مديرة مكتب لبنان -منى حسن
في يوم لبناني بامتياز، اجتمع التراث بالصناعة والبيئة والسياحة والمبادرة الاجتماعية، خلال زيارة السيدة خلود الوتار قاسم إلى قرية بدر حسون البيئية في منطقة الكورة، حيث أمضت يوماً استثنائياً في رحاب واحدة من التجارب اللبنانية التي نجحت في تحويل حرفة متوارثة إلى مشروع صناعي وبيئي يحمل اسم لبنان إلى الأسواق الخارجية.
وواكبت «جريدة الرسالة الكندية » الزيارة، التي شكلت مناسبة للتعرّف عن قرب إلى أقسام القرية ومرافقها ومختبراتها، وإلى المراحل التي تمر بها صناعة الصابون والعطور والزيوت ومستحضرات العناية، إضافة إلى الاطلاع على جانب من الأبحاث والتجارب التي تقف خلف هذه المنتجات.
وبدت قاسم خلال جولتها منبهرة بما شاهدته من تفاصيل، خصوصاً أن التجربة لا تقتصر على صناعة تقليدية، بل تجمع بين الإرث العائلي، والبحث والتطوير، والاعتماد على الموارد الطبيعية، والتصنيع، والبيئة، والسياحة، في نموذج يعكس قدرة اللبناني على تحويل الموروث إلى قيمة اقتصادية وثقافية قابلة للحضور عالمياً.
خلود الوتار قاسم… انبهار بتجربة لبنانية استثنائية
وخلال الجولة، تعرّفت قاسم إلى مختلف أقسام القرية، واستمعت إلى شرح من الدكتور بدر حسون وعائلته حول تاريخ هذه الصناعة ومراحل تطورها، بدءاً من الأعشاب والزيوت الطبيعية، مروراً بالمختبرات وعمليات الاختبار والجودة، وصولاً إلى التصنيع والتغليف والمنتج النهائي.
كما اطلعت على المساحات المرتبطة بالتراث والبيئة، وعلى الطريقة التي جرى من خلالها دمج الصناعة بالطبيعة، بحيث أصبحت القرية مساحة تجمع بين الإنتاج والتجربة السياحية والتعريف بواحدة من أقدم الحرف التي ارتبط اسمها بمدينة طرابلس وشمال لبنان.
وقد عكست الزيارة اهتماماً واضحاً لدى قاسم بأهمية تسليط الضوء على المبادرات اللبنانية الناجحة، ولا سيما تلك التي تقدم صورة مختلفة عن لبنان، صورة البلد الذي لا يزال قادراً على الإنتاج والابتكار رغم الظروف الصعبة التي مرّ بها خلال السنوات الماضية.
من «خان الصابون» إلى قرية بيئية حديثة
وتحمل تجربة بدر حسون خلفية تاريخية عميقة؛ إذ تشير مصادر رسمية وإعلامية إلى أن صناعة الصابون ارتبطت بعائلة حسون عبر أجيال، فيما يعود تاريخ «خان الصابون» في طرابلس إلى عام 1480، خلال الحقبة المملوكية.
إلى أن «خان الصابون» كان جزءاً من الحركة التجارية في طرابلس، قبل أن تتطور الحرفة على مرّ القرون، فيما عمل بدر حسون في العقود الأخيرة على إحياء الصناعة وتطويرها ونقلها من إطار الحرفة التقليدية إلى مشروع أكثر اتساعاً يجمع الصناعة والبحث والابتكار.
وفي عام 2012، بدأت مرحلة جديدة مع إنشاء القرية البيئية في منطقة الكورة، لتصبح مساحة واسعة تضم مرافق للإنتاج ومختبرات وصالات عرض وأقساماً مرتبطة بالزيوت والأعشاب والمنتجات الطبيعية. كما وصفت مصادر إعلامية القرية بأنها نموذج يجمع بين الزراعة والإنتاج والبحث والتصنيع والسياحة البيئية.
صناعة لبنانية تحمل «هوية» إلى العالم
ما يميز التجربة، بحسب ما أوردته تقارير صحافية، هو محاولة الحفاظ على الطابع التقليدي للصناعة، مع إدخال تقنيات البحث والتطوير وتوسيع نطاق المنتجات.
القرية تنتج عدداً كبيراً من أنواع الصابون والمنتجات المرتبطة بالعناية والجمال، باستخدام مكونات طبيعية مثل زيت الزيتون والأعشاب والزهور والزيوت العطرية. كما تتحدث تقارير عن وصول منتجات القرية إلى أسواق خارج لبنان.
ولا تتوقف التجربة عند الصابون، بل تشمل العطور والزيوت ومستحضرات العناية، في محاولة لتحويل المواد الموجودة في البيئة اللبنانية إلى منتجات تحمل قيمة مضافة وهوية خاصة.
وهنا تكمن أهمية النموذج، إذ إن «صنع في لبنان» لا يظهر فقط على بطاقة المنتج، بل يصبح جزءاً من قصة تبدأ من الأرض والأعشاب والزيتون، مروراً بالخبرة العائلية والبحث والتصنيع، وصولاً إلى المستهلك في الخارج.
قرية تجمع الصناعة بالبيئة والسياحة
وتضم القرية مرافق للبحث والجودة والإنتاج، إضافة إلى معصرة للزيوت ومساحات مرتبطة بالأعشاب والمواد الطبيعية، فيما تمتد على مساحة واسعة في منطقة الكورة. وقد أشار مصدر رسمي لبناني إلى أن القرية تضم أقساماً لإدارة الجودة والاختبارات، والإنتاج، ومعصرة للزيتون، إلى جانب مرافق أخرى.
وتستطيع ان نشير إلى إمكان استفادة التجارة والسياحة من وجود هذا النوع من المشاريع، وإلى فكرة الربط بين المزرعة والمختبر والتصنيع في إطار صديق للبيئة.
خلود الوتار قاسم… المجتمع من زاوية مختلفة
وتأتي زيارة قاسم إلى القرية في سياق اهتمامها بالشأن الاجتماعي والإنساني، وحرصها على الاقتراب من القضايا التي تعني الناس وتسليط الضوء على المبادرات التي يمكن أن تقدم نماذج وحلولاً عملية.
ومن هذا المنطلق، حملت الزيارة بعداً يتجاوز التعرف إلى منتج لبناني؛ إذ شكلت مناسبة للتأكيد على أن دعم المجتمع لا يكون فقط من خلال معالجة المشكلات، وإنما أيضاً من خلال إبراز قصص النجاح وتشجيع المبادرات المنتجة ودعم الصناعات المحلية والحفاظ على التراث.
فالقرية التي زارتها قاسم تقدم نموذجاً مختلفاً: حرفة قديمة لم تختفِ أمام التطور الصناعي، بل حاولت أن تتكيف معه وتستفيد من أدواته، مع الحفاظ على جذورها.
لبنان الذي يستحق أن يصل إلى العالم
في زمن يكثر فيه الحديث عن أزمات لبنان الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، تأتي مثل هذه التجارب لتسلط الضوء على وجه آخر للبلد؛ وجه لبنان المنتج والمبدع، لبنان الحرفي والصناعي، ولبنان القادر على تحويل موارده الطبيعية وتراثه إلى منتجات تنافس خارج الحدود.
ومن هنا، فإن أهمية زيارة خلود الوتار قاسم لا تكمن فقط في تفاصيل الجولة، وإنما في الرسالة التي حملتها: ضرورة إعادة اكتشاف لبنان من خلال نجاحاته، ومن خلال قراه وصناعاته وأهله الذين ما زالوا يتمسكون بالأرض والتراث ويبحثون عن مكان لهم في الأسواق العالمية.
القرى اللبنانية… ذاكرة وطن وفرصة اقتصادية
وتفتح تجربة قرية بدر حسون الباب أمام نقاش أوسع حول أهمية السياحة الريفية والتراثية في لبنان، ودور القرى في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
فالقرية اللبنانية ليست مجرد مساحة جغرافية؛ إنها ذاكرة حيّة تختزن الحرف والأطعمة والزراعة والعادات والتقاليد، ويمكن أن تتحول، عند تطويرها بطريقة مدروسة، إلى مقصد سياحي وثقافي واقتصادي.
وتؤكد تجربة «قرية بدر حسون» أن الجمع بين التراث والابتكار يمكن أن ينتج نموذجاً اقتصادياً جديداً، يحافظ على الهوية اللبنانية وفي الوقت نفسه ينفتح على الأسواق الدولية.
يوم لبناني بامتياز
وهكذا، لم تكن زيارة خلود الوتار قاسم إلى قرية بدر حسون مجرد جولة عابرة، بل رحلة في تفاصيل لبنان الجميل؛ من رائحة الأعشاب والزيوت الطبيعية، إلى عبق الصابون والعطور، ومن الحرفة التي تناقلتها الأجيال إلى المختبرات الحديثة، ومن قرية في الكورة إلى منتجات تسعى للوصول إلى مختلف أنحاء العالم.
وفي ختام الزيارة، بقي الانطباع الأبرز أن لبنان يمتلك الكثير من القصص التي تستحق أن تُروى، وأن خلف صورة الأزمات اليومية هناك وجهاً آخر للبنان: لبنان الذي يصنع، ويبتكر، ويحافظ على تراثه، ويطمح إلى المنافسة والوصول إلى العالم.
وبين المجتمع والتراث والصناعة والسياحة، بدت زيارة خلود الوتار قاسم إلى قرية بدر حسون رسالة واضحة: حين يلتقي الإنسان بأرضه وتراثه وإبداعه، يصبح «صنع في لبنان» أكثر من شعار… يصبح حكاية وطن.











