بقلم الأديب: حسّان عبد الله
سؤالنا في هذه المقالة هل المشكلةُ اللغويّةُ طارئةٌ أم هي تتعلّقُ بهذا الجيل فقط ؟؟
إنّ نظرةً خاطفةً نلقيها على التراثِ اللغويّ وعلى آراءِ بعضِ اللغويين والمفكّرين تظهرُ لنا أنّها ليستْ طارئةً ولا خاصّةً بهذا الجيلِ ، بل هي مزمنةٌ وضاربةٌ بجذورِها بعيدًا في أعماقِ مجتمعاتِنا ، وأنَّ ما نشكو منه اليوم شكا منه عددٌ كبيرٌ من الباحثينَ والمفكرينَ والمربّينَ . لكنْ في أجواءِ الجهلِ والتخلُّفِ والاستبدادِ لا ترتفعُ إلّا أصواتُ قلّّةٍ منَ الثائرينَ الدّاعينَ إلى الإصلاح . النظامُ اللغويُّ بل التربويُّ العام جزءٌ منَ النظامِ الاجتماعيّ . لذلك ليس عجبًا أنْ يكونَ الواعونَ للمشكلةِ اللغويّةِ والداعونَ إلى الإصلاحِ اللغويِّ هم ذاتُهُم دعاةُ ا لإصلاحِ التربويّ والاجتماعيّ والإنساني الشامل . نذكرُ من هؤلاءِ المصلحينَ الثائرينَ جبران خليل جبران وأمين الريحاني وميخائيل نعيمة وطه حسين ، ولكنّ أصواتَهُمْ لم تلقَ قلوبًا أو عقولًا صاغية .
يقول جبران : إنّما اللغةُ مظهرٌ من مظاهرِ الابتكارِ في مجموعِ الأمّةِ أو ذاتِها العامّة ، فإذا هجعَتْ قوّةُ الابتكارِ توقفَتْ اللغةُ عن مسيرِها .
ويقول أيضًا : لكم من لغتكم ما قالَهُ سيبويه والكسائي وأبو الأسود الدؤلي ومن جاء قبلهم وبعدهم ، ولي منها ما تقولُهُ الأمُّ لطفلِها والمحبُّ لرفيقتِهِ والمتعبّدُ لسكينةِ ليلِهِ.
ويقول نعيمة : اللغةُ مظهرٌ من مظاهرِ الحياةِ لا تخضعُ إلّا لقوانينِ الحياةِ كالشجرةِ تبدّلُ أغصانَها وأوراقَها أو تموتُ.
ويقول طه حسين : اللغةُ العربيّةُ لا تُدَرّسُ في مدارسِنا ، بل شيءٌ غريبٌ لا صلةَ له بالحياة .
ويقول أحمد حسن الزيات :النحاةُ أغرقوا القواعدَ في الشواذ وأفسدوا الأحكامَ بالاستثناءِ حتّى ندرَ أنْ تستقيمَ لهم قاعدةٌ أو يطّردَ عندهم قياس .
قد يُقالُ : هي مواقفُ أدباء ومفكّرين ، ما شأنُهمْ باللغةِ والصراعُ طبيعيٌّ لم يخلُ منه زمانٌ بين المبدعينَ واللغويين ، موضوعُنا لُغويٌّ فلنعالجْهُ لُغويًّا .وهو اعتراضٌ لا يقومُ على أساس موضوع اللغة على أيِّ مستوى طُرِحَ لا يعالَجُ معالجةً لُغويّةً صرفة ، بل جزءٌ من بنيةِ نظامٍ تربويٍّ واجتماعي شامل ، والأدباء لا اللغويون هم المؤتمنون على اللغة ، آثارُهم هي الروافدُ التي تغتني بها اللغةُ وما يصوغونه ويشتقونه بحسِّهِم الصافي من ألفاظٍ وتعابير .













