بقلم: تيماء الجيوش
أما آن لهذا العنف ان ينتهي؟
دور المرأة هو اساسيٌ في مجتمعها أيُن كان هذا المجتمع فاللمرأة خبرة و اضطلاع و إمكانات لا تحصى يمكن ان تُستثمر في تطوير البنى الاقتصادية و الاجتماعية و بحسب حاجة مجتمعها ودعم الدور القيادي للمرأة يعني الاستجابة للآثار المترتبة على المدنية و مقوماتها.
يأتي العنف ليقف عائقاً مباشراً و موجهاً ضد المرأة والذي يُعرف بأنه فعل عنيف تدفع اليه عصبية الجنس و بنتيجته يقع ايذاء على المرأة جسدي ، جنسي، اقتصادي، نفسي من تنديد ، خطف، اعتداء، اغتصاب، تهديد ، اكراه ، حرمان من الحرية و الحقوق ….الخ.
لا يعرف العنف ضد المرأة حدوداً فهو يقع في اَي مجتمع و على ارض أية دولة يعبر القارات و ينال من حقوق المرأة و كرامتها لا يعترفُ لهزيمة او زمن فهو مستمر ما استمرت المجتمعات قائمة على التمييز و عدم المساواة و عدم احترام الكرامة الانسانية للنساء. كان لا بد ان يُعالج هذا الامر بان تتحرك المنظومة الدولية و تقف بحزمٍ ضده ، كان لا بد من موقفٍ دولي يعكس احتراماً لحقوق المرأة كجزءٍ من حقوق الانسان و يدين هذا العنف المشين ضدها.
فكان الاعلان بشأن القضاء على العنف ضد المرأة، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام ١٩٩٣.
هذا لم ينهِ العنف و لم يحُد من الصعوبات الاجتماعية ، الثقافية، الاقتصادية و السياسية التي تنأى على كاهل المرأة و تهدد أمنها و سلامتها لا سيما عندما تتصاعد بظروف الحرب و النزاعات المسلحة و الكوارث . غالباً ما يثير الانتباه و السخط بانٍ معاً سهولة كسر اليات حماية المرأة و تهميشها في الظروف الاستثنائية و تهميش قضية العنف ضد المرأة عموماً لتتصدر قضايا مختلفة واجهة النقاش و العمل فتفقد المرأة من حيث النتيجة دعماً هي احوجُ ما تكون اليه في الازمنة العُجاف و تصبح سلعةً مرنةً اكثر للمتاجرة بها.
في العقود الثلاثة الماضية تم عقد الكثير من المؤتمرات و حلقات النقاش وورشات العمل و الأبحاث في العالم اجمع و منها العالم العربي وان كان بدرجةٍ اقل. دأبت تلك المؤتمرات على اعلان هدفٍ أساسي ألا و هو احترام حقوق المرأة كجزءٍ اصيل من حقوق الانسان و إنهاء العنف بكافة اشكاله ضد المرأة لا سيما بوجود مجموعة من المعاهدات و الاتفاقيات الدولية مثل مناهضة العنف ضد المرأة و اتفاقية حقوق الطفل و العهود الدولية لحماية حقوق الانسان الى جانب مقررات مؤتمر بكين للعام ١٩٩٤ .
و بواقعيةٍ شديدة لا بد من القول انه بالرغم من ان التحديات لتحقيق هذا الهدف كانت ضخمة وجذورها الاجتماعية، الثقافية و السياسية عميقة و بالرغم من انها تستدعي عملاً مستداماً و مسؤولاً إلا ان الآمال كانت تتجه صوب إنهاء العنف و مزيدٍ من المساواة و احترام الحقوق و الاحتفاء بالإنجازات المتواضعة التي تتوالى تباعاً هنا و هناك في بقاعٍ مختلفة من العالم مع مواكبة ذلك لدراسات ٍ تحليلية لمعرفة درجة الصعوبات و مواطن الضعف و كيفية تجاوزها و من ثم الانطلاق لتعزيز مواطن القوة في المراحل اللاحقة . كان تحليلاً عملياً وواقعياً يرصد الإنجازات و بذات الدرجة كان يرصد أيضاً نقيض ذلك ألا وهو استطراد العنف المشين و الدائم الذي لا يلين بحق المرأة .
في شهر حزيران من العام ٢٠١٢ أعلنت الامم المتحدة ان سوريا هي بلد حربٍ أهلية . وقعت على كاهل المرأة بشكلٍ مضاعفٍ و غير مسبوق تجلى في الإعتقال و الاغتصاب و الاختطاف و القتل من الأطراف جميعاً و أُنشِأت اسواقٌ لنخاسة المرأة و استعبادها يندى لها الجبين ، زواج القاصرات تجارة رابحة تغذيها ممارساتٌ ثقافية و اجتماعية لم تقف طويلاً امام طفولة ضائعة على ضفاف العبث و فنون الحرب ولم تكن جرائم الشرف غائبة بل كان لها نسبة لا يُستهان بها. لم تُخالف هذه الحرب غيرها من الحروب في اعتماد قواعد الحرب الشرسة عموماً، فإذا أردت ان تُهين خصمك فعليك ان تستهدف نساء بيته و أجسادهن . و زِد على ذلك المرأة اللاجئة و النازحة التي فقدت كل شيء و بات البحر مقبرةً جماعيةً لها، لأطفالها و لعائلتها.
بدأ الاعلام و الجمعيات بتناول ما يحدث للمرأة السورية و العراقية و اليمنية تحت وقع الحرب وتتالت التقارير التي رصدت ما يحدث ما أبرز تخلفاً اجتماعياً و تمييزاً ضد المرأة لا نظير له .
تخرج الناشطة التي نذرت حياتها للمناداة بالحرية و الديمقراطية و تبحث عن سقفٍ آمن يفسح لها المسافة كي تستمر فيما بدأت فيه لتجد نفسها مختطفة بعد حين، و بذات الدرجة التي لا تقل شراسة عما واجهته المعتقلة التي نادت بالحرية و الديمقراطية و اغتُصِبت في غياهب السجون لتجد ملاذها الأخير عائلتها تنتظرها لتتمم واجباتها و تقوم بذبحها على مدرج الشرف و العرف الاجتماعي ( تقريرBBC ). بعض المعتقلات كن اوفر حظاً قليلاً و فررن الى بلدان اللجوء و باسماءٍ مستعارة كي يحمين حياتهن و لا يكن ضحايا لجرائم الشرف. اللجوء لم يكن ساتر حمايةٍ كافٍ للمرأة ، تصفعُ صباحاتنا اخبار زوجٍ يخرجُ و بكل صفاقةٍ و يداهُ ملطخةٍ بدماء زوجته و يتمادى في غيه و يصور نفسه و يطالب كل من يراه ان يستشهد بهذا الدرس الذي يود تلقينه للنساء جميعاً و يزيد من قتامة و رعب الحدث ان طفله الى جواره يسير مسلوباً مصدوماً ، اَي غرورٍ؟ و اَي اجرام ؟ و أي ثقةٍ عمياء بتقاليد باليةٍ و عرفٍ اجتماعي استنزف القيم و استباح الدماء و هدر حياة امرأة؟ امرأة شابة اخرى تتلقى رصاصات من شقيقها و من حوله يعلنون من هو بالاسم لتقترب الكاميرا اكثر من الضحية و يأتي صوت يناديه بان يغسل عاره بمعنى اخر اقتل اختك برصاصات تعالى ازيزها تحت أنظار كثيرة و اعتبروها جريمة شرف.
في حديثٍ مقتضب مع صديق مؤخراً ، اثار اهتمامي ما قاله و هو محقٌ تماماً به، و هو التالي : ليست المسألة هي في زيادة الوعي المجتمعي بخصوص العنف ضد المرأة ، بل الجميع يعلم الفرق بين العنف و اللا عنف و بين ممارسته او عدم ممارسته ضد المرأة بل المشكلة الاساسية هي في الضمير الحي و في ان هذا جرمٌ معيب و حرامٌ بحق المرأة. و ان المشكلة ليست بفردٍ واحد بل بالمجتمع بأكمله ، اَي مجتمعٍ كان، ذلك المجتمع الذي غض الطرف عن العنف ضد المرأة و بدرجاتٍ و اشكالٍ مختلفة فباتت دماء النساء تسيل تحت ذرائع مختلفة وواهية لا تقل اجراماً عن فعل العنف المرتكب ذاته.
في بدايات العقد الاول من الألفية الثانية عقدت مجموعة من نقابات المحامين البريطانية بالتعاون مع نقابة محامين سوريا و نقابة محامين دمشق مؤتمراً قانونياً في دمشق لمدة ثلاثة ايّام و تحت عنوان القانون نحو الفية جديدة. كان المحامون البريطانيون يشاركون بمهنيةٍ و حرفيةٍ قل نظيرها سألت احد الزملاء المحامين البريطانيين ولماذا نحو الفيةٍ جديدة ابتسم بودٍ و قال هذه الألفية لا بد ان تكون مميزةً بدورٍ فعالٍ للقانون لا سيما حقوق الانسان و حقوق المرأة على وجه الخصوص. تمر السنون و العقود و العنف ضد المرأة لا نزال نشهده دون ان تقل درجة ارتكابه او شدته او نسبته . اما آن للمرأة ان تعيش في عالمٍ خالٍ من العنف؟ أليس هذا من حقها؟ اما آن لهذه الدونية اللامتناهية المرتكزة الى جندرها و بحقها ان تنتهي؟ الجواب لكم .









