بقلم: تيماء الجيوش
غالباً ما يبدأ الحديث عن العنف ضد المرأة بأنه واقعاً تقليدياً أو مسألة ثقافية أو شأناً خاصاً ، والحقيقة هو انتهاك صارخ لحقوق الإنسان بكل أبعاده من اعتداء مباشر وموجّه ينال من كرامة الإنسان و من المساواة و العدالة .
و تجريم العنف ضد المرأة ليس مجرد خيار سياسي، بل هو التزام قانوني ودستوري وأخلاقي أساسي لتحقيق العدالة والمساواة وسيادة القانون.
و من منظور دستوري، يُعد تجريم العنف ضد المرأة جزءًا لا يتجزأ من مبدأ المساواة أمام القانون. فالدساتير التي تضمن الكرامة والحرية الشخصية والحماية المتساوية تُصبح لا معنى لها إذا حُرمت النساء من حقوقهن في منازلهن أو مجتمعاتهن. و عندما تعجز الأنظمة القانونية عن تجريم العنف ضد المرأة أو معاقبة مرتكبيه بشكل مناسب، فإنها بهذا تُنشئ فعليًا تسلسلًا هرميًا للمواطنة، تُصبح فيه حقوق المرأة ليست كاملة بل ترتبط بمجموعة من الشروط . و على هذا فإن ما يتطلبه النظام الدستوري الحقيقي هو قوانين تحمي سلامة المرأة الجسدية واستقلالها دون استثناء.
و ان توصيف العنف ضد المرأة بأنه جريمة يعني تأكيداً لمبدأ أساسي في حماية القانون التامة للمرأة و حقوقها ، و أنها ضحية وقع عليها فعل جرمي.
ولعل الحاجة إلى المساءلة القانونية و فرض عقوبات جزائية و مدنية يعود إلى ما يلي:
أولًا، يُرسّخ التجريم المساءلة القانونية الواضحة. فعندما يُعرّف العنف ضد المرأة انه جريمة كاملة الأركان ، فإنه يُزيل بذلك أي لبس، و يصبح الهدف واضحاً و مفاده أن هذه الأفعال لن تُبرّر، ولن تُقلّل من جرميتها . في غياب الـ عقوبات الجزائية غالبًا ما يفلت الجناة من العقاب، وتُترك ضحايا العنف دون أي وسائل لتحقيق العدالة لهن . و على هذا فان القوانين التي تُجرّم العنف ضد المرأة ، والاعتداء الجنسي، والتحرش، وما يُسمى بجرائم «الشرف»، تنشئ معايير واجبة للتنفيذ تُحاسب من خلالها الجناة و تمنع أية إساءة أو جريمةً مستقبلاً.
ثانيًا، تجريم العنف ضد المرأة يؤكد على مبدأ المساواة أمام القانون. يعي معظم المهتمين و الخبراء بالشأن النسوي و التشريعي في المجتمعات المختلفة أن العنف ضد المرأة يُنظر إليه تاريخيًا على أنه شأن عائلي ، أو خطأ أخلاقي من قبل المرأة وليس بالمطلق جريمة جزائية. في جانبٍ هام منه يعكس هذا الأم. تمييزاً بنيوياً في المجتمع و يرسخه.. و تجريم هذا العنف يُفيد انه الدولة تُقّر بمبدأ المساواة ، وان حقوق المرأة و حمايتها بان تكون مستقلة و آمنة هو أمر بعيد عن المساومة. و ان أي عنف قائم على النوع الاجتماعي لا يتوافق بالمطلق مع اي نظام قانوني يستند إلى احترام مبادئ العدالة و المساواة .
ثالثاً : القوانين الجزائية لها دور هام جداً في منع ارتكاب هذا الجرم. بطبيعة الحال القوانين و التشريعات الجزائية لا يمكن ان تلعب دوراً أحادياً منعزلاً في القضاء على العنف ، لكنها تُمثّل ركناً هاماً و موازٍ ل التطبيق العملي لها و زيادة الوعي في منع الجرم أو تكراره.
يلعب التجريم دوراً وقائياً ومحولاً بالغ الأهمية. فالقانون يُشكّل الأعراف الاجتماعية. عندما يُعرّف العنف ضد المرأة بوضوح كجريمة، يُجبر المجتمع على مواجهة وتحدّي المواقف التي تُكّرس العنف. يُرسل القانون الجزائي عبر تنفيذه وإجراءات تُركّز على الناجيات، وخدمات الدعم، رسالة قوية مفادها أن العنف ليس حتمياً ولا مقبولاً أو مبرراً.
يُساهم الوصف الجرمي و العقوبة في زيادة الوعي العام، وتحدي المواقف التقليدية الرثة التي تتسامح مع العنف أو تُبرره. عامل الزمن يمنح الأطر القانونية المساحة كي تتجذر و أن تؤدي إلى التغيير الثقافي من خلال شرح أن العنف ضد المرأة هو فعل شائن غير مبرر ويستحق العقاب.
رابعًا، يُوفر التجريم أساسًا لآليات الحماية و دعم المرأة حيث تُتيح القوانين الفعّالة إصدار أوامر الحماية، والتدخل في الحالات الطارئة، وتعويض الضحايا، و تحقيق العدالة. كما أن آليات الحماية تُمكّن الأجهزة التنفيذية والنيابة العامة والمحاكم المختلفة من اتخاذ إجراءات قضائية تساعد من خلالها مجتمعة الناجيات من التقدم بالشكوى القانونية و طلب الحماية . أما غياب القوانين الجزائية فإنه غالبًا ما يؤدي إلى تعثر خدمات الدعم و انتفاء السلطة و منح الشرعية للعنف من خلال مبرراتٍ ثقافية و اجتماعية ، مما يُعرّض الضحايا لمزيد من الأذى.
وأخيرًا، يُعدّ تجريم العنف ضد المرأة التزامًا قانونيًا دوليًا أكدّته عدة معاهدات و اتفاقيات لعل أولها هو اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) ، وقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1325 الذي تناول واجبات الدول في منع العنف القائم على النوع الاجتماعي والتحقيق فيه والمعاقبة عليه. ويُعدّ عدم تجريم العنف ضد المرأة انتهاكًا من جانب الدول لالتزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، ويُقوّض الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز السلام والأمن والمساواة بين الجنسين. و هذا تحديداً برز فيما أوضحته لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة (سيداو) في التوصية العامة رقم 35 أن العنف القائم على النوع الاجتماعي ضد المرأة يجب تجريمه ومقاضاة مرتكبيه بأقصى درجات العقوبة. وتُعتبر الدول التي لا تتبنى تشريعات جزائية كافية، أو التي تُبقي على قوانين تُخفف من العقوبات المفروضة على الجناة، أو تُبرر هذه الأفعال مُخالفة لالتزاماتها بموجب الاتفاقية.
و الأهم من هذا و ذاك فإن تجريم العنف ضد المرأة ليس مجرد إصلاح قانوني، بل هو ضرورة أخلاقية واجتماعية. فهو يحمي الأرواح، ويدعم المساواة، ويُعزّز سيادة القانون، ويؤكد على استحالة تحقيق العدالة في ظل التسامح مع العنف. فالمجتمع الذي يُقدّر العدالة حقًا يجب أن ينحو إلى أن الاعتراف بالعنف ضد المرأة ما هو إلا جريمة تستوجب المساءلة والحماية وعدم التسامح مطلقًا.
في سياقات النزاعات و الحروب و الصراعات كما هو الحال في اليمن، السودان، ليبيا، سوريا، …إلخ يتفاقم العنف ضد المرأة بسبب النزوح والعسكرة وانهيار المؤسسات القضائية. ويترك غياب حظر جزائي واضح للعنف المنزلي والجنسي الناجيات دون أي سبيل للعدالة و الإنصاف. وتُبرز تجارب العدالة الانتقالية في أماكن أخرى أهمية المساءلة الجزائية فعلى سبيل المثال، جرّمت الإصلاحات القانونية التي أُجريت بعد النزاع في البوسنة والهرسك صراحةً العنف الجنسي في زمن الحرب، مُعترفةً به انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني وخطوة ضرورية نحو العدالة والمصالحة. في زمن السلم أم في الزمن الحرب القانون و احترامه اولوية، و تجريم العنف ضد المرأة أولوية.













