بقلم: لمياء موسى
حين يولد الإنسان، لا يعرف من ذاته سوى أنه كائنٌ يتنفس الوجود، لا يعي ذكورته ولا أنوثته، بل يعيش كروحٍ نقيةٍ حائرةٍ في جسدٍ لم يتعلم بعد لغته. ثم تأتي الأسماء — «هو» و«هي» — لتشق طريقها في الوعي، فتقسم الأدوار، وترسم الحدود، وتلقّن الطفل ما يجب أن يكون قبل أن يعرف من هو. لا يدرك أن الكلمات التي تُنطق بحنانٍ في طفولته، ستتحول يومًا إلى قيودٍ تلتف حول روحه، وإلى أحكامٍ تحاصره باسم الهوية.
هكذا تغدو الشيفرة الجندرية خريطةً خفيةً تحدّد موقعنا قبل أن نختار طريقنا، وتكتب واقعنا قبل أن نحلم به، وتكبلنا بأغلالٍ من تصوراتٍ موروثةٍ تفرض علينا كيف نرى أنفسنا وكيف يرانا الآخرون. ومنذ فجر الوعي، يُعاد تشكيلنا في قالبٍ واحد، يُعاد إنتاج الإنسان في نسخٍ متشابهةٍ لا تُنصت لفرادته، بل تُقصيه كلما حاول أن يخرج عن النص، أو أن يقول: «أنا كما أنا، لا كما يُراد لي أن أكون».
فالبرمجة الجندرية ليست سوى تشكيلٍ مسبقٍ للهوية، وهندسةٍ خفيةٍ تُرسم للجسد قبل أن ينضج الوعي، وللروح قبل أن تختار ذاتها. تُمنح الأنثى منذ الطفولة دورًا محددًا لا يُسمح لها بالتجاوز: أن تكون لطيفة، مطيعة، رقيقة الصوت، تُخفي عقلها خلف ابتسامةٍ وديعة، كأن التفكير امتيازٌ لا يليق بها، والعمل خُلق لغيرها، وبعض مجالات الحياة الأخرى لا تتناسب مع أنوثتها. ويُمنح الذكر في المقابل ساحة القوة والشجاعة والمسؤولية، يُدرَّب على الصلابة، ويُلقَّن أن الضعف عيب، وأن الرحمة نقيصة، وأن البكاء ليس من شيمه، فيكبر وهو يحمل عبء الرجولة قبل أن يفهم معناها.
إنها ليست تربيةً بقدر ما هي قوالب جاهزة يُسكب فيها الإنسان قبل أن يُسمح له بأن يختار شكله الحر.
إن البرمجة الجندرية، في جوهرها، ليست سوى تعليمٍ اجتماعيٍّ مشروطٍ، يُعيد تشكيل الفرد نفسيًا وسلوكيًا وفق الأدوار التي رسمها المجتمع سلفًا لما يسميه “ذكورة” و”أنوثة”. وهكذا يُربّى الإنسان ليؤدي دورًا لا ليكتشف ذاته، ويعيش كما خُطّ له لا كما يختار هو أن يكون.
تتواطأ منظومة المجتمع بأكملها — بوعيٍ أو بدونه — على تثبيت الصورة النمطية لكلٍّ من الذكر والأنثى. من الأسرة إلى المدرسة، ومن الإعلام إلى القوانين، تتشابك الخيوط لتنسج قالبًا صارمًا يُعاد إنتاجه جيلاً بعد جيل.
في المدرسة، تُوزّع الأنشطة والدروس كما تُوزّع الأدوار في المسرح، فالمواد التي تُنمّي الفكر والتحليل تُقدَّم للبنين بوصفها ميدانهم الطبيعي، بينما تُوجَّه البنات نحو ما “يناسب رقتهنّ”، وكأن العقل له جنس. وفي الكتب والصور والأنشطة الصفية، تُزرع البذرة الأولى للتقسيم: فتاةٌ تحمل كتاب الطبخ، وفتى يحمل الكرة، وكأن مصير كلٍّ منهما قد كُتب.
وفي الإعلام، تتكرّس الحكاية نفسها بوجوهٍ مختلفة؛ فالمرأة تُقدَّم مثالًا للجمال والرقة والأناقة والطاعة والرعاية، كظلٍّ يُكمل الرجل لا يوازيه، بينما يُصوَّر الرجل رمزًا للقوة والسيطرة، يُشجَّع على المغامرة والهيمنة، وكأن الرجولة تُقاس بدرجة البعد عن الضعف لا بعمق الوعي.
أما في القوانين والعادات، فيتجلى القيد بأوضح صوره. تُقَيَّد حرية المرأة أحيانًا في العمل والسفر والتعليم، وتُحدّ من حقوقها الاقتصادية والاجتماعية، فيُختزل وجودها في نصف مساحة المجتمع. حتى في بعض تشريعات الأحوال الشخصية، تبقى البنود كأصفادٍ خفيةٍ تمنح الرجل سلطةً وتمنع عنها خيارها.
وفي الأسرة — تلك الخلية الأولى التي يتشكل فيها وعي الطفل — تُوزَّع المهام المنزلية وفق الجنس لا القدرة: تُدرَّب البنت على الطاعة وخدمة الآخرين، ويُدفع الولد إلى الخارج، إلى العالم الرحب، إلى الحركة والمغامرة والاختبار. وهكذا يتعلم كلاهما منذ الصغر أن للأنوثة جدرانًا وللذكورة فضاءات.
والنتيجة مجتمعٌ يُصنِّف البشر وفق النوع لا الكفاءة، وفق الشكل لا الجوهر، فيضيع الإنسان بين ما هو عليه، وما يُفترض أن يكونه.
لكن، أليس في داخل كل واحدٍ منّا مزيجٌ من الأنوثة والذكورة، من اللين والقوة، من الحنان والحزم؟ أليس الوعي الكامل بالذات هو تلك المساحة الحرة التي تلتقي فيها النقيضان دون صراع؟ إن الجندر، حين يتحوّل من توصيفٍ بيولوجي إلى منظومةٍ فكريةٍ مغلقة، يُشوّه التنوع الفطري للإنسان، ويختزل الروح في إطارٍ صنعه الآخرون له، لا ما اختاره هو لنفسه.
هذه البرمجة الجندرية، وإن كانت في ظاهرها تُراد أحيانًا للحماية أو للتوجيه، إلا أنها حين تتجاوز حدّ الاعتدال، تتحول من بوصلةٍ إلى قيد. وأنا لا أختلف مع مبدأ الفهم المتوازن للأدوار الاجتماعية، ما دامت تُبنى على المشاركة لا الهيمنة، وعلى التكامل لا الإقصاء. فحين تُفهم الأدوار بوصفها تعاونًا في بناء الحياة، تظلّ مقبولة بل وضرورية، أما حين تُفرض بوصفها قانونًا أزليًا لا يُراجع، فإنها تتحول إلى جدارٍ يفصل الإنسان عن ذاته.
أنا لا أعترض على الأسماء بقدر ما أعترض على ذلك الهمس المتوارث في الأذن منذ الطفولة: «افعل لأنك رجل»، «اصمتي لأنك امرأة». أليس هذا الهمس هو أوّل شكلٍ من أشكال الرقابة على الحرية؟ أليس هو السجن الأول الذي ندخله طواعيةً دون أن نعلم؟ لكنه يرفع أسوارًا داخل الوعي، فيمنع الروح من أن تتنفس على سجيتها.
إن هذه البرمجة لا تُقصي الجنس الآخر فحسب، بل تُقصي الإنسان عن جوهره. تجعل الرجل غريبًا عن عاطفته، والمرأة غريبةً عن قدرتها، فتزرع بينهما حائطًا من سوء الفهم وسوء التقدير. وهكذا تُعاد صياغة العالم وفق منطق النوع لا الكفاءة، والرغبة لا تُؤخذ في الحسبان، بل يُنظر إليها كتمردٍ على “الطبيعة” التي لم يختاروها.
والنتيجة مجتمعٌ يعيد إنتاج الفجوة بين الجنسين، فيُهمّش المرأة عن مواقع القرار السياسي والاقتصادي، ويُقيد الرجل بأدوارٍ تقليديةٍ لا تعكس رغباته الحقيقية. كلاهما أسير صورةٍ اجتماعيةٍ مصنوعة، يدفع ثمنها على حساب إنسانيته.
لكنّ التحرر من هذه البرمجة لا يعني طمس الفروق الطبيعية بين الذكر والأنثى، بل استعادة الوعي بها دون هيمنة أو تمييز. فالمساواة لا تعني التطابق، كما أن الاختلاف لا يعني التراتب. هو وهي كيانان متكاملان، لا يتفاضلان إلا بقدر ما يطوّر كلٌّ منهما من إنسانيته.
كلّما حاولتِ المرأة أن تفهم ذاتها، أو تمدّ يدها إلى المعرفة، أو تخوض دربًا جديدًا خارج الأسوار المرسومة لها، أو ترفع صوتها مطالبةً بحقٍّ سُلب منها، وُصِمت بالتمرّد، واتُّهمت بالخروج عن الأعراف والتقاليد. ينبذها المجتمع، وتُشوَّه صورتها في مرايا الإعلام، فتغدو في المسلسلات والأفلام امرأةً “ناقصة الأدب” على القالب الاجتماعي، لا يليق بها الحلم ولا يحقّ لها الطموح، وكأنّها خُلقت لتكون ظلًّا لا شمسًا.
لقد شاهدتُ يومًا فيلمًا سينمائيًا يصوّر امرأةً تحمل حلمًا، تسعى نحوه بشغف القلب ونُبل الغاية، فإذا بالفيلم يضعها أمام مفترقٍ قاسٍ: إمّا أن تختار حلمها، أو تبقى لأجل أسرتها وأطفالها. وكأن تحقيق الذات جريمةٌ أنثوية، وكأنّ التوازن بين الحبّ والطموح قدرٌ لا يُمنح للنساء!
إنها قسوة الفهم الأعوج، حين يُفرَض على المرأة أن تُجزَّأ، بينما هي كائنٌ متكامل، فيه الحنان والقوّة، والحلم والمسؤولية. فالأسرة ليست عبئًا تُكافح المرأة لأجله وحدها، بل شجرةٌ لا تزدهر إلا برعاية اثنين، جذورها في العدل، وسُقياها في التشارك والاحترام.
نحن بحاجةٍ اليوم إلى لغةٍ جديدة، لا تزرع بذور الانقسام، بل تُربّي الطفل على أن يكون نفسه وعدم التمييز منذ الصغر، دون أن يُحاكم باسم الرجولة أو الأنوثة. ومن نقطة البداية، من داخل الأسرة والتربية الواعية، يجب أن ننطلق.
ثم إصلاح المناهج التعليمية لتقدّم أدوارًا متنوعة لكلٍّ من الذكر والأنثى، وتعرض نماذج واقعية قوية لكلٍّ منهما. كما يجب أن تُسنّ التشريعات التي تضمن للمرأة حقوقها في التعليم والعمل والملكية، لتكون خطوةً أساسية في طريق الوعي والمساواة.
حينها فقط، يمكن للفرد أن يتحرر من تلك البرمجة القديمة، ويصبح قادرًا على اختيار ذاته بحرية، بعيدًا عن القيود النمطية. وبذلك يغدو المجتمع أكثر عدلًا وإنصافًا، وأكثر قدرةً على استثمار كامل طاقاته البشرية — رجالًا ونساءً — في بناء مستقبلٍ إنسانيٍّ متوازن.
فالحرية الحقيقية لا تُمنح، بل تُكتسب بالوعي. والتحرر من البرمجة الجندرية هو جزءٌ من رحلةٍ أعمق نحو استعادة المعنى الأول للوجود: أن نكون كما خُلِقنا، لا كما أراد لنا الآخرون أن نكون.
فكل خطوةٍ نحو كسر هذه القوالب هي خطوةٌ نحو مجتمعٍ أكثر عدلًا وإنسانية.













