) يقود حملة عسكرية في لبيبا. وتعبر قصة سنوهي عن موت الملك أمنمحات الأول بشكل رمزي أدبي يعكس عظم أدب الدولة الوسطى، العصر الذهبي للأدب في مصر الفرعونية.
أمنمحات الأول ملك محارب من طراز رفيع أسس الأسرة الثانية عشرة وأعاد مصر للمجد والثراء والرخاء، وتم اغتياله على أيدي حرسه الخاص، فلم يكن جزاؤه من جنس عمله الطيب لبلده العظيم: مصر.
سنوسرت الأول
كان ولي العهد الأمير سنوسرت في حملة عسكرية في ليبيا. وفي تلك الأجواء، بلغه نبأ اغتيال والده الملك أمنمحات الأول. وكما تذكر قصة سنوهي أن أمنمحات الأول أرسل جيشًا إلى أرض التحمو، تحت رئاسة ابنه سنوسرت الذي ذهب للسيطرة على البلاد الأجنبية وأسر سكان التمحو. وأثناء عودة الأمير ومعه الآلاف من الأسرى وكل أنواع الماشية بأعداد لا حصر لها من تلك البلاد، تم إرسال عدد من رجال القصر الملكي المخلصين إلى الأمير سنوسرت لإخباره بما حدث.
وكان أمنمحات الأول عسكريًا ذكيًا للغاية، يجيد قراءة الأحداث والتنبؤ بالمستقبل، فأشرك ابنه وولي عهده سنوسرت معه في الحكم في العام العشرين من حكمه، وكانت هذه من أوائل حالات الاشتراك في الحكم في مصر الفرعونية.
وكان سنوسرت الأول من أقوى فراعنة الأسرة الثانية عشرة. وواصل سياسة والده وطبق نصائحه في تعاليمه له، فقام بالتوسع في بلاد النوبة بشكل كبير. وقام بحملتين عسكريتين في العامين العاشر والثامن عشر من حكمه. وحدّد حدود مصر الجنوبية الرسمية بالقرب من الجندل الثاني وأقام هناك حامية عسكرية، ونصب لوحة تذكارية تمجد انتصاراته العسكرية هناك.
ولم يكتف هذا الفرعون النشيط عسكريًا بهذا بل قام بإرسال حملة عسكرية إلى الواحات الغربية. ونجح في بناء علاقات دبلوماسية وطيدة مع أمراء المدن السورية والكنعانية.
وكما كان سنوسرت الأول ملكًا نشيطًا عسكريًا، كان ملكًا بناءً عظيمًا أيضًا، واستخدم القوة العسكرية من أجل تنفيذ برنامجه المعماري الضخم والطموح عبر الأرض المصرية. فنراه يرسل بعثات تعدينية تحرسها القوى العسكرية كي تجلب له المواد التي تحتاج إليها أبنيته المعمارية الضخمة. وها هو يرسل البعثة تلو الأخرى إلى أرض الفيزوز، أرض سيناء الغالية، والتي هي جزء غالٍ من أرض مصر المباركة منذ أقدم العصور ومنذ أن خطّ الإله أول كلماته. وكانت منطقة وادي الحمامات في صحراء مصر الشرقية من المناطق التي كان يرسل إليها سنوسرت الأول البعثات التعدينية محاطة بقوى مصر العسكرية الساهرة على حمايتها.
وبنى هذا الملك العديد من المقاصير والمعابد عبر الأرض المصرية وبلاد النوبة. فبنى معبد الإله آتوم في منطقة هليوبوليس، (عين شمس والمطرية في شرق القاهرة حاليًا)، والذي كان مركزًا أساسيًا لعبادة الشمس في مصر الفرعونية. وأقام في هذا المعبد مسلتين من الجرانيت الأحمر المجلوب من محاجر أسوان البعيدة، وما تزال مسلة واحدة منهما قائمة إلى الآن في مكانها، وذلك للاحتفال بالعيد الثلاثيني لجلوسه على عرش مصر الأرض الطيبة، فضلاً عن بناء مقصورته البيضاء الشهيرة في معابد الكرنك في مدينة الأقصر لنفس الغرض.
سنوسرت الأول ملكي عسكري محنك تربى في مدرسة أبيه أمنمحات الأول، فتعلم منه الكثير وكان حذرًا وحريصًا، ونجح في أن يفلت من مصير والده، وزاد عن والده بأن أقام برنامجًا معماريًا ضخمًا طموحًا في طول وعرض أرض مصر وبلاد النوبة.
لنا تكملة في العدد القادم













