بقلم: د. حسين عبد البصير
سنوسرت الثالث
يعتبر الفرعون سنوسرت الثالث أعظم وأقوى فراعنة الأسرة الثانية عشرة والدولة الوسطى المحاربين. وحقّق في عهده مجد مصر العسكري والقوة والرخاء كأقصى ما يكون المجد والقوة والرخاء في ذلك العصر البعيد. وأضفت كل هذه الأبعاد عليه المسحة الأسطورية وجعلت منه رمزًا لجميع المصريين وأيقونة يقلدها كل ملوك مصر اللاحقين.
وأدت حروبه العسكرية التي تُدرس في الأكاديميات العسكرية إلى سيادة الاستقرار والسلام والرخاء الاقتصادي الوفير في أرض مصر الطاهرة، وحطم أسطورة حكام الأقاليم التي لا تُقهر وحجمهم لأقصى ما يكون التحجيم، وقام بنهضة كبيرة في الأعمال المعمارية والفنية والملاحية والزراعية وأعمال الري لم يسبق إليها أحد من قبل. وازدهرت في عهده التجارة ووصلت إلى أقصى بلاد الجنوب وإلى الشمال مع بلاد الشام. وازدهرت أعمال الملاحة في عهده وقام بمد قناة تحمل اسمه تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط عبر نهر النيل الخالد. وتوسع العمران في عهده بشكل مذهل. كل هذه المظاهر الحضارية المشرفة دفعت المصريين إلى تقديس الفرعون المقاتل سنوسرت الثالث في حياته، وكان في ذلك من بين الفراعنة المعدودين الذين تم تقديسهم وعبادتهم في حياتهم على الأرض.
وقام الفرعون سنوسرت الثالث ببناء وتنظيف قنوات ملاحية عدة في منطقة الجندل الأول جنوب مصر مثل قناة الفراعنة التي حاول بناءها. وفي فترة ثلاث سنوات، توسع الملك الفذ سنوسرت الثالث بشكل منهجي وغير مسبوق في بلاد النوبة، وأقام سلسلة من القلاع المصرية الضخمة على طول نهر النيل في مناطق بوهن وسمنة وقمنة وتوشكى وغيرها.
وتعددت حملاته العسكرية في بلاد النوبة، فنراه يقوم بما لا يقل عن أربع حملات في هذه البلاد في الأعوام الثامن والعاشر والسادس عشر والتاسع عشر من حكمه المديد. وتشير لوحة العام الثامن من حكمه في منطقة سمنة إلى انتصاراته العديدة ضد النوبيين والتي من خلالها نجح في تأمين حدود مصر الجنوبية ومنع تسلل الجنوبين إلى الأرض المصرية. بينما تشير لوحة عظيمة أخرى من العام السادس عشر من حكمه من منطقة سمنة إلى أنشطته العسكرية في النوبة وكنعان في بلاد الشام. وفي هذه اللوحة يوصي خلفاءه من ملوك مصر اللاحقين بالحفاظ على حدود مصر الجديدة التي قام بتحديدها ومد ممتلكات مصر إليها. وفي هذا السياق يقول جلالة الفرعون: «جعلت حدودي الجنوبية أبعد مما جعله آبائي…وبالنسبة لابني الذي سوف يحافظ على هذه الحدود التي قام بها جلالتي، فهو ابني الذي وُلد لجلالتي. والابن الحقيقي هو الذي يقوم بأعمال البطولة لأبيه، وهو الذي يحرس حدود الذي أنجبه. غير أن الذي يهملها، والذي يفشل في الدفاع عنها، فإنه ليس ابني، ولم يُولد لي».
الفرعون سنوسرت الثالث ملك مقاتل وعسكري استراتيجي من طراز رفيع شغل الدنيا والناس جميعًا، ونشر اسم ورسالة وهيبة مصر في كل ربوع الشرق الأدنى القديم، فكان حقًا على المصريين تخليد سيرته وتقديسه في حياته وتقليده بعد مماته. وهذا هو شأن العظام من حكام مصر الخالدين.
أمنمحات الثالث
الملك أمنمحات الثالث هو واحد من أهم فراعنة عصر الدولة الوسطى والأسرة الثانية عشرة. وكان إداريًا حازمًا وسياسيًا حكيمًا وبناءً عظيمًا. وتعتبر فترة حكمه الفترة الذهبية لعصر الدولة الوسطى وعهد سلام واستقرار وتعمير بعد الحروب التي خاضها أبوه الملك سنوسرت الثالث الذي ربما أشركه معه في حكم مصر لمدة عشرين عامًا.
وبنى هرمه الأول المعروف بالهرم الأسود في منطقة دهشور في الجيزة. وفي حدود العام الخامس عشر من حكمه بنى هرمه الجديد في منطقة هوارة في الفيوم. وربما كان المعبد الجنائزي الخاص بهذا الهرم الأخير هو ما أطلق عليه المؤرخ اليوناني الأشهر هيرودوت وغيره اسم «اللابيرنث» (أي قصر التيه أو المتاهة)، والذي اعتبره المؤرخ والإغريقي استرابون واحدًا من عجائب العالم القديم.
ومنحت الحروب العديدة التي قام بها والده العظيم الملك سنوسرت الثالث هذا الفرعون الجديد الوقت كي يتفرغ للبناء والعمران. وقام الفرعون أمنمحات الثالث بأنشطة عسكرية غير كثيرة في فترة حكمه المديدة. فيوجد ذكر لقيام حملة عسكرية صغيرة في العام التاسع من حكمه. وجاء الدليل على هذه الحملة العسكرية من منطقة بلاد النوبة على نقش صخري بالقرب من قلعة سمنة الشهيرة. وقاد هذه الحملة العسكرية أحد قواد الملك، والذي ذكر أنه عاد بسلام إلى الشمال مع فرقة عسكرية صغيرة، وأنه لم يمت أحد منها عندما ذهبوا في مهمتهم إلى الجنوب.
غير أن أهم ما يميز عهد هذا الفرعون البناء هو اهتمامه الكبير بإرسال بعثات تعدينية عديدة لمناطق التعدين المختلفة في الأرض المصرية المباركة. وكان من بين أهمها الذهاب في حملة تعدينية إلى منطقة وادي الحودي على حدود مصر الجنوبية للحصول على حجر الجمشت أو الأماتيست أو حجر الأرجوان. وترجع تاريخ تلك البعثات إلى الأعوام الحادي عشر والعشرين والثامن والعشرين من حكم هذا الملك. وكانت منطقة وادي الحمامات من أهم المناطق التعدينية التي أرسل الملك أمنمحات الثالث البعثات إليها. وترجع بعثات وادي الحمامات إلى الأعوام الثاني والثالث والتاسع عشر والعشرين والثالث والثلاثين من حكم جلالته. وربما كان عمل البعثتين في العامين التاسع عشر والعشرين في وادي الحمامات ينصب على بداية التحضير لبناء مجموعة الملك الهرمية في منطقة هوارة. وكذلك قامت فرق العمل الملكية بقطع الأحجار لنحت التماثيل الملكية الجميلة الخاصة بالفرعون أمنمحات الثالث. وعلى شاطيء البحر الأحمر تم اكتشاف لوحة تذكر إرسال بعثة إلى بلاد بونت في عهد أمنمحات الثالث.
وشغل أمنمحات الثالث مكانة مرموقة في نظر المعاصرين له، وظلت سيرته مصدر فخر المصريين، ورفعته الأجيال التالية من المصريين إلى مصاف الآلهة والأرباب كما فعلت مع أبيه من قبل.
الملك العظيم أمنمحات الثالث نموذج قوي يوضح كيف أن الاستقرار السياسي المبني على القوة العسكرية المستقرة يمكن القائد الفذ من بناء الوطن ونشر السلام والتفرغ للتنمية والرخاء والازدهار.
سقنن رع تاعا الثاني
الملك سقنن رع تاعو أو الملك سقنن رع جحوتي عا أو الملك سقنن رع تاعا الثاني هو أحد ملوك الأسرة السابعة عشرة التي كانت تحكم جنوب مصر فقط من منطقة طيبة (الأقصر الحالية). وفي الفترة العصيبة من حكم مصر، كانت البلاد تقع تحت احتلال الهكسوس البغيض. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها احتلال جزء كبير من الأرض المصرية لفترة زمنية تبلغ القرن من الزمان. وكانوا الهكسوس يسيطرون على شمال مصر، وأعنى منطقة الدلتا المصرية العريقة، وكان نفوذهم يمتد إلى مصر أقاصي الوسطى. وبدأ حكام مصر في الأسرة السابعة عشرة تحت قيادة الملك الجنوبي سقنن رع تاعا الثاني في البدء في مقاومة الاحتلال الهكسوس خصوصًا أنه لم يبق من أرض مصر المستقلة سوي شريط ضيق في صعيد مصر كان ينعم بنوع من الاستقلال الذاتي تحت سيطرة حكام مدينة طيبة العريقة، وكان يمتد من القوصية في محافظة أسيوط (آخر حدود الهكسوس جنوبًا) وإلى منطقة إلفنتين في أسوان. فبدأ حكام طيبة يشعرون بالقوة، وأخذوا يتحالفون مع جيرانهم من أمراء مصر في الشمال والجنوب، وكتبوا أسماءهم في خراطيش تسبقها الألقاب الملكية نكاية في الهكسوس وللتعبير عن ذاتهم المصرية في مواجهة المحتل الغاشم.
وتوضح لنا إحدى البرديات المصرية بداية الصراع والاحتكاك بين حكام طيبة والهكسوس. وهي قصة تميل إلى الأجواء الأسطورية وتوضح قصة الاشتباك بين حاكم طيبة سقنن رع تاعا الثاني وملك الهكسوس أبيبي أو أبوفيس في أولى معارك وحروب تحرير مصر من محنة الاحتلال الهكسوسي البغيض. وتظهر هذه القصة ملك الهكسوس أبوفيس وهو يحاول البحث عن مبرر كي يشتبك مع حاكم طيبة سقنن رع فنراه يرسل إليه برسالة غريبة يشكو فيها من أصوات أفراس النهر التي تسبح في البحيرة المقدسة بمعبد الإله آمون في منطقة طيبة والتي تزعج ملك الهكسوس وتمنعه من النوم في عاصمته البعيدة أواريس التي تقع في دلتا النيل وتبعد مئات الكليومترات عن طيبة! وفي ذلك إشارة رمزية إلى معرفة الهكسوس بالاستعدادات التي يقوم بها حاكم طيبة لطرد الهكسوس. ورد عليه الملك البطل سقنن رع ردًا ذكيًا يظهر رغبته في السلام، كما أكرم وفادة الوفد الهكسوسي بعد أن أشار عليه رجال بلاطه بذلك.
وسقط الملك سقنن رع تاعا الثاني شهيدًا في معركة الشرف والكفاح كي يحرر مصر من محنة الاحتلال الهكسوسي البغيض. وتوضح مومياء الملك البطل الموجودة في المتحف المصري في ميدان التحرير موته متأثرًا بجراحه في معركة الشرف. وتم التأكد من هذا الأمر بعد أن تم تجريب بعض الأسلحة التي استخدمها الهكسوس وتطابقها مع معظم الجراح الموجودة بالجمجمة فضلاً عن سوء التحنيط الذي تم لهذه المومياء نظرًا لسرعة تحنيطه في ساحة المعركة.
سقنن رع تاعا الثاني حاكم وبطل مصري شجاع بدأ معركة تحرير مصر من الهكسوس ومات في معركة الشرف دفاعًا عن وطنه العظيم: مصر.
لنا تكملة في العدد القادم













