بقلم / مسعود معلوف
سفير متقاعد
في الرابع من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من العام المنصرم، تم انتخاب زهران ممداني، البالغ من العمر أربعة وثلاثين عاماُ، عمدة لمدينة نيويورك، وقد تسلم مهامه في اليوم الأول من السنة الحالية لمدة أربع سنوات.
لقد أثار انتخاب ممداني عمدة لأكبر مدينة أميركية اهتماماً كبيراً في الولايات المتحدة وخارجها،لأسباب عديدة، منها دينية كونه مسلماً من أصول هندية مولود في افريقيا، ومنها سياسية عائدة لمواقف اتخذها بوضوح ودون تردد.
فمجرد ترشح زهران ممداني المسلم لهذا المنصب الهام جداً أثار الكثير من الإنتقاد والمعارضة لدى اليمين المتطرف في هذه المدينة التي تعد أكثر من ثمانية مليون نسمة، والتي هي أصلا مدينة الرئيس دونالد ترامب قبل أن ينتقل الى ولاية فلوريدا، والتي فيها جالية يهودية قوية وفاعلة على الصعيد الأميركي عامة.
وُلِد ممداني في مدينة كامبالا في يوغاندا في أواخر عام 1991 لوالدين من أصول هندية، كما قضى بضع سنوات من طفولته في جنوب أفريقيا قبل أن ينتقل مع والديه الى نيويورك وهو في السابعة من العمر. وقد اهتم باكراً بالشؤون السياسية والإجتماعية لمدينة وولاية نيويورك حيث كان عضوا في المجلس النيابي لهذه الولاية بين عام 2021 وعام 2025 عندما قرر أن يترشح لمنصب عمدة هذه المدينة الكبرى.
أثناء حملته الإنتخابية لمنصب عمدة نيويورك، اتخذ ممداني مواقف متقدمة أثارت جدلاُ قوياُ ومعارضة شرسة لدى المحافظين واليمينيين المتطرفين، إذ أعلن عن نفسه أنه ديمقراطي إشتراكي، يقف بوضوح ضد كبار الأثرياء الذين يتمتعون بحصانات ضريبية ضخمة، وفي حال انتخابه سوف يجمد الإيجارات لمدة سنة على الأقل، ويؤمن رعاية للأطفال بصورة مجانية على نفقة بلدية المدينة، كما أنه سيجعل ركوب الباصات مجانياً بالكامل.
هذا على الصعيد المحلي لمدينة نيويورك، أما فيما يتعلق بمواقفه السياسية، فبالإضافة الى معارضته بصورة عامة لسياسة الرئيس ترامب العائد الى البيت الأبيض لولاية ثانية، فقد اتخذ ممداني مواقف منتقدة بقوة لسياسة إسرائيل ورئيس وزرائها بينامين نتنياهو بصورة خاصة، حيث انتتقد حرب إسرائيل على قطاع غزة واصفاُ إياها بالإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني، مؤيداُ قيام دولة فلسطينية مستقلة، ومعلنا أنه في حال قدوم نتنياهو الى نيويورك للمشاركة في أعمال الأمم المتحدة، فإنه سينفذ قرار المحكمة الجنائية الدولية القاضي باعتقاله.
لا شك أن هذه المواقف المتقدمة لمرشح لمقعد عمدة مدينة نييورك التي فيها إحدى أكبر الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة والمؤيدة لإسرائيل بشكل قوي جدا، أثارت اعتراضات واسعة النطاق، من جهة لأنه مسلم من أصول آسيوية، ومن جهة ثانية وبصورة خاصة لمواقفه المناهضة لإسرائيل والمؤيدة للقضية الفلسطينية، فلم يسلم من اتهامات بأنه معادٍ للسامية يكره اليهود، وبأنه شيوعي بسبب مواقفه التي تدعم الطبقة الفقيرة والمتوسطة، وذلك بالإضافة الى اتهامه، بشكل غير صحيح، بأنه مؤيد لحركة حماس وللتيارات الإسلامية المتطرفة التي نفذت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 في مدينة نيويورك، وذلك مع التشديد والتأكيد على قلة خبرته بسبب صغر سنه نسبيا.
كذلك اتخذ الرئيس دونالد ترامب بنفسه، أثناء حملة ممداني الإنتخابية، مواقف معادية لهذا المرشح بشكل علني وقوي، مؤيدا الإتهامات التي وجهها اللوبي اليهودي ضده، ومهددا بأنه، في حال انتخاب ممداني عمدة لنيويورك، فإنه سيقطع الإعتمادات الفدرالية العائدة لهذه المدينة، وسيأمر باعتقال ممداني في حال فوزه في هذه الإنتخابات ويجرده من الجنسية الأميركية ويرحله خارج البلاد، وكل ذلك طبعا من أجل الضغط على الناخبين كي لا يصوتوا لصالحه.
ولكن بالرغم من هذه المعارضة القوية ضد ترشحه والإتهامات الموجهة اليه شخصياُ، تمكن زهران ممداني من قيادة حملة انتخابية ناجحة جدا أدت الى فوزه بمنصب عمدة نيويورك بنسبة أكثر من خمسين بالمائة من الناخبين، وهزيمة خصمه أندرو كومو الذي كان حاكما لولاية نيويورك وكورتيس سليوا المرشح عن الحزب الجمهوري.
لقد ساعد ممداني في حملته الإنتخابية أمور كثيرة منها اعتماده على وسائل التواصل الإجتماعي الذي مكنه من الوصول الى الأجيال الصاعدة التي تريد عناصر شابة في مراكز القيادة، وأفكاره التقدمية بالنسبة الى رعاية الطفولة بصورة مجانية وعدم السماح برفع الإيجارات وذلك يساعد كثيراُ الطبقة الوسطى والفقيرة في هذه المدينة التي تتميز إجمالا بارتفاع كلفة المعيشة، وأيضاً بوجود حوالي مليون مواطن من المسلمين في مدينة نيويورك أي ما يقارب 12 بالمائة من مجموع السكان، وكل ذلك بالإضافة الى حصوله على تأييد عدد غير قليل من المواطنين اليهود الذين لا يقبلون بما يقوم به نتنياهو من أعمال إبادة ضد الشعب الفلسطيني مع ما قد يؤدي ذلك الى انعكاس على اليهود بصورة عامة.
تجدر هنا الإشارة الى أن عضو مجلس الشيوخ الأميركي برني ساندرز، الذي هو يهودي، كان من أشد الداعمين لزهران ممداني في حملته الإنتخابية، وقد أيده بقوة وكان الى جانبه في كافة مراحل حملته الإنتخابية، وهذا ما جعل عدداً غير قليل من يهود مدينة نيويورك يؤيدون ممداني ويصوتون له. والسناتور برني ساندرز يُعتبر من أشد المنتقدين لسياسة نتنياهو ويتهمه بأنه مجرم حرب ينفذ إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني، وقد سبق له أن تقدم بمشروع قرار في مجلس الشيوخ الأميركي يقضي بإيقاف المساعدات العسكرية لإسرائيل، ولكنه لم ينجح في ذلك بسبب قوة اللوبي الإسرائيلي الذي يدعم ماديا معظم أعضاء الكونغرس الأميركي في حملاتهم الإنتخابية، ودور المال في الإنتخابات معروف هنا، ونحن الآن على أبواب انتخابات تشريعية نصفية، أي انها تتم في منتصف الولاية الرئاسية، والمرشحون يهمهم كثيرا الحصول على دعم مالي لتمويل حملاتهم الأنتخابية.
وقبل أن يتسلم ممداني عمدة المدينة، وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه كثيرون ردة فعل الرئيس ترامب على فوزه ومتى سينفذ تهديداته بسحب الجنسية الأميركية منه وربما ترحيله أو أقلاً إلغاء الإعتمادات الفدرالية عن المدينة، فاجأ ترامب الجميع بدعوة ممداني الى البيت الأبيض حيث عقد اجتماعاً معه في المكتب البيضاوي وُصِف بالودي، وهنأه بفوزه، كما اتفق ترامب وممداني على التعاون في خدمة مدينة نيويورك.
وكما أشرنا سابقاً، تسلم زهران ممداني منصبه في الأول من الشهر الجاري، بعد أن أقسم اليمين الدستورية مرتين واضعاً يده على قرآن جده، المرة الأولى ليلة رأس السنة في محطة مترو تاريخية خلال مراسم مقتصرة ترأستها المدعية العامة لولاية نيويورك ليتيشا جيمس التي سبق لها أن حاكمت ترامب وفرضت عليه عقوبة مالية كبرى وهو الآن يحاول معاقبتها بعد أن عاد الى البيت الأبيض، والمرة الثانية في مراسم علنية نُقلت على معظم وسائل الإعلام الأميركية أمام مبنى بلدية نيوييورك حيث ترأس هذه المراسم عضو مجلس الشيوخ المذكور أعلاه بيرني ساندرز اليهودي في احتفال شعبي كبير.
وقد كان ملفتاً، أثناء الإحتفال العلني أمام البلدية بأداء القسم، وجود زوجته السورية الأنيقة، وهي ترتدي معطفاً جميلاً جداً نقلت بعض وسائل الإعلام أنه من ابتكار مصممة الأزياء اللبنانية المشهورة سينتيا مرهج.
لقد بدأ ممداني عهده كعمدة لمدينة نيويورك باتخاذ قرارات هامة كان وعد باتخاذها في حملته الإنتخابية وكان من أوائل هذه القرارات قرار يتعلق بمسائل السكن مثل تجميد الإيجارات ومعاقبة المالكين الذين يخالفون هذا القرار، كما أنه لم يتأخر في اليوم الأول لتسلمه مهامه في إلغاء قرارات كان اتخذها سلفه العمدة إريك أدامس بعد إدانته بمسائل تتعلق بالفساد في أواخر العام 2024، فألغى ممداني معظم هذه القرارات التي كان من بينها أمور تتعلق بدعم إسرائيل ومعاقبة المعادين للسامية.
ولا بد من التوضيح ان ممداني، بعد تسلمه مهامه الجديدة بوقت قصير، أعلن رفضه لتهديدات الرئيس ترامب بإرسال أفواج من الحرس الوطني او الجيش الأميركي الى المدينة مثلما فعل في بعض الولايات الأخرى التي يرأسها حكام ينتمون الى الحزب الديمقراطي بحثا عن مهاجرين لترحيلهم بالقوة، كما أوعز الى كافة أجهزة الأمن العاملة في المدينة بعدم التعاون إطلاقاً مع هذه الأفواج في حال دخولها المدينة، علما أن احد القرارات التي سبق واتخذها سلفه وألغاها ممداني كان يقضي بالترحيب ومساعدة هذه القوات.
وقد سعى ممداني جهده لتطمين اليهود الأميركيين في نيويورك بأنه سيكون عمدة للجميع دون تمييز، وولايته مدتها أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، وعليه فإننا سنرى إن كان زهران ممداني سينجح في هذه المهمة في خلال السنوات الأربع القادمة وإن كان سيترشح من جديد للإنتخابات التي ستجري في أواخر العام 2029.













