بقلم / مسعود معلوف
سفير متقاعد
يتساءل المراقبون عما سيحصل بين الولايات المتحدة وإيران بعد هذا الحشد العسكري غير المسبوق في بحر العرب، قبالة الأراضي الإيرانية، مع ما رافق هذا الحشد من تهديدات متبادلة بين كبار المسؤولين في البلدين.
جدير بالتذكير هنا انه في شهر حزيران/يونيو من العام المنصرم، قام الرئيس ترامب بدعم الإعتداءات الإسرائيلية الجوية على المنشآت النووية الإيرانية عبر قصف دام عدة أيام، أعلن ترامب بعدها انه قضى قضاء تاماً على البرنامج النووي الإيراني عبر التدمير الكامل لهذه المنشآت الإيرانية.
وبعد العملية العسكرية الناجحة التي نفذها الجيش الأميركي في فنزويلا وأدت الى اختطاف رئيس البلاد مادورو ونقله الى نيويورك لمحاكمته، تشجع الرئيس ترامب واعتبر نفسه سيد العالم، فبدأ بتهديد كولومبيا ورئيسها، وكذلك كوبا، ثم أعلن عن رغبته بضم جزيرة غرينلاند الى الولايات المتحدة بأية طريقة من الطرق بما في ذلك عسكريا إذا لزم الأمر، وبعد عدم تمكنه من تحقيق أي من هذه الأمور، انتقل الى تهديد إيران محاولاً تسجيل انتصار ما يستطيع ان يتباهى به للتغطية على فشله في المحاولات الأخرى ولإشاحة الأنظار عن فضائح ملفات إبستين التي يبدو أن اسمه كان مرتبطاً بها.
تدخل عندئذ بالشأن الإيراني بعد حصول احتجاجات وتظاهرات ضخمة في الجمهورية الإسلامية ضد النظام وما رافق هذه التحركات من قمع قوي حمل الرئيس ترامب على تحذير السلطات الإيرانية بعدم التعرض لحياة المحتجين، ومشجعاً المتظاهرين على الإستمرار في تحركهم عبر تغريدات قال في إحداها “إن مساعدتنا هي في طريقها اليكم”. إلا أن السلطات الإيرانية قمعت هذه الإحتجاجات بقوة السلاح ما أدى الى مقتل الآلاف من المتظاهرين دون حصول أي تحرك أميركي لمساعدتهم، بل اكتفى الرئيس ترامب بالإدعاء ان السلطات الإيرانية انصاعت لتهديداته وألغت قرار إعدام أكثر من ثمانماية من المعتقلين!
بدأ ترامب بعد ذلك بممارسة ضغوط متصاعدة على إيران مركزاً على البرنامج النووي الإيراني بعد أن كان اعلن منذ بضعة أشهر أنه قضى عليه نهائيا، ومهدداً باستقدام حاملة الطائرات الكبرى “ابراهام لينكولن” الى المنطقة. وبعد عدم تجاوب إيران مع مطالبه، نقل حاملة الطائرات مع عدد من المدمرات الى بحر العرب، ثم أتبع ذلك بإرسال طائرات حربية متطورة الى المنطقة.
وعندما لم يجد من إيران إلا تهديدات مقابل تهديداته، هدد بنقل أكبر حاملة طائرات أميركية في العالم “جيرالد فورد” الى المنطقة آملاً ان تقبل إيران بشروطه ليتباهى بتحقيق انتصار كبير، ولكن ايران استمرت في مواقفها ولم ترضخ لمطالب ترامب فقرر نقل حاملة الطائرات الثانية الى البحر الأبيض المتوسط قبالة الشاطئ الإسرائيلي لزيادة الضغط على إيران.
في موازاة التهديدات الأميركية المتصاعدة، كان ترامب يطلق مواقف دبلوماسية داعياً إيران للتفاوض على برنامجها النووي، ثم أضاف شروطاً جديدة بعد جولة من المفاوضات حصلت في مسقط، عُمان، بناء على طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي جاء الى واشنطن خصيصا لإقناع ترامب بالتشديد في المفاوضات مع إيران على شروط تعجيزية تتعلق بالصواريخ الباليستية وحلفاء إيران في المنطقة لعلمه أن إيران لن تقبل بهذه الشروط الجديدة التي من شأنها أن تُفشِل المفاوضات ما سيحمل الرئيس ترامب على تنفيذ تهديداته بحق إيران.
يعرف الجميع أن الولايات المتحدة والرئيس ترامب بالذات لا مصلحة لهما بشن حرب على إيران لأن النظام الإيراني، إذا وجد نفسه في حالة خطر، سينفذ هجمات غير مسبوقة على القواعد الأميركية في المنطقة وعلى إسرائيل، ومن شأن ذلك أن يؤدي الى خسائر في الأرواح لدى القوات العسكرية الأميركية مع انعكاس هذا الأمر سلباً على الرئيس ترامب في الإنتخابات التشريعية النصفية التي ستجري بعد بضعة أشهر، واحتمال خسارة الحزب الجمهوري الأكثرية التي يملكها حاليا في غرفتي الكونغرس ما سيجعل من الصعب على الرئيس ترامب إصدار قوانين جديدة في الفترة الباقية من عهده.
من جهة ثانية، إيران أيضاً لا مصلحة لها في الدخول في حرب مع الولايات المتحدة خاصة مع انضمام إسرائيل الى هذه الحرب نظراً للفارق الكبير في القوى وما يمكن أن ينتج عن مثل هذه الحرب من خسائر ليس فقط في البنى التحتية والمنشآت الإيرانية النووية، بل أيضا احتمال القضاء على النظام.
كذلك إسرائيل لا مصلحة لها في نشوب حرب بين الولايات المتحدة وإيران بالنظر الى ما يمكن أن تقوم به إيران من قصف بالصواريخ الباليستية للمنشآت العسكرية والمدن الإسرائيلية مع ما يرافق ذلك من خسائر في الأرواح.
يبقى نتنياهو وحده الذي يتمنى ويسعى الى حصول هذه الحرب ليدعي أمام الإسرائيليين أنه يقضي على أعدائهم ويزيل الأخطار عنهم وذلك من أجل عدم خسارة حزبه في الإنتخابات القادمة ما من شأنه أن يؤدي الى نهاية حياته السياسية وربما دخول السجن، ولذلك هو يحاول الضغط على ترامب لإدخال شروط لا يمكن ان تقبل بها إيران لإفشال المفاوضات.
في ظل هذه الأوضاع، نرى كلا من إيران والولايات المتحدة يتبع المبدأ الذي أطلقه زياد بن أبيه في خطبة البتراء منذ حوالى الف وأربعماية سنة: “لينٌ في غير ضعف وشدةٌ في غير عنف”. نرى اللين في قبول المفاوضات ولكن دون ضعف عبر التمسك بالشروط المعلنة وإطلاق التهديدات، والشدة عبر حشد القوات العسكرية سواء من الجانب الإميركي أو الإيراني وتبادل التهديدات القوية، ولكن دون عنف عبر عدم المباشرة بالعمليات العسكرية، أقلاً حتى الآن.
لا يستطيع أحد أن يتنبأ بما يمكن أن يحصل بين ليلة وضحاها في هذه الأجواء. فهذا الحشد الضخم جدا من المعدات العسكرية يوحي باحتمال حصول ضربات في أية لحظة، علما أن أي خطأ من هذا الفريق أو ذاك من شأنه أن يشعل المنطقة، وأن يؤدي الى حرب لا أحد يعرف كيف ومتى يمكن أن تنتهي. فإذا راهن أحد على احتمال وقوع الحرب بين إيران والولايات المتحدة فلديه نسبة مرتفعة من الحظوظ بكسب الرهان، وإذا راهن على التوصل الى حل سياسي دون وقوع حرب، كذلك لديه إمكانية كسب الرهان.
وبما أن الرئيس ترامب معروف بأنه رئيس المفاجآت فمن الصعب جدا توقع ما يمكن أن يتخذه من قرار في هذه الأوضاع. يبقى أن ترامب يهمه كثيراً أن يظهر بمظهر من يحقق انتصارات يستطيع ان يتباهى بها مدعياً أنه يحقق شعاره الإنتخابي الذي تبناه منذ حملته الرئاسية الأولى “لنجعل أميركا عظيمة من جديد” ومن أجل ذلك عليه أن يأخذ شيئاُ من إيران يجعله يبتعد عن قرار الحرب.
من هذا المنطلق أراهن على احتمال حصول اختراق في المفاوضات خاصة بعد أن أكد كل من الفريقين رغبته بالتوصل الى حل سياسي، ونظرا الى عدم وجود مصلحة لأي منهما بالقيام بعمليات عسكرية كما بينا أعلاه، خاصة وأن الدول العربية المحيطة بإيران لم تكن وحدها التي أعلنت إقفال أجوائها على الطائرات الحربية الأميركية، بل إن بيرطانيا أيضاً رفضت بوضوح السماح للولايات المتحدة باستعمال القواعد العسكرية البريطانية لشن عمليات عسكرية على إيران. وقد يكون من الممكن أن تقبل إيران بإيقاف تخصيب اليورانيوم لبضع سنوات وان تتعهد بعدم السير في أي برنامج من شأنه أن يؤدي الى إنتاج سلاح نووي، وأن تقبل بمراقبة نشاطاتها من قبل مراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكذلك أن تقدم تنازلا ما فيما يتعلق بحلفائها في المنطقة خاصة بعد خسارتها الحليف السوري وإضعاف حزب الله، وكل ذلك من أجل تجنب الحرب عليها. وبعد انتهاء ولاية ترامب ربما تعود الى سابق نشاطاتها. في هذه الحالة يستطيع الرئيس ترامب أن يتباهى أمام الأميركيين بأنه حقق اتفاقاُ أفضل بكثير من الإتفاق الذي سبق أن وقعه الرئيس الأسبق باراك أوباما مع إيران بمشاركة الدول الأربع الأخرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا، وهو الإتفاق الذي أخرج ترامب الولايات المتحدة منه في بداية ولايته الأولى مدعيا أن أوباما وقع على أسوأ اتفاقية في التاريخ الأميركي، بينما هو استطاع ان يوقع على اتفاق افضل منه أدى الى إيقاف النشاطات النووية الإيرانية، وان إيران لن تستطيع العودة الى نشاطاتها السابقة.
يبدو الآن أن إيران تسعى الى كسب بعض الوقت قبل الموافقة على اية تنازلات عبر إطالة أمد المفاوضات لزيادة الضغوط على ترامب الذي لا يستطيع أن يُبقي هذا الأسطول الضخم في حالة تأهب طويلة المدى بكلفة عشرات الملايين من الدولارات يومياً، ولذلك من الممكن أن تحصل جولتان أو ثلاث من المفاوضات يصل الفريقان بعدها الى اتفاق مقبول لهما، إلا إذا تمكن نتنياهو إما من عرقلة المفاوضات عبر إقناع ترامب بإضافة الشروط التعجيزية التي أشرت اليها سابقا، او عبر المباشرة بعمليات عسكرية ضد إيران تُلزِم ترامب على الإنضمام اليها مثلما حصل في شهر يونيو الماضي.
سنرى في المستقبل القريب في أي اتجاه تسير الأمور علماُ أن جميع الإحتمالات واردة في الوقت الحاضر.













