بقلم: تيماء الجيوش
بُحِثَ سابقاً في هذه المساحة في مناسباتٍ عدة عن خطة التنمية المستدامة للعام ٢٠٣٠ للأمم المتحدة وكيف ان أهدافها لا يمكن بلوغها دون أن تكون المرأة منخرطة فيها بشكلٍ كامل و متساوٍ .
اليوم و تماشياً مع هذه الخطة و بالأخذ بعين الاعتبار ما يطرأ على العالم من متغيرات اتسمت بتعدد النزاعات المسلحة التي شاهدناها قي العديد من الدول من بينها دولٍ عربية ، مسالة الديمقراطية ، الاقتصاد، المناخ …الخ.
قامت الأمم المتحدة بتبني خطة إستراتيجية أخرى مضافة للمرأة تهدف إلى تسريع وتيرة المساواة بين الجنسين و تعزيز دور المرأة . يقتضي تحقيقها ثلاث سنين ما بين العام ٢٠٢٦ والعام ٢٠٢٩ .
في ضوء معايير الإنسان و مبادئ القانون الدولي فهذه الخطة ليست تطلعاً سياسياً للعديد من المهتمين بالعدالة، المساواة، حقوق الإنسان ، والدستور ، بل هي التزاماً قانونياً منبثق من القانون الدولي.
يتجلى هذا البعد القانوني في أن الخطة تأتي مستندة إلى معاهدات دولية تنص على مساواة المرأة كحق قانوني و ليس صدقةً او مكرُمةً أو فضلاً .
يأتي في مقدمة هذه المعاهدات و أهمها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة او باسمها المختصر سيداو ، ففي المادة السابعة منها ألزمت الدول الأطراف الموقعة عليها بالقضاء على التمييز ضد المرأة على المستويات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية والمدنية ، والتأكيد على مشاركتها في الحياة العامة و السياسية. ثم تعود المادة الثامنة منها أي سيداو للتوسع بان يشمل التمثيل المستوى الدولي. ولضمان ان تكون هذه المساواة جوهرية وليست مسألة شكلية فقط ، لا بد من دعم الإصلاح في نظم العدالة و المؤسسات العامة. و بخطٍ موازٍ لهذه الاتفاقية ، يأتي ميثاق الأمم المتحدة و مبادئه الأساسية في المساواة في الحقوق بين الرجل و المرأة، و حقيقة الأمر ما عزز هذا المبدأ هو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بإضافته للمساواة أمام القانون و عدم التمييز.
كذلك من أهم الأطر الإستراتيجية القانونية لهذه الخطة هو قرار مجلس الأمن ١٣٢٥ الذي اعتمده مجلس الأمن الدولي و أقّر فيه التأثير العنيف والغير المتناسب الواقع على المرأة في حالات النزاع المسلح ودورها المحوري في منع النزاع ، إعادة الإعمار و مفاوضات السلام مؤكداً على أركان رئيسة هي المشاركة، الحماية، الوقاية و التعافي .
بالإضافة لهذا وذاك اتجهت الخطة الإستراتيجية إلى منح المرأة دوراً قيادياً في آليات العدالة الانتقالية، الإصلاح الدستوري ، الوساطة في المجتمعات الخارجة من النزاع و الصراع المسلح .
هذا البعد القانوني وما يحتويه يشير إلى ان المساواة بين الجنسين ليست خياراً سياسياً بل هي جزء لا يتجزأ من بنية النظام القانوني الدولي. من الناحية العملية كانت خيبات المرأة كثيرة من حيث تمثيلها المحدود و الغائب احياناً في عملية السلام و الأمثلة عدة و حاضرة في ذاكرتنا القريبة والبعيدة التي نهشتها غياب حماية المدنيين و تصاعد العنف الجنسي أثناء النزاع حدث هذا في السودان، حدث في سوريا، حدث في ليبيا ، حدث في اليمن ، هذا كله حدث على الرغم من تجريم القانون الدولي لهذا العنف وعلى وجه الأخص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي جّرمت الاغتصاب، الاستعباد الجنسي، و غير ذلك من أشكال العنف الجنسي و عدّتها جرائم حرب و جرائم ضد الإنسانية. والآن ما تسعى إليه هذه الخطة الإستراتيجية هو تعزيز آليات المسائلة ، العدالة و مسألة الناجيات على ان تتناسب معايير العمل المؤسساتي مع معايير القانون الدولي. وما تسعى اليه هو ان يكون هذا كله موجوداً في النسيج القانوني والدستوري المحلي للدول بما ينص على ضمان المساواة ومنها إلغاء قوانين الأسرة التمييزية و منها ايضاً الملكية و الميراث.
نخلص إلى القول أن المساواة بين الجنسين ليست أمراً هامشياً بل هي جوهر الديمقراطية ، محور القانون الدستوري، السلام المستدام و حقوق الإنسان . وما قامت به هذه الخطة الإستراتيجية للمرأة أنها تعكس تقارباً جذرياً بين الالتزام القانوني الدولي و المسؤولية الأخلاقية.
المرأة ليست ضحية بل هي مفاوضة، مشّرعة، قاضية، مستشارة ، تتولى القيادة و هذا ما اعترف به القانون الدولي كحقيقة لكن التحدي الحقيقي هو هل بالإمكان تنفيذه؟
المجتمع الدولي عندما يلتزم بالعدالة يُدرك أن السلام هشّاً دون أن تكون المرأة فيه شريكاً أساسياً ،فالسلام المستدام يعني المساواة لا كمسألة طموحٍ سياسي بل كقانون. .
وما تهدف إليه الخطة وكما ذُكِرَ في بدء المقال هو تسريع وتيرة تحقيق المساواة بين الجنسين و تمكين المرأة من خلال حلول متكاملة و منهجية و قائمة على الأدلة. لنأمل ان التنفيذ سيكون متناسباً نوعاً و كماً بالنحو الذي اتجهت إليه أهداف الخطة. حتى ذاك الحين يبقى كما كان القانون له دور سيادي. و يبقى للمرأة أن تُبقي رأسها عالياً ،
تحتفل بيومها العالمي في الثامن من آذار من كل عام ، مع أمل بمزيدٍ من العمل الدولي لنصرة حقوقها. كل عامٍ وانتن بخير ، كل عامٍ و لكُنّ المساواة والأمن والكرامة .













