بقلم: د. خالد التوزاني
تمثل التظاهرات الرياضية العالمية مناسبة للتبادل الثقافي، من خلال ما تشهده المباريات من فرص لترويج البضائع المحلية، ومنها الحرف التقليدية والتراث الثقافي المغربي والإفريقي التي تعد رافعة أساسية لتعميق التجربة الشاملة لبطولة “كان المغرب”، فهي تحوّل الحدث الرياضي من مجرد منافسة في الملاعب إلى حوار ثقافي مفتوح ومتعدد الأبعاد يتجاوز الملعب إلى عمق المجتمع، حيث يمكن لهذا التكامل أن يخلق بيئة اجتماعية غنية بالتبادل الثقافي تسمح للزوار والرياضيين بعيش تجربة ثقافية فريدة في الحوار والتواصل والاكتشاف، وهو ما يعزز الهوية المشتركة من خلال إبراز مظاهر التشابه والتقاطعات المختلفة بين الثقافة المغربية والثقافات الإفريقية الأخرى. مع تقديم صورة راقية عن إفريقيا تجمع بين الأصالة والتجديد من خلال دمج الإبداع مع الرياضة، الشيء الذي يخلق فرصاً اقتصادية كبيرة للصناع التقليديين ويجعل منتوجاتهم المحلية تنتشر على نطاق قاري. وهكذا، فإن تحويل “كان المغرب” من تظاهرة رياضية إلى تبادل ثقافي من خلال حضور الحرف التقليدية وتفاعلها مع الثقافات الإفريقية، هو استثمار في الاقتصاد الثقافي؛ فالحرف التقليدية المغربية، بجمالياتها وألوانها وأنواعها، تمنح المشجع الإفريقي شعوراً بالانتماء؛ إذ تتحول هذه الحرف إلى لغة بصرية مشتركة تعبر عن وحدة الجذور التاريخية للقارة الإفريقية. عندما يجد المشجع الإفريقي نفسه محاطاً بفنون العمارة المغربية في المدن العتيقة للمملكة المغربية وأشكال الأزياء التقليدية التي تتقاطع في بعض أنواعها مع خصوصية اللباس الإفريقي، إلى جانب فنون الطبخ المغربي ودبلوماسية المائدة، فإننا نخرج بالبطولة من مساحة “العشب الأخضر” المحدودة إلى رحابة “العيش المشترك” ودفء “الهوية القارية المشتركة”. هذا التمازج يجعل من البطولة “منصة ديبلوماسية شعبية” تعزز قيم التثاقف والتحالف وتؤكد أن المغرب ليس مجرد بلد مستضيف، بل هو “بيت إفريقي” حقيقي يحتفي بالتنوع كعامل قوة.
تستضيف المدن المغربية هذه التظاهرة بخصوصياتها المحلية. وهذا الأمر له تأثير مباشر بين الجمهور الإفريقي وبين الصانع التقليدي المغربي في تقوية مكانة المغرب كجسر ثقافي للقارة
إن هذا الاحتكاك هو جوهر الدبلوماسية الروحية والثقافية للمملكة المغربية؛ فالصانع التقليدي المغربي ليس مجرد حرفي، بل هو حارس لذاكرة حضارية راسخة، يمتد عمرها لأكثر من اثني عشر قرنا، عُمرُ المملكة المغربية، وحينما يتفاعل المشجع الإفريقي مع “المْعلّم” في أزقة فاس أو مراكش أو طنجة، فإنه يكتشف “تماثلاً وجدانياً”، خاصةً وأن الكثير من الحرف المغربية تتقاسم روافدها مع حرف إفريقية أخرى (مثل النجارة، والخزف، والنسيج)، مما يسمح بإبراز الوحدة الإفريقية ضمن نوع من التنوع الثقافي.
هذا اللقاء المباشر يسمح كذلك بنقل الصورة الثقافية المشرّفة للمغرب دون وساطة، مما يعزز جاذبية المغرب ويدعم هويته المشتركة مع إفريقيا، وبذلك يتحول السائح الرياضي إلى “سفير ثقافي”؛ فهو لا يحمل معه من المغرب تذكاراً مادياً فحسب، بل يحمل قصة إنسان مغربي يشترك معه في تقدير اليد المبدعة والقيم الأصيلة. ولذلك فإن هذا التفاعل يقوي مكانة المغرب كـ “جسر حضاري”، ويؤكد أيضاً، وهذا هو المهم، أن الروابط بيننا وبين عمقنا الإفريقي ليست سياسية أو اقتصادية جافة فقط، بل هي روابط إنسانية بالدرجة الأولى تمر عبر الإبداع والجمال وتقدير ثقافة الإتقان.
تعد التفاعلات الشخصية المباشرة بين الجمهور الإفريقي والصانع التقليدي المغربي بل وعموم المغاربة فرصة تاريخية لتعزيز مكانة المغرب كفاعل ثقافي شريك لا مجرد مستضيف، وهذا جزء من التسويق الثقافي الواقعي.
إن اللقاءات الحية في الأسواق التقليدية والورشات تشكل “دبلوماسية ثقافية جديدة” قادرة على نقل قيم الصانع التقليدي المغربي، مثل قيم: الصبر، الإتقان، والجمال. وهذه القيم تعبر بطريقة غير مباشرة عن هوية المغرب.
كذلك عندما يرى الزائر الإفريقي زخارف “التطريز الفاسي” أو “الزرابي الأطلسية” أو “التحف الفنية البديعة”..، فإنه يكتشف تشابهاً مدهشاً مع بعض الحرف في بلاده الإفريقية، وهذا الاكتشاف البصري يخلق إحساساً بالانتماء القاري ويعزز الهوية المشتركة.
كل عملية بيع أو طلب خاص من زائر إفريقي ليست مجرد معاملة تجارية، بل هي تأسيس لشراكة ثقافية حقيقية، وبهذا يصبح الحرفي المغربي سفيراً للثقافة المغربية، والقطعة الحرفية تصبح وسيطاً ثقافياً يسافر عبر الحدود.
المغرب يتحول من مجرد مضيف للحدث الرياضي القاري إلى منصة ثقافية تُظهر كيف يمكن للحرف والصنائع والفنون أن تكون لغة حوار بين جنوب-جنوب. وهذا يرتقي بالمغرب من دور الفاعل الرياضي إلى القائد الثقافي القاري.
كما أن العلاقات الشخصية التي تنشأ بين الحرفيين المغاربة ونظرائهم الإفريقيين تخلق شبكات مهنية عابرة للحدود، تكون أساساً لتعاون مستقبلي في مشاريع ثقافية مشتركة.
وبهذه الصورة المُشْرِقة من التفاعل الثقافي بين المغرب وإفريقيا في تظاهرة الكان، يُصحِّحُ المغرب الكثير من الصور النمطية التي كرسها الاستعمار عن إفريقيا.
أخيراً، إن هذا الاحتكاك، إذا أحسنا توظيفه، لا يقوي مكانة المغرب كجسر ثقافي فحسب، بل يجعله “ملتقى” إفريقياً حياً، حيث تلتقي الأيدي الماهرة والأفكار المبتكرة لصناعة هوية قارية جديدة، جامعة بين الأصالة والمعاصرة، وبين الخصوصية والانتماء القاري. هذه هي الدبلوماسية الثقافية في أعمق معانيها.
وخلاصة القول، إن المغرب، تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، يضع إفريقيا في قلب أولوياته، وهو ما يظهر في هذا التلاحم الثقافي خلال تظاهرة الكان، وبصفتي خبيراً متخصصاً في الثقافة المغربية، أقترح وصفة علمية قادرة على تحويل هذا الزخم المؤقت للتظاهرة الرياضية إلى إشعاع ثقافي دائم، حيث تقوم هذه الوصفة على التكامل بين مستويين متوازيين: مؤسّسي وميداني.
على المستوى المؤسّسي، يمكن التفكير في إنشاء “المرصد المغربي-الإفريقي للتراث الحي والإبداع المشترك” ولن يكون هدفه التوثيق والدراسة فحسب، بل سيكون منصة لتطوير سياسات ثقافية مشتركة، وحاضنة للمشاريع العلمية والمبادرات الحرفية التعاونية، ومُصَدِّراً لـ”علامة الجودة الإفريقية” التي تثمن التقنيات التقليدية والأصالة.
أما على المستوى الميداني والتواصلي، فيمكن أن نستلهم روح التواصل التاريخي التي جسدها “طريق الحرير” لنطلق “طريق الحوار الإفريقي”، حيث لن يقتصر هذا الطريق على ورشات العمل والتبادلات، بل سيتجسد في ثلاثة محاور كبرى هي: التوثيق، والتسويق المشترك، ثم التكوين:
أما التوثيق فيعتمد على تعزيز البحث العلمي في الثقافات الإفريقية، وتسريع الرقمنة الثقافية: من خلال إطلاق مشاريع بحث، ومنصات رقمية تفاعلية توظف الذكاء الاصطناعي لعرض وتسويق الحرف التقليدية المغربية والإفريقية، مع سرد القصص الثقافية المشتركة خلف كل قطعة، وأيضاً توثيق مسار الحرفيين المغاربة وارتباط حرفهم بالعمق الإفريقي، لتظل منتوجاتهم متاحة للجمهور القاري والعالمي، ويمكن جعل هذا التواصل الرقمي ركيزة في استراتيجيات تنمية الجهات خاصة مع استكمال المغرب لوحدته الترابية.
وبخصوص التسويق المشترك، فيتطلب مأسسة المعارض المتنقلة: بجعلها معارض دورية للصناعة التقليدية المغربية في العواصم الإفريقية تحت شعار “روح المغرب الإفريقي”، مع إمكانية التنسيق مع التكتلات الإقليمية، لتستمر جذوة التواصل التي اشتعلت خلال تظاهرة الكان، وبذلك يتم الجمع بين المادي والرقمي.
ثم أخيراً التكوين، من خلال دعم الإقامات الإبداعية المشتركة: وذلك بفتح ورشات عمل للصناع التقليديين الشباب من مختلف دول القارة داخل “مراكز التكوين” المغربية، لخلق جيل جديد من “سفراء الثقافة الإفريقية” الذين يمزجون التقنيات المغربية بالروح الإفريقية المحلية.
بهذه الرؤية/الوصفة، يمكن تحويل الزخم المؤقت للبطولة إلى بنى مؤسسية دائمة تجعل المغرب منصة دائمة للحوار الثقافي الأفريقي، معززاً بذلك مكانته كجسر ثقافي حقيقي يسهم في بناء الهوية القارية المشتركة.













