قصة اجتماعية من وحي الخيال.
للكاتب الدكتور / زياد بشاره أفرام
شاب آتٍ من مكان بعيد له عاداته وقيمه الخاصة، ترعرع في بيئة محافظة جداً معيلٌ لوالديه المسنيّن. تاركا قريته متوجهاً إلى المدينة قاصداً صديقه الذي دائماً يتصل به ويطلب منه القدوم إلى تلك البقعة حيث هو يعمل في مؤسسة كبيرة وله مركزه وعده بأن يساعده للحصول على وظيفة جيدة بمعاش يليق به، وبخبرته الواسعة في إدارة الشركات، اكتسب حضوره طابعًا خاصًا، وبهدوئه اللافت استطاع أن يتفوّق على زملائه في العمل حيث عَمِلَ قبل العوده إلى قريته، والعيش مع عائلته بهدوء وسكينة. لم يتوانَ ولا للحظة من الاهتمام بهم بكل تفاصيلهم الحياتية الاجتماعية، حتى عندما سافر للخارج بغية العمل بالمنصب الجيد الذي عرض عليه آنذاك!
في القرية كان أياس شاباً مهذباً ولائقاً ويزور جميع أهلها ازدادت ثقتهم به وكان والداه يفتخران به وبطريقته الفريدة بمساعدتهم على حل مشاكلهم، ليحمل لقب “المختار”.
وصل أياس إلى المدينة بعمر الثلاثة والثلاثين ربيعاً، مستقيم القامة، ملتحي، عيناه عسليتان ببريق مميز ينبعث من داخلهما، شعره مموج يظهر بانحناءات خفيفة على شكل موجات، تنصب أكتافه بثبات، وتوحي بنيته بالقوة والاتزان، ملامحه هادئة كهدوئه الداخلي!
استقبله صديقه كما وعده، توجها إلى المنزل وما إن وصلا حتى وقف أياس يراقب الحي وضخامة واجهة المبنى، المؤلف من عدة طوابق، مزخرفاً بأحجار صخرية ممزوجة بأحجار من الصوان الملون. بُنيت بطريقةٍ شرقية تحت راية رجلٍ مغربيّ ملمٍّ بهذه الزخرفة التي تأخذك إلى إسبانيا بجمالها التي لها حدود لها!
استقرّ أياس في منزلٍ محاذٍ لمنزل صديقه سعيد بعد عدّة أسابيع، حيث مكث عند صديقه ريثما يُجهّز أموره وينتقل إلى منزله الخاص. دامت هذه الصداقة القديمة المتجددة بينهما في العمل وخارجه، وكعادته تألّق أياس ليصبح بين الاشخاص النافذين داخل المؤسسة، والدليل والملجأ لحلّ الصعاب الادارية كما الشخصية لمن يقصده.
توالت الولائم والسهرات، تارةً في المنزل وتارةً في المطاعم، حتى أصبحوا ثلاثة شبّانٍ لا يفترقون، تجمعهم الثقة والمحبة. اتصل سعيد بصديقه أياس في ليلة شتاء حالكةٍ وطويلة، أثقلها الصمت والبرد. العاصفة لم تهدأ منذ الظهيرة فالرياح تشتدّ وكأنّها تنذر بشيءٍ سيّئ. وفي بداية تلك الليلة اشتد تساقط المطر. يطلب منه البقاء في المنزل، إذ كان بصدد مناقشة موضوع معه، وأخبره أنّه سيصل في غضون ربع ساعة.
هام أياس في التفكير بسبب زيارة سعيد له في مثل هذه الليلة العاصفة، وما هو الموضوع المهم الذي يودّ مناقشته. وما إن وصل سعيد وقرع الباب، حتى فتح له صديقه مرحّباً بقدومه. جلسا في غرفة الجلوس حول الموقدة لينالا بعض الدفء. نظر أياس إليه وسأله عن الموضوع المهم الذي لم يستطع تأجيله إلى يوم غدٍ، واضطراره لمغادرة منزله في تلك الليلة الهوجاء؟!
ما خطبك سعيد، لتزورني ليلاً لمناقشة موضوع، لم يكن بالحسبان، هل يستحق المخاطرة ليلاً؟ سأل أياس سعيد؟
اسمع لما سوف اتفوه به، أجابه سعيد.
صادفت صديقنا في السوق بينما كنت أشتري اغراضاً للمنزل، ليستوقفني سائلاً: سعيد، هل ذهبت يوماً إلى مركز التدليك الذي يقع في المنطقة المجاورة، اسمه “سوا”؟
أجبته: كلا، لم ازره يوماً، فما الامر هل هو مكان جيد يجب عليَّ زيارته؟
بدأ صديقنا بوصف العنوان وسرد تفاصيل بداخله، وعن طريقة العمل والتدليك به! لم اتفاجأ مما سمعت منه، كون هناك العديد من تلك المراكز والمحال، وأنّها ليست طبية كما يدّعون، لكنّها تشعرك بتحسّن، على ما اظن. فالتدليك أمرٌ مهم لجسد الانسان.
استضاف أياس صديقه سعيد تلك الليلة، وما إن بزغ الفجر، استيقظ وحضّرَ القهوة وبعض الحلوى لكليهما. وعند الساعة السابعة صباحاً غادرا متوجّهين إلى العمل. لكنّ أياس استفاق ذلك الصباح وبداخله حبّ المعرفة والاستكشاف، ممّا سرد له سعيد، وما إن انتهى وقت العمل حتى توجّه إلى مركز التدليك ذلك.
خطا خطوة واحدة إلى الداخل لتستوقفه فتاة وهي في ربيع عمرها، ممشوقة القامة، جمالها أخاذ لا مثيل له، شعر ذهبي طويل مصفف كما لو أنه لوحة زيتية نادرة ينسدل كخيوط شمس تائهة، عيناها مرآتان للدهشة، وفي ابتسامتها وعدُ لا يُقال، يلتقط النهارُ بريقَه منها، كانت لا تتباهى بحُسنها، كأن الجمال اختارها ومضى مطمئناً، وإذا ضحكت، هدأ العالم، وإذا صمتت، تعلم الجمال كيف يكون صامتاً بلا نقص. ليغار الصباح حتى تمرّ!
كيف لي أن اساعدك، أستاذ محدقةً به؟!
استوقفته نبرة صوتها وكأنها تلعب على قيثارة بأنغام حب. وكأنه عاد إلى الواقع بعدما خُطِفَ مما شاهده أمامه!
أجاب: نعم أود المساعدة، فهل تستطيعين ذلك؟
اجابته: تفضل ما هو هدف زيارتك؟
تعثر بالكلمات للحظة، وما إن خرجت أول كلمة منه حتى زالت عنه الصدمة، ليطلب منها: أود أن اخضع للتدليك أيمكنني اليوم والان؟
اجابته بدون تردد: نعم تفضل، لكن عليك أن تدفع أولاً رسوم الجلسة، فهي كما تختار نصف ساعة أم ساعة من الوقت.
توجه أياس نحو الصندوق الواقع في ركن القاعة الرئيسية، ودفع المبلغ المستحق مقابل نصف ساعة من التدليك. سلّم الإيصال لصاحبة الشعر الذهبي. فأشارت بيدها إلى ممر يؤدي إلى الداخل. تمنى أياس لو بقيت يدها مرفوعة في الهواء، ليستمتع بمراقبة ذراعها وهي تضع إسواره ملونة ممزوجة الألوان بعضها بعض، لتعطي لوناً مخملياً ناصع البياض مخططاً باللون الأزرق، وكأنك تشاهد قوس القزح قد تجمّد في ساعة واحدة من السحر!
سبقته بخطوة واحدة، لتقف عند أول باب جهة الشمال، طالبةً منه الدخول وخلع ملابسه والاستحمام، ثم الاستلقاء على السرير المخصص في منتصف الغرفة.
وبعد الانتهاء من أول مرحلة، انتظر بالغرفة الشبه معتمة، بالإضاءة الدافئة التي تكسوها الألوان العميقة كالأزرق الليلي، والجدران التي طليت باللون الاخضر الزيتي، لتعطي ذلك الشعور الدافئ للداخل إليها! وبينما هو مستلقي على السرير، فُتح الباب لتدخل تلك الفتاة التي ابهرته برونقها! وما إن وصلت إلى محاذاته وقفت لثوانٍ وبيدها انبوب يحتوي على زيوت مخصصة للتدليك.
رفعت يدها لتضع المسحوق على جسده في منطقة الصدر لتبدأ، حتى اهتز جسده كورقة تتساقط في فصل الخريف، طائرة بين هبَّات الريح التي عصفت بالشجرة، لتستقر أول نقطة من المسحوق بعطر الورد الجوري على بشرته، ولتبدأ عملية التدليك، ومعها تتصاعد تنهدات صاحب البنية الجسدية القوية، مستسلماً للشعور بالراحة والاسترخاء.
ما أسمكِ هل لي بمعرفة من معي في الغرفة؟
أجابته: اسمي “ميلا”، هل هناك أي استفسار آخر؟
لا مطلقاً فقط حب المعرفة. مردداً أياس.
وما إن انتهت الخمسة عشر دقيقة، حتى طلبت صاحبةَ الشعر الذهبي من أياس أن يستدير على ظهره للمرة الثانية لتكون النتيجة فعالة وفورية! استدار أياس على زهره، لتبدأ المرحلة الثالثة والأخيرة لجلسة التدليك.
لامسَ كفِها جلده في المنطقة الفاصلة بين جسده الاعلى والاسفل، لتنظر اليه بتلك العيون الساحرة، وتسأله: هل أتابع ما أنا عليَّ إنهاءه؟
عجز عن الاجابة بالنعم أم بالنفي، بل نظر إليها واومأ برأسه بالإيجاب! عاد ليرتعش من جديد مع آهات وصلت إلى ما فوق السحاب، لتأمره أن يخفض صوته لتتمكن من متابعة عملها من دون أي مؤثرات جانبية.
وما هي إلا بضع دقائق مصحوبةً ببعض الثواني، حتى انتهى أياس من الصراخ الداخلي، الذي كانت هي وحدها من تسمع تنهداته الأخيرة، ليخمد بعدها بلا حراك وكأنه عبر إلى الضفة المقابلة، كان صدره هو من يدل على أنه ما زال على قيد الحياة، بحركته صعوداً ونزولاً للشهيق والزفير فقط، عندها ربتت على فخذه لتعلمه بأن الوقت انتهى، فما عليه سوى أن يجهز نفسه للخروج.
فما كان على الشمس إلا أن تخرج من حجرته إلى يومٍ جديد، بألوانها الباهرة الصباحية ونورها الدافئ، قبل أن تتوهج حرارتها لتحرق ما استطاعت من مشاعر مختبئة، وتطوي معها الذكريات الحزينة التي حدثت قبل يوم!
نهض مسرعاً أياس من فراشه يصارع الوقت الذي غلبه بنومه، ليصل متأخراً إلى مكتبه. تعجّبَ سعيد كونه لم يُلقِ التحية الصباحية عليه! خمّن سعيد ما حصل، ليسأله: وكأنك متفائل أكثر من عاداتك، يا ترى خير؟
أياس: نعم كل شيء على ما يرام، لكنني استغرقت بالنوم أكثر من العادة، سوف نناقش الامر بعد انتهاء العمل.
راح يتردد أياس أكثر إلى مركز التدليك، محاولاً مصادقة ميلا، فكان قد قدم لها عدة دعوات اجتماعية لتشاركه بها. مع أنه تعرَّف عليها في هذا المكان الذي تُسلّط عليه الاضواء السلبية والملاحقة الأمنية، لم يشعر بالخوف أو التردد بما يفعله. بل اصطحب صديقه يوماً الذي زاره في عطلته وصلا إلى المركز وتوجها فوراً إلى الكونتوار لتسديد ما يتوجب لجلسة التدليك عندها استوقف أياس صديقه قبل الدفع، قائلاً: صديقي ادفع فقط للوقت الذي أنت ترغب أن تمضيه في الجلسة.
سأله: أياس لماذا ألا ترغب بجلسة تدليك؟
اليوم لا، لا أود التدليك، أجاب أياس.
انتظر أياس صديقه في الصالون الرئيسي متأملاً لأول مرة الديكور الداخلي وبعض الأثاث. طالت النصف الساعة وهو في الانتظار، مدّ يده إلى سيجارته ليشعلها، فأوقفته ميلا، مصادفةً خروجها، بصوتها الرقيق.
أياس لقد انتهى صديقك!
بعدها بقليل خرج صديقه كما توقع أياس! فقد كان هائماً على غيمة سحاب، يرفرف وحده خارج السرب. لم يكن يتوقع ما حدث، يداعب وجهه وشعره بشعور جميل.
أياس: صديقي انتظرني خارجاً سوف أكون معك بعد لحظة.
لم يكن يعلم الصديق أن هذه اللحظة هي الحاسمة لأياس. وقف أياس وجهاً لوجه مع ميلاً، لتلامس الرياح المنبعثة من داخله بوجهها، ليسألها: ما خطبك لم تلبِّ أي من الدعوات التي ارسلتها لك، فقد أرغب أن نكون اصدقاء خارج هذا المركز؟ فهذه الدعوات ما هي إلا اجتماعية وليست عملية. أتعرفين! اطلب منكِ الآن أن ترافقيني غداً أم بعد غدٍ بمشوار إلى الجبل لتمضية النهار سوية؟
تراجعت خطوة إلى الوراء، سحبت سيفها “ميلا” وبكل ما مَلَكَتْ من قوة قطعت الحديث الموجه لها، وبطريقه عدائية حتى! نظرت لأياس قائلةً: انظر أياس أياك أن تفكر حتى بهذا العرض عليَّ، لا الآن ولا في المستقبل.
انسحب أياس إلى الوراء فوراً وكأن صُبَّ عليه النار من دون أيةِ رحمة منها، استدار من دون أي تعليق، خرج إلى المدخل الرئيسي لملاقاة صديقه الذي ينتظره. لنذهب ردد أياس، ولم يتفوه بأي كلمة أخرى.
مع كل مغيب شمس وأحياناً ليلاً كان وهو عائدٌ لمنزله، يسترق النظر إلى الطابق العلوي لمركز التدليك، لم يكن يدري لِمَ كان ينظر بخلسة، حتى إنّه لم يعد يرغب في أن يستدير برأسه للنظر! لم تسطع الأنوار الموضوعة فوق باب المركز، بل كانت منطفئة، وسوادُ الليل يلفّ المكان، ولا أثر لأيّ ضوء يلمع في الداخل. لم يتفاجأ أياس، كان على يقين بأنّ هذا النهار سيأتي، وأنّ الفرق الأمنية ستُقفل ذلك المكان لسمعته السيئة. لكنّ كلّ محاولاته باءت بالفشل في إنقاذ تلك الفتاة، صاحبة الشعر الذهبي ميلا.
نعم، مخاطباً داخله: أنا لم أكن أعلم بوجود ميلا داخل هذا المكان الوعر المقرف في بادئ الأمر، بل حين قابلتها احسستُ بأن من واجبي سحبها منه، لصِغر سنّها وعدم نضجها، وبالأحاديث التي كانت قد روتها لي. صمّمتُ انقاذها من هذه الحياه الزائفة.
لكن بعد أخر حديث بيننا، وسيفها الذي لم يفرّق بين صالحٍ وطالح، لم أعد ابالي لها ولا لمصيرها الأسود. وها قد وصلت إليه؛ فالسواد لم يعد يحوم حولها، بل اصبح يملأ حياتها.
عندها فقط تأكّدتُ بنفسي أن أهل السوء هم من يختارون أن يكونوا ما هم عليه: سمعةً سيئةً وحياة رديئة. لم ولن تكن بريئة، رغم صِغر سنّها، بل كانت تستمتع بما تؤدّيه، لا عن جهل، بل على يقينٍ بما تنجزه وبكل تفاصيله. حتى شكلها تغيّر؛ لم تعد براقة.
لهذا اصبحتُ أقول لنفسي:
لا تُنقذ أحداً من الهاوية التي هو في قعرها، لعلّه يُسقِطك معه بسحبه لكَ عن قصدٍ، وعن سابق اصرارٍ وتخطيط، لأنك أفضل منه.
لهذا…
الانسان اليوم لا يعيش بين بشر، بل في غابةٍ قاحلة من النفوس؛ حيث الخيانة غريزة، والحسد قانون غير مكتوب، والبراءة كائنٌ منقرض!













