بقلم: كنده الجيوش
خلال رحلة إلى أوروبا أخيراً كنت أسير في مدينة أثينا الجميلة في اليونان حيث وقعت عيناي على قطعة تذكارية جميلة في متجرٍ يقع في إحدى شوارعها القديمة العريقة الجميلة مثل أخلاق أهلها. ودخلت إلى المحل اشتريها. ودفعت النقود وكنت أهم بالخروج فإذا بالشاب يناديني ويقول لي بأنني أعطيته مبلغا اكبر بكثير جدا من سعر القطعة التذكارية ويبدو أنني كنت متعبة ولم انتبه إلي الأمر. الأمر الجميل واللافت للنظر هو أمانة وصدق البيع والأخلاق لهذا الرجل والذي ربما كان صاحباً للمحل أو موظفاً فيه.
ونسمع كثيرا عن السرقات في البلدان السياحية في أوربا ويحذروننا منها ، ولكن الجميل هو التجارب الفردية والجهود الفردية لأشخاص يحافظون على الأخلاق ويدافعون عنها ويحمونها ويبقونها على قيد الحياة ، وبالنتيجة يكون مبدأ الأمانة أقوى ويسود مع الوقت ما يضيف ألقاً إلى اليونان البلد الجميل جدا والقريب إلى تجربتنا نحن العرب وتاريخنا وتاريخ الإنسانية جميعا ، فهو من كان له نتاج ثري في تاريخ الفلسفة والثقافة ، ومجرد أن تسير بين آثار أثينا وحضارتها الإغريقيّة والأرثوذكسية احياناً تستطيع أن ترى عمق التاريخ وكذلك صلته ببلادنا العربية.
وفي تجربة مشابهة في مدينة براغ في دولة التشيك حيث كنت اشتري أيضا قطعة تذكارية ، قامت البائعة بلفت انتباهنا إلى عيب في القطعة التذكارية وأبدلتها لنا، اقترحت ذلك رغم أننا لم نلحظه.
وايضاً هذه الفتاة ربما كانت مهاجرة وربما موظفة وليست مالكةً للمحل ، وربما راتبها قليل وربما كانت من بلد بعيد وربما وربما.. ولكن لاهذا ولاذاك ولا أية ظروف منعتها من الأمانة . هذه الأمانة هي أخلاقها أولاً هي كفرد، وثانياً هي أيضا علامة جمال على أخلاق البلاد. والحقيقة أن هذه البلاد وأهلها الطيبين والمجتهدين يفرحون القلب بالمبادرات الطيبة.. فتيات شابات بعمر الزهور يتعلمن ويعملن ويجتهدن لمساعدة كل سائل في الفندق أو أي مكتب أو مكان.. حتى سائق التاكسي عرضنا عليه زيادة إكرامية ورفض وشكرنا!
أما الأكثر شُهرةً عالمياً عن مدينة براغ هو ساعتها في الساحة الرئيسية التي لازالت تعمل منذ مئات السنين ، فعند رأس كل ساعة حيث تبدأ دقاتها معلنة ساعة زمنية جديدة تخرج تماثيل لأصحاب السيد المسيح تدور فيها. تمتد شوارعها النظيفة وعراقة أبنيتها وتاريخها وجمالها و رقي أهلها مما جعلها واحدة من أهم الوجهات السياحية في العالم.
وتجربة ثالثة مماثلة في النمسا في مدينة فيينا النظيفة جدا حيث تعكس ممارساتٍ معينة ثقافة وأخلاق بلد بأكمله ، رأيت قطع من الملابس مثل القبعات الشتوية أو القفازات وقد وضعت على جانب الطريق لمن فقدها ليعود ويراها. وكذلك في الاوتيل/ الفندق حيث وجد شاب قطعة أضاعها وقد وضعت جانبا على الطاولة في الأوتيل. وايضاً سائقي التاكسي الذين لا يقبلون زيادة في أجرهم رغم تقديمهم لنا المساعدة الإضافية. وفي فيينا ترى عشق الفن والثقافة والطوابير الطويلة بانتظار الدخول إلى المتاحف والفعاليات الفنية والموسيقية العريقة.
ولا تختلف التجربة في باريس عن مبدأ الأمانة حيث أعاد لنا البائع مبلغاً كبيراً دفعناه خطأً ، حدث هذا بالرغم من كل النصائح بالحذر مما يحدث للسائحين بأنهم هدف سهل فيتم غشهم و ربما سرقتهم من قبل البعض . .. لكنه مبدأ الأمانة الذي جعل سائقي التاكسي يأخذونا في باريس إلى وجهتنا بأقرب الطرق ودون العمل على زيادة زمن الرحلة طمعاً بمبلغ اكبر ، بل و حتى يعرضون أخذ نقوداً اقل إن لم تتوفر للدفع قطع نقدية صغيرة. والموظفين المتفانين اللذين يبدون الاحترام والتعاون و يرفضون الإكرامية عندما يضيفونك القهوة ويقول لك هذا واجبي وأنا سعيد به.
هكذا هي باريس التي لاتزال جميلة جميلات المدن بأهلها وأخلاقهم التي يحافظون عليها رغم الحالات الاستثنائية السيئة هنا او هناك ، لكن تبقى روحاً للثقافة الإنسانية والعالمية التي تطغى على كل شيء ، فهي بحق مدينة الأدب والثقافة والفن..
إنها أوروبا وشعبها بكل تفاصيله وأصوله المتنوعة والمهاجرة وثقافة مبدأ الأمانة المتأصل فيها ، أوروبا المجتهدة والمحبة التي تصر على البقاء رغم التيارات المعاكسة و رغماً عن كل الصعاب و المتغيرات .













