بقلم / مسعود معلوف
سفير متقاعد
يلاحظ القارئ في هذا العنوان استعمال عبارة الحرب الإسرائيلية-الأميركية على إيران وليس عبارة الحرب الأميركية-الإسرائيلية بالرغم من أن الولايات المتحدة هي الدولة العظمى وهي التي ينبغي أن تقود في مثل هذه الظروف، والسبب في ذلك هو أن إسرائيل هي التي أقنعت ترامب بالمشاركة في هذه الحرب التي لم يكن الرأي العام الأميركي مستعدا لها، أو على اطلاع بأهدافها وأسباب االمشاركة المفاجئة فيها.
في زيارة بنيامين نتنياهو الأخيرة الى واشنطن في شهر فبراير المنصرم والتي كانت زيارته السابعة الى البيت الأبيض في ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية، شدد نتنياهو على ضرورة القيام بعمليات عسكرية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران، مدعياً أن إيران أحرزت تقدماً كبيراً جداً في مجال إنتاج الصواريخ الباليستية، وكذلك في المجال النووي.
في العاشر من شهر فبراير، قبل الزيارة مباشرة، نشرت وكالة “سي ان ان” الأميركية خبرا مفاده أن نتنياهو يعتزم البحث مع ترامب بإمكانية تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة ضد إيران علما أن إسرائيل كانت، من جهتها، تعد خططاً لتنفيذها منفردة في حال عدم نجاح المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران. كما أن نتنياهو يود، حسب “سي ان ان”، تقديم معلومات مخابراتية جديدة للرئيس ترامب حول إمكانات إيران العسكرية.
وقبيل توجهه الى واشنطن، صرح نتنياهو أن إيران هي البند الأول والأهم على جدول الأعمال في لقائه المرتقب مع ترامب، موضحاً أن “هنالك مجموعة من القضايا سأبحثها مع الرئيس الأميركي مثل غزة ومنطقة الشرق الأوسط، ولكن قبل كل شيء، المفاوضات مع إيران”.
نذكر جيداً كيف كان الوفد الأميركي يقوم بجولات مفاوضات مع إيران في منتصف العام الماضيسعياً للوصول الى اتفاق نووي جديد بعد ان انسحب ترامب في ولايته الأولى من اتفاق العام 2015 الذي تم تحقيقه في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، وقبيل انعقاد الجولة السادسةمن المفاوضات بين الفريقين، قام الجيش الإسرائيلي بشن هجمات عسكرية جوية مفاجئة على إيران ما حمل الرئيس ترامب على المشاركة في هذه العمليات العسكرية وإيقاف المفاوضات مع إيران.
وزيارة نتنياهو الى واشنطن الشهر الماضي حصلت بعد عودة المفاوضات الأميركية-الإيرانية مجددا، علما أن ترامب كان صرح تكرارا ان العمليات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة مع إسرائيل في شهر يونيو الماضي أدت الى تدمير كامل للمنشآت النووية الإيرانية، وها هو الآن يتفاوض مع إيران فيما يتعلق بملفها النووي.
فالدور الإسرائيلي في الحرب الجارية حالياً ضد إيران واضح جدا، ويرى معظم المراقبين في الولايات المتحدة أن نتنياهو تمكن من إقناع ترامب بالمشاركة في هذه الحرب عبر إظهار لوائح ومعلومات حصلت عليها إسرائيل من عملائها في إيران على حد مزاعم نتنياهو، وهي تُظهِر تطورات ملموسة في المجال النووي وفي مجال إنتاج الصواريخ الباليستية المتوسطة المدى في إيران مع إمكانية إنتاج صواريخ بعيدة المدى يمكنها أن تطال الولايات المتحدة، كما يبدو أن نتنياهو عرض على ترامب خطة حربية مشتركة يمكن بموجبها القضاء على القيادة الإيرانية السياسية والعسكرية بسرعة، وهذا ما من شأنه أن يجعل ترامب يحقق انتصاراً كبيراً وسريعاً يستعمله في الإنتخابات التشريعية النصفية التي بدأت الحملة لها والتي يبدو الحزب الجمهوري فيها متراجعا بعض الشيء.
من جهة ثانية، يبدو أن الرئيس ترامب وجد في القيام بحرب على إيران فرصة لإشاحة أنظار المجتمع الأميركي عن فضائح إبستين الجنسية، والتي يحتل الرئيس ترامب قسماُ لا بأس به في الملفات الخاصة بهذه الفضائح. وقد تم تشكيل لجنة من الكونغرس للتحقيق في هذه الملفات التي يظهر فيها أسماء شخصيات سياسية بارزة. وقد استدعي الرئيس كلينتون وزوجته هيلاري للإدلاء بشهادة كل منهما يومي السادس والعشرين والسابع والعشرين من فبراير، كما كان هنالك مطالبات من أعضاء ديمقراطيين في الكونغرس لاستدعاء الرئيس ترامب للإدلاء بإفادته أمام هذه اللجنة، علما أن وسائل الإعلام الأميركية كانت في تلك الفترة تركز بشكل كبير على تلك القضية وعلى احتمال وجودعلاقة للرئيس ترامب بهذه الفضائح.وفي الثامن والعشرين من فبراير فوجئ العالم بشنالحرب على إيران، ومنذ ذلك الوقت، تركزت التغطيات الإعلامية على مجريات الحرب ولم تعد تذكر تلك الفضائح إلالاتهام الرئيس ترامب بشن الحرب من أجل إبعاد الأنظار عنها.
الحزب الجمهوري حالياً يملك الأكثرية في مجلس الشيوخ وفي مجلس النواب التابعين للكونغرس الأميركي، والدستور هنا، في مادته الأولى، يعطي صلاحية إعلان الحرب للكونغرس، ولكن ترامب تجاوز الدستور سواء في العملية العسكرية التي سبق ونفذها الجيش الأميركي في فنزويلا او في الحرب التي يشنها حالياُ على إيران.
إزاء هذا الوضع، قام عدد من أعضاء الكونغرس من الحزب الديمقراطي بالتقدم بمشروع قرار بسبب مخالفة الدستور من قبل الرئيس ترامب في سبيل وضع حد لهذه الحرب، ولكن هذا المشروع لم يبصر النورنتيجةلوقوف الأكثرية الجمهورية في مجلسي الكونغرس ضده. من المفيد التوضيح هنا أن معظم أعضاء الكونغرس الجمهوريين يؤيدون الرئيس ترامب تأييدا تاما ويدينون له بالولاء المطلق، خاصة وان الحملة الإنتخابية التشريعية قد بدأت في مرحلتها التمهيدية حيث يجري كل حزب انتخابات داخلية لاختيار مرشحيه للإنتخابات العامة في شهر نوفمبر القادم، وقد هدد الرئيس ترامب الأعضاء الذين يخالفون سياسته بأنه سيدعم أخصامهم في الإنتخابات التمهيدية داخل الحزب، وفي ذلك أحد أسباب هذا الإصطفاف الجمهوري وراء ترامب دون أي اعتراض او انتقاد.
لقد أعلن الرئيس ترامب الحرب على إيران دون إطلاع الرأي العام الأميركي على الأهداف التي يود تحقيقها مكتفيا باتهام إيران بعدم الجدية في المفاوضات بعد ثلاث جولات في مسقط عُمان وفي فينا، وكان من المقرر عقد جولة رابعة في فينا. ومع أن الجيش الأميركي تمكن من تدمير أهداف عسكرية هامة في إيران، إلا أن استقصاءات الرأي كانت تشير الى ان أكثرية الأميركيين هم ضد هذه الحرب، كما أن كثيرا من الإنتقادات بدأت تُوجَه الى ترامب متهمة إياه بالإنصياع لإرادة نتنياهو ومصلحة إسرائيل على حساب مصلحة الأميركيين، فبدأ كل من وزير الحرب بيت هغسيت ووزير الخارجية ماركو روبيو بإعطاء تفسيرات مختلفة وأحيانا متناقضة، كما أن الرئيس ترامب بالذات كان يناقض نفسه بصورة يومية حول أهداف الحرب ومدتهاوأسباب شنها مكررا اتهام إيران بأنها كانت على شفير انتاج سلاح نووي في مهلة أسابيع قليلة، وفي ذلك تناقض واضح لما قاله بعد العملية المشتركة مع إسرائيل في شهر يونيو الماضي حيث اعلن بصورة متكررة أنه دمر تدميراً تاماً المنشآت النووية ووضع حدا لطموحات إيران في هذا المجال.
الملفت الآن أن عددا متزايدا من أعضاء الكونغرس ينتقدون ترامب لانصياعه لإرادة نتنياهو، معلنين بشكل واضح أن هذه هي حرب إسرائيل وليست حرب الولايات المتحدة، لدرجة أن عضوا بارزا من الحزب الديمقراطي وهونائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، نشر تغريدة على منصة تويتر، قال فيها أن نتنياهو يحاول دون جدوى منذ اربعين سنة جر الولايات المتحدة الى حرب مع إسرائيل، الى أن وجد رئيساً غبياً يسير معه في هذا الإتجاه.كما يصرح آخرون بأن نتنياهو يحاول أن يظهر أمام الإسرائيليين بأنه يدافع عنهم ضد أعدائهم على عدة جبهات، ويسعى جاهدا لتحقيق “إسرائيل الكبرى” وكل ذلك من أجل عدم دخول السجن في حال خسارة حزبه في الإنتخابات القادمة وعدم عودته رئيسا للحكومة الإسرائيلية.
يعي معظم الأميركيين حاليا،حتى داخل الحزب الجمهوري، ان نتنياهو هو المستفيد الأول من هذه الحرب، ويبرر مؤيدو الرئيس ترامب وحلفاء اسرائيل في الكونغرس انغماس الولايات المتحدة في الحرب بتصريحات متكررة فيها انتقادات قوية للنظام الإيراني وتأييد مطلق لإسرائيل باعتبارها الحليف الأول لأميركا في الشرق الأوسط، مطلقين ادعاءات لا أساس لها من الصحة بأن إيران كانت على شفير انتاج السلاح النووي ولولا هذه الحرب لتمكنت من تدمير إسرائيل والقضاء عليها بالكامل، دون ان يتذكروا أن إسرائيل هي التي تملك السلاح النووي منذ عشرات السنين ولا تسمح لمراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالإطلاع على منشآتها النووية.
تطورات الحرب على الأرض ومدى صمود إيران وإمكانية إلحاقها خسائر كبرى في الممتلكات والأرواح في إسرائيل، والكلفة المادية الكبرى على الولايات المتحدة التي تبلغ حوالى مليار دولار يومياً،من شأنها أن تحمل الرئيس ترامب على إعادة النظر بانغماسه في هذه الحرب والعودة الى طاولة المفاوضات التي هي السبيل الوحيد لحل النزاعات، والتصريحات المتناقضة التي يطلقها كل من الرئيس ترامب ووزير الحرب حول المدة الزمنيةلهذه الحربتوحي بصعوبة تقدير الفترة التي ستستغرقها هذه الحرب الإسرائيلية-الأميركية على إيران.













