بقلم: سليم خليل
ترجمة عن مقال للكاتب جيفري ساكس
ليست الصين عدوة ، إنها دولة تحاول أن ترفع مستوى معيشة سكانها من خلال العلم والتجارة العالمية والاستثمار في التكنولوجيا والمواصلات .
باختصار إنها تقوم بأعمال يمكن لكل أمة أن تنفذها لمواجهة الفقر بتحسين مستوى معيشة سكانها واللحاق بالدول المتقدمة اقتصاديا وعلميا. تحاول إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إيقاف تطور الصين بإجراءات يمكن أن تشكل كوارث على الولايات المتحدة والعالم أجمع .
تتهم الولايات المتحدة الصين بأنها سبب اتساع الهوة في مستويات المعيشة – بين الفقير والغني – في الوقت الذي كانت العلاقات مفيدة للطرفين لسنين عديدة؛ لقد خسر عدد كبير من العمال أعمالهم نتيجة رخص اليد العاملة في الصين والمضاربة؛ عوضا عن اتهام الصين بهذه السلبيات الناتجة عن مضاربة طبيعية وعادية يجب فرض ضرائب عالية على شركاتنا التي تجني أرباحا هائلة من مستورداتها من الصين واستعمال العائدات لمساعدة الطبقة العاملة وتحسين البنية التحتية وخلق مهارات جديدة والاستثمار في العلوم والتكنولوجيا الحديثة . علينا أن نفهم أن الصين تحاول أن تلحق بركب الدول المتقدمة بعد فترة طويلة من الركود الاقتصادي .
نقدم لمحة تاريخية عن الصين توضح للقارئ التطور الاقتصادي فيها :
عام ١٨٣٩ هاجمت بريطانيا الصين لأنها رفضت السماح للتجار البريطانيين تزويد الأسواق الصينية بالمخدرات ؛ انتصرت بريطانيا وانهزمت الصين في أول حرب ضد المخدرات واستسلمت عام ١٨٤٢ .
سبب الانهزام ثورة شاملة على سلالة الملوك – كينغ – وكانت ضحايا الثورة عشرون مليون شهيدا .
في حرب المخدرات الثانية شاركت فيها بريطانيا وفرنسا لكنها أدت إلى نهضة القوى الصينية واستقرار داخلي .
في نهاية القرن التاسع عشر خسرت الصين الحرب ضد بلاد اليابان الصناعية وكانت حربا ضد سيطرة الولايات المتحدة وأوروبا التجارية .
هذا الإذلال المستمر أدى إلى ثورة أخرى إنسحقت على يد القوى الأجنبية ؛ عام ١٩١١ إنهارت سلالة – كينغ – الحاكمة وأصبحت الصين مقسمة إلى مقاطعات يحكمها أمراء وعائلات، وفي عام ١٩٣١ احتلت اليابان مرة أخرى الصين واستمر الاحتلال لغاية نهاية الحرب العالمية الثانية عندما اندلعت الثورة الأهلية ووَلدت جمهورية الصين الشعبية عام ١٩٤٩ بقيادة الزعيم التاريخي – ماو تسي تونغ – مع ضحايا بالملايين من الحرب والجوع ومرض الجرب . إنتهت الحرب الأهلية بانتصار الشيوعيين عام -١٩٦٠- . بعد هذه السيطرة قامت الثورة الثقافية ضمن الحزب الحاكم واستقرت الأمور عام ١٩٧٧.
عام ١٩٧٨ تسلم السلطة – دينغ كيابينغ- وبدأت في عهده النهضة الاقتصادية بتطور ونمو سريع في الأربعين عام التالية بعد مئة عام من الفقر وقلة الاستقرار والذل وبالرغم من التهديد والخطر من الخارج . صمم زعماء الصين أن يسيروا في الخط السليم وهذا يعني أن الصين لن تنحني مرة أخرى للولايات المتحدة والقوى الغربية .
حاليا الصين تعتبر ثاني أكبر قوة إقتصادية في العالم وما تزال في مرحلة النهوض من الفقر . عام ١٩٨٠ حسب تقدير البنك الدولي كان دخل الفرد الصيني يعادل ٢،٥ ٪ من دخل الفرد في الولايات المتحدة، إرتفعت هذه النسبة عام ٢٠١٨ إلى ١٥،٣ ٪ . إذا تم قياس الدخل القومي بالمقارنة مع القوة الشرائية بالأسعار العالمية لكافة البلدان ترتفع النسبة إلى ٢٨،٩ ٪ من دخل الفرد الأميركي .
تبعت الصين ذات الإستراتيجية مثل اليابان ، كوريا ، تايوان ، هونغ كونغ وسينغافورة في تطوير إقتصادها . إن هذه الإجراءات ليست غريبة أو غير عادية بالنسبة إلى دولة تحاول أن تنهض . إن ما يتكرر في حملة إتهام الصين بسرقة تكنولوجيا أميركية أمر بسيط وعادي ومعمول به سابقا ! كافة الدول المتأخٍرة تحاول تحسين التكنولوجيا في أساليب مختلفة من خلال الدراسات، التقليد ، المشاركة، الاستثمارات الخارجية، استعمال الاختراعات التي انتهت مدة حمايتها ، والنسخ ، والتكنولوجيات المتطورة بسرعة !!!
هناك خصومات دائمة حول ملكية الإختراع . وهذا صحيح حتى في الشركات الأميركية حاليا، إن هذا النوع من المنافسة هو جزء من نظام الإقتصاد العالمي . إن رواد التكنولوجيا يعلمون أنهم لا يستطيعون الحفاظ على التفوق من خلال حماية الاختراع لأن التفوق يستمر من خلال التجديد من الإختراعات .
إن الولايات المتحدة استعملت تكنولوجيات بريطانية في مطلع نهضتها الإقتصادية والعلمية وفي حالات عديدة استقطبت علماء من الخارج مثل بناء الصواريخ الذي تم بمساعدة العالم النازي الألماني بعد الحرب العالمية الثانية.
لو كان عدد سكان الصين أقل من الحالي – مثل كوريا الجنوبية- خمسين مليونا – لكانت الولايات المتحدة هللت لها بالنجاح الإقتصادي ؛ لكن الصين بعدد سكانها الهائل – أربعة أضعاف عدد سكان الولايات المتحدة – تعتبر منافسة للولايات المتحدة في زعامة الكرة الأرضية . يقدر عدد سكان الولايات المتحدة ٤،٢٪ من مجموع عدد سكان الأرض أو ربع عدد سكان الصين . في الحقيقة لا يمكن الإدعاء بالسيطرة على العالم من جهة معينة الآن لآن العلوم والتكنولوجيا تنتشر بسرعة هائلة في العالم وبشكل لم تعيشه الكرة الأرضية من قبل .
تزود الصين الولايات المتحدة والعالم بسلع رخيصة وجودة عالية وفي تحسن مستمر؛ يسبب هذا الاستيراد بطالة في اليد العاملة الأميركية في المجالات التي تنافس فيها الصين؛ إنها منافسة تجارية مشروعة ومن الخطاء أن نتهم الصين بعدم النزاهة . شركات أميركية كثيرة تحصد أرباحا هائلة من إستيراد المنتجات الصينية أو من تصديرها لسلع أميركية إلى الصين؛ كما أن المستهلك الأميركي يتمتع بمستوى معيشة أعلى نتيجة شرائه سلع رخيصة صينية .
على الولايات المتحدة والصين أن يستمرا بالمفاوضات لإيجاد حلول ووضع شروط تجارية سليمة عوضا عن إعلان الحرب الاقتصادية وتهديدات كلامية من جهة واحدة وإتهامات فوقية. من الدروس الأساسية في الأنظمة الاقتصادية – سياسة وممارسة – أن لا توقف التجارة؛ إجراء كهذا تكون نتيجته هبوط مستوى المعيشة مع أزمات اقتصادية وخلافات ؛ بدلا عن ذلك يجب المشاركة في الأرباح وفي النمو الاقتصادي وبذلك يمكن للرابح أن يعوض على الخاسر .
في الرأسمالية الأميركية الخاضعة للمؤسسات التجارية الجبارة ترفض تلك الشركات المشاركة في أرباحها ونتيجة لذلك تسير السياسة في خط الخلاف حول التجارة . يسيطر على السياسة الأميركية الجشع والطمع. المعركة الحقيقية ليست ضد الصين لكنها ضد الشركات الأميركية الجبارة التي تجني الثروات ولا تدفع لموظفيها رواتب كافية .
تعمل كافة الشركات الجبارة على تخفيض ضرائبها والاستئثار بالسلطة وإيداع رؤوس الأموال خارج البلاد !! وعمل كل ما يمكن لزيادة الأرباح وفي ذات الوقت رفض كامل لخلق مجتمع أميركي متمتع بالعدالة الاجتماعية .
أعلن الرئيس – دونالد ترامب – الهجوم على الصين معتقدا بأنها ستنحني للقوى الغربية ؛ ويحاول سحق شركات ناجحة كشركة -هوايوي- للهاتف وتكنولوجيات أخرى بتغيير فجائي لنظام التجارة العالمي ومن جهة واحدة. تتلاعب الصين في النظام التجاري الغربي في الأربعين عاما الماضية وخطوة بعد خطوة تسير على طريق سلكها حلفاء أميركا الأسيويين في السابق. الآن تحاول الولايات المتحدة سحب السجادة من تحت الصين لتنطلق في حرب باردة جديدة .
إذا لم تعود الحكمة والفطنة إلى التعامل سننطلق في الخلاف مع الصين – إقتصاديا ثم سياسيا وحربيا – ؛ والكارثة ستصيب الجميع ؛ لن يكون رابح في هذا الخلاف . إننا نمر في أزمة فساد في السياسة الأميركية. لن تحل الحرب الإقتصادية مع الصين مشاكلنا الاقتصادية. بدلا من الحرب نحتاج إلى حلول محلية: خدمات صحية بكلفة يتحملها المواطن ، تحسين المدارس ، تحسين الطرق والمواصلات، رفع الحد الأدنى للرواتب، ووضع حد لجشع وطمع الشركات. علينا أيضا أن نتعلم أن نستفيد أكثر في تعاوننا مع الصين بدلا من التحدي والاستهتار .












