بقلم: د. خالد التوزاني
تعد خطة تسديد التبليغ مشروعاً وطنياً لتخليق الحياة العامة وربط الدين بالحياة الطيبة، وقد حاولت هذه الخطة تجديد الخطاب الديني في المغرب لجعله أكثر اعتدالاً وواقعية، وتعزيز حصانة المجتمع فكرياً وعقدياً ضد الأفكار المتطرفة والدعوات الهدامة، حيث اقتضى تنزيل الخطة تحسين تكوين الأئمة والدعاة والخطباء والوعاظو إطلاق منصات رقمية وإعداد برامج في الإعلام وندوات..
من الواضح أن هذه الخطة من خلال انفتاحها على المجتمع، قد أسهمت في تعزيز التكامل المؤسسي عبر تنسيق عمل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مع مؤسسات أخرى مثل المجلس العلمي الأعلى والمجالس المحلية والجامعات .
كذلك تم التسريع برقمنة جزء كبير وهام من الخطاب الديني بخصوصيات مغربية، عبر دروس وبرامج إعلامية جديدة.
وقد تم تدريب الأئمة والوعاظ على مهارات التواصل وحسن التعامل مع المستجدات الاجتماعية، والتركيز على القيم والأخلاق بما يوافق اختيارات المغرب الدينية والثقافية مثل قيم التسامح والمواطنة وحماية البيئة، وذلك مع ما يتوافق مع الرؤية الملكية بجعل الإسلام دين الوسطية والاعتدال.
لتقييم حصيلة تنزيل هذه الخطة، من الناحية الأكاديمية، نحتاج إلى دراسات علمية لقياس الأثر، أي معرفة مدى تغيير السلوكيات أو التحول الفكري في المجتمع خلال فترة تنزيل الخطة، وهي فترة قصيرة عندما ننظر إلى التغيرات الاجتماعية وما تتطلبه من وقت أطول لملاحظة الأثر.
كذلك هناك تحدي التنافس مع خطابات أخرى لا تزال تفرض نفسها عبر الانترنيت وتستهدف الشباب وهي خطابات متطرفة توظف اليوم الذكاء الاصطناعي في الوصول إلى عقول الشباب المغربي، ما يفرض على المؤسسة الدينية المغربية تطوير أدوات اشتغالها ومداخل تأثيرها، بحيث ينبغي تطوير خطة تسديد التبيلغ لجعلها أكثر ملاءمة مع اهتمامات الشباب المغربي على وجه الخصوص، لأن الناشئة والشباب هم مستقبل المغرب. أي أن هذه الخطة ينبغي أن تستهدف كذلك المؤسسات التربوية والتعليمية والسجنية وفضاءات العمل والترفيه، ولا تقتصر على منابر الجمعة فقط.
إن جزءاًً مهماً من خطة تسديد التبليغ لا يزال تقليدياً وأقل جاذبية للشباب مقارنة بأساليب الخطابات الأخرى على الانترنيت والتي تستقطب آلاف الشباب.
كما أن تركيز الخطة على الأمن الروحي للمغاربة بتحصين الثوابت المغربية شيء إيجابي ومطلوب، ولكن لا ينبغي أن يكون على حساب تنمية الاجتهاد الفقهي والفكر النقدي البناء داخل سياق إسلامي مغربي أصيل يأخذ بعين الاعتبار روافد الهوية المغربية ومكوناتها.
وخلاصة القول، يمكن التأكيد أن خطة تسديد التبليغ تعكس الرؤية الملكية للإسلام كدين وسطي، مستندة إلى الثوابت المغربية المتمثلة في المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني وإمارة المؤمنين، ومركزة على ربط الدين بالسلوك اليومي من خلال “الحياة الطيبة” كمفهوم مركزي. منذ إطلاقها، وقد حققت هذه الخطة جملة من المكتسبات، يمكن إيجازها في النقاط الآتية:
تجديد الخطاب الديني وتأهيل تكوين الدعاة: تم تدريب آلاف الأئمة والوعاظ على مهارات التواصل الحديث، مع التركيز على قيم مثل التسامح، المواطنة، وحماية البيئة. على سبيل المثال، حيث أدخلت الخطة خطباً موحدة في المساجد ، لضمان توحيد المرجعية الدينية وتجنب الانحرافات. كما أطلقت برامج تكوينية في معهد محمد السادس لتأهيل الأئمة، مما أسهم في تعزيز الحصانة الفكرية ضد الأفكار الهدامة وتقوية أداء الدعاة في عصر سريع التحولات.
الرقمنة والانفتاح على المجتمع: كما تم رقمنة جزء كبير من الخطاب الديني المغربي عبر منصات رقمية ومن خلال صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، مع إنتاج دروس وبرامج إعلامية وبثها عبر قناة محمد السادس للقرآن الكريم، وقد امتدت هذه الجهود إلى برامج محو الأمية الرقمية بالمساجد، مستفيدة من التلفاز والإنترنت للوصول إلى فئات واسعة. هذا الانفتاح عزز التكامل المؤسسي، من خلال التنسيق مع الجامعات والمجالس المحلية، إضافة إلى تنظيم ندوات جهوية كان لها أثر طيب في الوصول إلى عمق المجتمع المغربي وفي مناطق بعيدة.
تعزيز الأمن الروحي: أسهمت الخطة في تحصين الثوابت المغربية وتمكين الثوابت المغربية وربط التدين بالخصوصيات المغربية، حيث ركزت على تقليص الهوة بين الدين والتدين الفردي. ويكفي القول بأنه في خلال سنة ونصف (حتى نهاية 2025)، تم تنظيم أكثر من 500 ندوة ومحاضرة في مختلف ربوع المملكة المغربية، مع تركيز على الشباب.
أخيراً، لقد حققت خطة تسديد التبليغ تقدماً ملموساً على المستوى التنظيمي والرقمي والتواصلي خلال سنة ونصف، خاصة في تعزيز البنية التحتية للخطاب الديني الرسمي وتوحيد مرجعيته. لكن تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى (مثل تغيير العقليات، تخليق الحياة العامة، تحصين المجتمع تماماً، إنتاج خطاب ديني يجذب الجميع إليه بمختلف مشاربهم) يحتاج وقتاً أطول، ربما من خمس إلى عشر سنوات، مع مرافقة تنزيل الخطة بدراسات علمية سوسيولوجية دقيقة لقياس الأثر، وهذا يعني، ضرورة إشراك الجامعات المغربية في تقوية أداء الخطة وتقييم تنزيلها، وأيضاً مشاركة المجتمع المدني في صياغة المضامين، مع ابتكار أساليب جديدة لتمرير القيم وفي الوقت نفسه إثارة انتباه الشباب واهتمامهم، مثل اعتماد الفنون والآداب والمنصات التفاعلية والمخيمات والمنح التدريبية والزيارات..
أي أن هذه الخطة في حاجة إلى مقاربة شاملة تربط بين الحقل الديني والجوانب الاجتماعية والاقتصادية للفئات المستهدفة.













