بقلم: تيماء الجيوش
احتفالية يوم المرأة العالمي لهذا العام لازمتها صورتان فارقتان عكستا قضية هامة. الصورة الأولى كانت في قيام الكونغرس السوري الكندي بتكريم المرأة السورية و العربية في مدينة مونتريال، الاحتفاء بانجازاتها ، تثمين صوتها و رأيها ، تقدير ما قدمته على صعُدٍ مختلفة، مواجهة تحديات عدة بمرونة لم تثنيها عن حمل قيم إنسانية و ثقافية و مدنية. كان لي الشرف ان أكون أنا و شقيقتي كنده الجيوش بين المكرمات . حدث هذا في الثامن من آذار/مارس للعام ٢٠٢٦ .
هذا التقدير عمل على تنفيذه الدكتور ايمن ياسيني و أعضاء اللجنة التنظيمية له السيدة الفرا، السيدة ديروان ، والسيدة برازي. فكل الشكر لهم لما لها من رمزيةٍ و قيمة معنوية بالغة الأهمية في زمنٍ شديد التعقيد و التركيب السياسي و الثقافي و الاجتماعي ، والتي آمل لهذه المبادرة المشرقة أن تصبح تقليداً ملازماً للكونغرس السوري الكندي في مونتريال إن أمكن.
على الضفة المقابلة كان هناك صورة قاتمةً و مؤلمة محورها المرأة و حدثت في يومها العالمي في الثامن من آذار/مارس ، فوفقاً للعديد من المصادر الإعلامية المحلية السورية ، غادرت إحدى الفتيات أهلها بقصد الزواج من شاب ، ما دعا أفراد من أسرتها وفي سبيل عودتها اليهم و من قبيل الضغط إلى اختطاف ثلاثة أشخاص من أسرة الشاب في جنوب محافظة حلب ، سوريا. و بالنتيجة تمّ عقد جلسة صلح ما بين الأسرتين و بوساطةٍ مجتمعية تمثلت بمجلس العشائر تعهد فيها والد الفتاة بعدم التعرض لها . و توصل الطرفين إلى أن يتم تزويجها من الشاب . انتهى الخبر هنا عند هذا الحد، ليليه و بعد بضع ساعات من الاتفاق و التعهد و الصلح خبر آخر بمقتل الفتاة على يد أخيها الذي بحث عن شرفه في قتل أخته و إراقة دمائها.
كانت مفارقة بالغة القسوة أن تنتهي حياة هذه المرأة في يوم المرأة العالمي ، أن تنتهي حياتها بينما كانت تتردد على منصات الأمم المتحدة وفي احتفاليتها لهذا العام شعاراً هو: «الحقوق، العدالة، و العمل من أجل جميع النساء والفتيات».
وما هدف إليه الشعار لهذا العام هو الدعوة إلى العدالة و إلغاء كل ما يعيقها من قوانين تمييزية ، الخلل في الحماية القانونية و كل ما يأتي تحت سقف الممارسات و الأعراف الاجتماعية العنفية ضد المرأة. مُحذّراً من ان النساء و الفتيات يتمتعن فقط ما هو بنسبة ٦٤٪ من الحقوق التي يتمتع بها الرجال.
لو نظرنا إلى جريمة الشرف من خلال البُعدين الاجتماعي و القانوني ، لوجدنا أنها تُلحق ضرراً بالغاً بالضحايا، و يمتد أثرها إلى النسيج الأخلاقي للمجتمع. هذا الفعل أو الجريمة تُرتكب بذريعة الحفاظ على «شرف» العائلة أو المجتمع، لكنها في حقيقة الأمر تُمثل انتهاكاً صارخاً للحقوق الأساسية في الحياة والكرامة والحرية الشخصية. عندما تتم معاقبة النساء والفتيات و يتمّ قتلهم لأسبابٍ مفترضة أو تجاوزات مُتصوَّرة، كأن تقرر إحداهن اختيار من تتزوج به، أو تسعى لان تكون مستقلة أو تعمل لممارسة حريتها الشخصية، فإن المجتمع يُرسل و يدعو إلى ما مفاده أن العنف يُمكن تبريره بالتقاليد أو الضغط الاجتماعي.و هذا يُقوِّض سيادة القانون و يلقي باحترام دوره بعيداً، بل و يهدم مبدأ حق كل إنسان في الحماية و الاحترام على قدم المساواة. ليس هذا و حسب، بل تخلق جرائم الشرف ثقافة الخوف والصمت داخل المجتمعات. قد يشعر الضحايا والضحايا المُحتملون بأنهم محاصرون، غير قادرين على طلب المساعدة أو الحماية بسبب الوصمة الاجتماعية، أو الضغط العائلي، تنعدم الثقة بالسلطات. وتمنع الحوار الجدي حول حقوق الإنسان، والمساواة بين الجنسين، والحرية الشخصية. عندما تُطّبع المجتمعات العنف أو تتغاضى عنه، فإنها تُضعف التماسك الاجتماعي وتُرسّخ معايير جنسانية ضارة تُحدّ من إمكانات المرأة ومشاركتها في الحياة العامة والتعليمية والمهنية.
علاوة على ذلك، يُلحق وجود جرائم الشرف ضرراً بالنظام الاجتماعي والقانوني الأوسع نطاقاً، فالمجتمعات التي تُقصر في منع هذه الجرائم تُخاطر بالسماح بوجود أنظمة موازية للرقابة الاجتماعية تُعارض دور القانون ، العدالة والمساواة. منع جرائم الشرف لا يقتضي فقط وجود أطر قانونية متجذرة فحسب، بل يتطلب أيضاً الوعي وتعزيز القيم في احترام الكرامة والمساواة.
يُعدّ البُعدين الاجتماعي والقانوني لهذه المسألة ركيزة بناء مجتمعات يُعرّف فيها الشرف لا بالسيطرة أو العنف، بل بالرحمة واحترام الحقوق و الحريات.
كذلك و في الحديث عن البعد القانوني فإن هذه الجريمة هي خرق واضح للقانون الدولي، فهي تخالف ما نصّت عليه معاهدات و مواثيق حقوق الإنسان. فهي تنتهك مجموعة من الحقوق وأولها الحق في الحياة و الحرية كما وردتا في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. والقانون الدولي يُقّر بأن المبررات الثقافية أو التقليدية بالمطلق لا تُبرر العنف أو القتل . و على هذا فان التزام الدول هو التزام دولي بحماية الأفراد من القتل التعسفي والإساءة والتمييز.
في العديد من المواضع رأى القانون الدولي في جريمة الشرف شكلاً خطيرًا من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي المحظور بموجب الأطر القانونية الدولية. وتُلزم اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة الدول بالقضاء على الممارسات التي تُميز ضد المرأة وضمان مساواتها أمام القانون. يعكس العنف القائم على الشرف عدم المساواة المتجذرة بين الجنسين، حيث تُقيد استقلالية المرأة وحرية اختيارها وسلامتها الجسدية بالإكراه والعقاب. وعندما تعجز الدول عن منع هذه الجرائم والتحقيق فيها ومقاضاة مرتكبيها، فإنها تنتهك التزاماتها الدولية بحماية المرأة من العنف والتمييز.
زد على ذلك، تقوض جرائم الشرف المبدأ القانوني الدولي الأوسع نطاقًا الذي ينص على أن جميع البشر يتمتعون بكرامة متأصلة وحقوق متساوية. و جوهر القانون الدولي هو بإلزام الحكومات ليس فقط بالامتناع عن ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان، بل أيضًا بحماية الأفراد بشكل فعال من العنف الذي يرتكبه أقرانهم . وعلى هذا دأبت مؤسسات و منظمات الامم المتحدة وآلياتها المعنية بحقوق الإنسان على التأكيد و باستمرار أن هذا العنف لا يمكن تبريره بالثقافة أو العرف أو التقاليد. ولذلك يتعين على الدول سن تشريعات فعالة، وضمان المساءلة، وتعزيز التعليم والتغيير الاجتماعي للقضاء على هذه الممارسات ودعم سيادة القانون وحقوق الإنسان .
حقيقة الأمر بين الصورتين الآنفتين أعلاه و محورهما المرأة ان المسألة هي الخيار بين أمرين : أولهما أن تحتفي بالنساء و تكرمهن و تعطيهن حقهن من التقدير بدءاً من سنّ القانون و تنفيذه ووعي المجتمع أن يتجاوز عتبة ما لديه إلى أفقٍ يتسع و يحمل في ثناياه احتراماً للحريات و الحقوق، و ثقةً بان أفراده لهم حماية واحدة لا تتجزأ وعلى قدم المساواة . و ثانيهما مجتمع يستطيع فيه أن يتصرف الجناة وكانّه ليس هناك من نظام للعدالة و ان لهم ممارسة العنف و ارتكاب جرم جزائي كجريمة الشرف دون ان تنالهم عقوبة وان المرأة محلاً للاضطهاد و الدونية . هي مسألة اختيار و عمل دؤوب . و شتان ما بين الثرى و الثريا.
أسبوع سعيد لكم جميعاً













