بقلم : وليد حديد
نص موجز لقراءة تاريخية فلسفية
في هذا الزمن، لم يعد الدم يصرخ؛ صار يُدار.
ولم يعد القتل صدمة؛ صار إجراءً.
الألم نفسه أُعيدت صياغته: من فاجعةٍ أخلاقية إلى ملفٍّ سياسي، ومن صرخة إنسان إلى لغةٍ تُهذَّب حتى تفقد حدّتها.
هناك ساديةٌ تُرى، وأخرى لا تُرى.
الأولى تمشي على الأرض بثقل الأحذية العسكرية،
تترك أثرها على الجدران والوجوه وذاكرة الطفولة.
ساديةٌ معلَنة، فاضحة،
تُوثِّق أفعالها أحيانًا بلا خجل،
وتتعامل مع الجسد الفلسطيني بوصفه مساحة سيطرة وتجريب.
أما الثانية، فهي أخطر، لأنها لا ترفع صوتها.
ساديةٌ خفيّة، تجلس خلف المكاتب،
تحسب الدم بالأرقام،
وتقول: الوضع معقّد،
وكأن التعقيد يملك حقّ تعليق البديهة الأخلاقية.
في السادية المعلَنة يُقتل الإنسان،
وفي السادية الخفيّة تُقتل إنسانيته أولًا.
الأيديولوجيا هنا ليست فكرة، بل آلة.
آلةٌ تُعيد تعريف القتل دفاعًا،
والحصار ضرورة،
والإبادة خيارًا مؤسفًا لكنه مفهوم.
بهذه اللغة، يُجرَّد الفلسطيني من صفته كغاية،
ويُختزل في “هدف”، أو “ضرر جانبي”،
ثم يُسلَّم جسده للعنف بعد أن تمّت تهيئة المعنى.
هذا ليس جديدًا في التاريخ.
في أوروبا القرن العشرين، رأينا كيف صُنِع العنف النازي بخطابٍ يُعيد تصنيف البشر، وحذّرت حنّة آرندت من تفاهة الشر:
حين يصبح الشر وظيفة يومية،
ويمارس القتل بلا كراهية صاخبة،
بل بطاعةٍ إدارية، وبعقلٍ مطمئن.
لكن الفارق أن النازية كانت فجّة وقصيرة العمر،
أما السادية في فلسطين فهي أعمق وأطول نَفَسًا،
لأنها تراكمت على مدى مئة عام،
وتغذّت من تحالفات قوى مسيطرة عالميًا،
وتكيّفت مع لغة القانون وواجهات الديمقراطية وهاجس “الأمن”.
النازية صنعت معسكرات،
أما الاحتلال الحديث فصنع خطابًا.
خطابًا يُدير الإبادة بلا إعلان كراهية،
ويحوّل السيطرة إلى حقٍّ تاريخي،
والضحية إلى تهديد دائم.
هنا تُصبح السادية غطاءً للاحتلال الحديث:
ليست لذّة مباشرة بالألم فقط،
بل نظامًا يمنح من يمارسه شعور التفوّق الأخلاقي، لا الإثم.
ومع ميشيل فوكو نفهم كيف تعمل السلطة حين تتقن إدارة الأجساد:
حين لا تحتاج إلى الصراخ،
بل إلى تنظيم الحياة والموت،
وتوزيع الشرعية على من يستحق أن يعيش ومن يمكن أن يُترك للموت.
في هذا المنطق، لا يُقتل الفلسطيني فقط،
بل يُدار موته ضمن اقتصادٍ للسيطرة،
وتُراقَب حياته حتى وهو يُمحى.
اللغة، هنا، سلاحٌ صامت.
“حق الدفاع” يُعلّق سؤال التناسب،
و“تعقيد الصراع” يُطفئ الوضوح،
و“القلق” يحلّ محلّ الإدانة.
بهذه اللغة، تتحوّل السادية إلى ممارسة ناعمة،
لا تصرخ، لكنها فعّالة.
تعريف بسيط للسادية
السادية هي التلذّذ بإيقاع الألم على الآخر،
أو القبول باستمراره،
أو تبريره،
حين يُنزَع عن الآخر اعترافه كإنسان كامل.
قد تكون ضربة،
وقد تكون قرارًا هادئًا،
وقد تكون صمتًا محسوبًا،
أو لغةً تُفرغ الألم من معناه.
في فلسطين،
السادية لم تعد سلوكًا فرديًا،
بل ذاكرة استعمارية مستمرة،
تستعير من الماضي أدواته،
وتلبس في الحاضر قناع العقل،
لتقنع العالم أن ما يحدث ليس جريمة،
بل “واقعًا”.
التخلّص من السادية في الشرق الأوسط
السادية في الشرق الأوسط ليست قدرًا مكتوبًا، ولا صفة دائمة، بل أثر الظلم والحرمان، وظلال التاريخ الطويل الذي عانى فيه الإنسان من انتهاك حقوقه وكرامته. حيث لا عدل، يتسلل القهر، وحين يُحرم الحق، يشتعل العنف في النفوس.
العدل هو الجذر الأول.
ليس شعارات مكتوبة على جدران، بل إحساسٌ حيّ بالكرامة، واعترافٌ بالحق في الحياة، واعتبارٌ لكل إنسان كغاية، لا كوسيلة. حين يُعاد للإنسان حقه، ينكسر سبب السادية، ويعود الألم ليكون صرخة للعدالة لا لانتقام.
المقاومة ليست عشقًا للعنف، بل رفضٌ للمهانة، استعادة للذات حين تُسلب، وحماية للوجود حين يُهدد. قيمتها الحقيقية تكمن في كونها دفاعًا عن الحياة، لا احتفالًا بالموت.
الدفاع عن النفس حقٌّ إنساني، لكنه يصبح فخًّا إذا انفصل عن الأخلاق. حين يُمارَس ضمن أفق العدالة، يصبح أداة حماية، وحين يتحوّل إلى تعويض عن القهر، يعيد إنتاج السادية نفسها التي نحاربها.
لنكسر الحلقة: الظلم → القهر → الانتقام → سادية جديدة.
نحتاج وعيًا نقديًا، وثقافة إنسانية، وخطابًا يعيد للإنسان قيمته قبل أن يُعاد تسليحه.
حين يصبح العدل ممكنًا، يتراجع العنف، وتفقد السادية مبرّرها، ويستعيد الإنسان حقه في الحياة قبل حقه في الرد.
الخلاص لا يبدأ بوقف النار فقط،
بل بكسر اللغة التي تُطفئ معناها،
وبنزع الشرعية عن الأيديولوجيا التي جعلت القسوة رأيًا،
والصمت حكمة،
والإنسان تفصيلًا.
فحين يُستعاد الإنسان كقيمة غير قابلة للتفاوض،
تسقط السادية—
معلَنةً كانت أم خفيّة—
ويعود الألم ليكون صرخة،
لا بندًا في تقرير.













