بقلم: كلودين كرمة
الحب هو من أوسع الكلمات انتشارا بين بنى البشر وله أوجه كثيرة ولذلك قد اصبح مبهما غير واضح وكأنه يلوح فى الأفق البعيد ونحن نحاول أن نرسم له ملامح وحدود حتى نستطيع أن نستوعبه لذا أصبح كالأحلام أو كمن يرى خيالات يريد أن يسرع ويمسك بها حتى يتأكد من حقيقة وجودها . ولأن الإنسان بطبيعته مخلوق مرح يسعى إلى كل ما هو جميل فإنه يرفض فى كرارة نفسه الحزن والشجن والأسى ويسعى دائما إلى النور والبهجة والأفراح ولا يكتفى بذلك فقط بل يتفنن برسم ملون بألوان الطيف المتلألئة التى تبعث فى النفس الثقة واليقين أن هناك الأبهى والأجمل دائما وأنه لا نهاية ابدا لسعى الإنسان ولو بخياله الى منتهى الروعة التى تبهجه وتفصله عن عالمه ولو لفترة حتى يلتقط نفسا عميقا يملأ صدره بهواء نقى منعش غير محمل بالهموم والأشجان. وإن صادفنا يوما الحب أو شعرنا به يدغدغ مشاعرنا ويغير من نظرتنا إلى الحياة وبالتالى بعض من أفكارنا وربما أيضا من تطلعاتنا وأحلامنا ، فإننا نشعر بسعادة غامرة تكاد أن تنقلنا إلى عالم أخر أجمل، مفعم بالحيوية والأمانى والثقة بالنفس و تمنحنا قوة بها نتحدى كل ما يعرقلنا من أن نعيش ذلك الحب . وسعيد حقا من يصادف تلك المشاعر فإنها تولد فى داخله طاقة تجعل منه إنسان أقوى وأقدر على تحمل صعاب الحياة بعزم لا يلين ، فيشعر بأهمية وجوده ، وتكون أهدافه واضحة يتحرك نحوها بإيمان نابع من جذور راسخة تمكنه من الثبات وتمده بالحكمة فيتألق ويتميز عن غيره ؛ إذ تعبر عينيه ببريقها عن مدى تفوقه على المستوى النفسي والفكرى معا وهذه النظرات الثابتة تجبر من يقع نظره عليها أن يستكين ويهدأ بل ويخضع أيضا ؛ لأنه قلما ما نجد الحكمة مع الليونة والالتزام مع الصبر والثقة مع عدم التشبث بالرأى ؛ فهذه الشخصية تجمع بين التضاد بما أنها شديدة الاعتداد فلا تخشى من المواجهة ولكن بحب واحتواء تزينهما ملكة امتلاك زمام الأمور. وهذا ما تصوره لنا مخيلاتنا عن الحياة الفضلى ، ولكن ماذا عندما تنصدم أفكارنا السامية مع الواقع الأليم كإنصدام أمواج البحر العاتية ؟ فإننا ننهزم وننكسر ، نعم كما تتكسر أمواج البحر من شدة الارتطام ..فنشك فى أنفسنا وفى قدرتنا ونهزأ من إيماننا بالمثل العليا والمبادئ الداعمة لبناء محيط راقى وهادئ.
وهذه الزللة التى تململ كياننا من أعماقه ، تفجر بركانا من شأنه أن يحولنا من نسيم عليل إلى ريح عاصفة وزوبعة تجرف فى طريقها الصالح والطالح جميعا اذ تكون الرؤية غير واضحة والحقائق مطموسة والجمال قد تشوه. فعلينا أن ننتبه لأن الأمور لا تستقيم إلى الأبد والمتغيرات – وما أكثرها – تعصف بنا وتحيد بنا عن الطريق المستقيم ، والآلام والأمراض والحرمان والحزن و خيانة الأمانة والثقة ، إنهم آليات لا يستهان بها فى ترك أثار وجروح غائرة من شأنها أن تبدل الطبائع والصفات وردود الأفعال ، فتجعل من الإنسان كائن شديد الحرص لا يلين بسهولة ولا يتعاطف إلى المنتهى ، اذ يترتب عليه أخذ الحيطة ومراجعة حساباته ألف مرة قبل القدوم على أى عمل أو اتخاذ أى مبادرة من شأنها أن تلحق به الخسارة من أى جهة ، ويضع فى أولوياته مصلحته الشخصية فوق أى اعتبار إذ أختبر مرارة الغدر والاستغلال. ولكن إحقاقا للحق ، هناك فئة استطاعت وبقدرة فائقة ، التغلب على كل السلبيات ولم يتوقف الأمر عند ذلك فقط ، بل نجد أن شدة الألم والحزن جعلتها تقدّر نعمة الفرح ، وجرح الخيانة جعلت منها نبعا لبعث الثقة من جديد ، ومرارة الفشل خلقت بداخلها إصرارا على السعى حتى تحقق نجاحات أكثر تميزا..
وما أريد أن اوضحه هو أنه من الخطأ أن نضع معايير ثابتة وحدود للمعانى أو للمشاعر أو الأفكار ومن يحيد عنها “يخرج من التصنيف “، فهذا من شأنه أن يحطمنا لأن من الصعب – ولكنه ليس من المستحيل – أن نجد انسانا ‘حسب المواصفات ‘ أو المعايير التى نحدد ملامحها لأن لكل إنسان فكر وقيم وأخلاق وعادات مختلفة ، حسب ثقافته و نشأته وما اعتاد عليه وما صادفه وحسب تقيمه للأمور وآليات النجاح والفشل من وجهة نظره ، مما يؤثر على قدر عطائه وتضحيته وتفهمه و تمسكه بالمثل وحرصه على استمرار العلاقات والعمل على إنجاحها حتى لو اضطر فى بعض الأحيان إلى تقديم تنازلات حتى تستقيم الأمور. وعلينا أيضا أن نعى أن معنى السعادة ومدى الشعور بالحب بكل معانيه واتجاهاته ودرجات التفوق لا يمكن توحيدها فما يسعدنى قد يشقى غيرى ، ودرجات سلم المجد التى استطيع أن أعتليها تكون مجهدة لغيرى وهذا لا يعطينى الحق أن أحكم على غيرى بالفشل أو اتهمه بالتقصير أو الأنانية ..ولكن علينا أن نحسن الاختيار فى الأصدقاء والمقربين إلينا حتى لا يعيقنا أحد عن مواصلة الطريق وحتى لا نزيد غضبهم بحكمنا عليهم بالفشل الزريع .. فالأمر بيدنا : فأن كنا ندعى أننا أذكياء فلا يجب أن نخطئ الهدف .











