بقلم: خالد بنيصغي
في عالم مليء بالتناقضات أصبحنا لا نفرق بين الأصل والفرع ، وبين الصحيح والخطأ ، تأتينا الأخبار من كل مكان ، من الصحافي وأشباه الصحافيين ، وأحيانا كثيرة من مواقع التواصل الاجتماعي ، فإلى أين نسير بين مقتدر في عمله وبين أفاك كذاب لا يهمه إلا البحث عن المال ولو كان على حساب الدين والأخلاق والوطن والناس جميعا ؟؟
أغلب المتطفلين يتحدثون في كل شيء، وفي كل وقت وحين ، دون مراعاة لتقصي الحقائق ، بل إنهم وفي كثير من الأحيان يأتون بالأخبار الخاطئة وهم يعلمون ذلك ، يُزَيِّفُونَ الحقائق ولا يتورعون خوفاً من الله عز وجل، ولا يخشعون حتى في هذا الشهر المليء بالنفحات الربانية شهر رمضان الذي أُنْزِلَ فيه القرآن رحمة للعالمين، بل إنهم ماضون في خلق الفتنة في المجتمعات والوطن وحتى البيوت الصغيرة .
لم تعد لنا قنوات تلفزية أو إذاعية أو حتى مجلات وجرائد تحمينا كما في السابق من الزَّيْف لأننا لم نعد نهتم لها بنفس الحجم الذي كنا نهتم به قبل الألفية الثانية من العد الميلادي ، وحتى الدولة لم تعد قادرة على احتواء الوطن والمواطنين من خلال خطاباتها الرسمية، بسبب هذه الفوضى في التقاط الخبر والمعلومة والثقافة والتربية المجتمعية المتوخاة .
دور المدرسة أيضا لم يعد كما كان في السابق ، وذلك لأسباب ذاتية تتمثل في تعطيل ملكة العلم وتحويلها إلى مصنع إنتاج براغماتي مفروغ من القيم الدينية والأخلاقية والتربوية ، زد على ذلك التغيرات التي تحدث سراعاً في المنظومة كلها من تغيير للمقررات المدرسية التي أصبحت مفرغة تماما من القيم الدينية والأخلاقية وقيم الوطنية والقومية ، مما نتج عنه حزمة من المعوقات الروحية و المجتمعية أدت إلى هذا التباين الكبير بين قلة قليلة من أفراد مجتمع صالحين والأغلب الباقي في كل واد يهيمون .
لم يعد حتى بالإمكان للمثقف الأصيل خاصة في مجتمعاتنا العربية أن يقنع الآخر بما فيه الأمِّي والجاهل ولو بالحجة الدامغة والدليل القاطع ، وكأن زمن الإفحام قد ولى إلى غير رجعة ، بل وإننا نجد ذلك حتى بيْن الفئة المثقفة في برامج الرأي والاختلاف ، لأن العبث بالأفكار والتعنت لغير الحق والحقيقة أصبح “ موضة “ العصر ، وأصبح الكذب رأسمال مربح للعديد ممن ينعدم عندهم الضمير والأخلاق والإنسانية .
لسنا ندري إن كنا فعلا نعيش الأيام أم أن الأيام هي التي تعيشنا ؟؟ أينما اتجهنا نرى المعوقات تسير بيننا ، مهما كانت اختياراتنا سواء كنا نحن “المُلَقِّن” أو “المتلقي” فإننا نحتار في الأمريْن معا ، ففي هذا الزخم الهائل والغير المبرر من الأصوات والصور والأقلام إضافة اليوم إلى “ الذكاء الاصطناعي “ تاه الإنسان وتاهت عنه الحقيقة ، وأصبحنا نعيش في متاهات المرايا التي تعكس أي شيء إلا نحن فلا تعكسنا أبداً ، وإنه لمن قمة العبث اليوم مثلا أن نرى ونسمع ونعيش تناقضات في جميع الميادين والمجالات ، فلم تسلم الثقافة لا الرياضة ولا السياسة ولا الاقتصاد .. وحتى الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران ، لا نعلم نتائج هذه الحرب الدائرة ؟؟ فلنتصور حجم العبث التي تأتي به القنوات المختلفة بجميع أشكالها في تلك الأخبار المتناقضة بين منتصر ومنهزم في حرب لا يعلم إلا اللهُ تعالى مآلها .
المثقفون الأحرار هم وحدهم من يعيشون تحت صدمة المجتمعات المتخلفة دون أن يمارسوا حقهم في تصويب أخطاء هذه المجتمعات فقط لأنهم ذابوا وسط زحام الإنتاجات المسمومة التي تأتي من كل حدب وصوب ، ولا نملك إلا أن نتجنب شرور الأبواق الطائشة وآثام الجهل والأمية وكثرة القيل والقال .. والله المستعان .. دمتم بود .













