بقلم: تيماء الجيوش
دفع أهل سوريا ثمناً باهظاً من دماء أبنائهم مع إرهاب نظام الأسدين والقمع السياسي الذي مارسوه بضراوةٍ لا متناهية.
هكذا كان ذلك العهد، عهد الأسدين حيث اتسم بالاستبداد والاضطهاد السياسي ، انتهاك مستمر لحقوق الإنسان عبر سياسات رثة لم تجلب سوى مزيداً من الدمار، النزوح، الهجرة وانعدام الأمن. تلك الضراوة من دفع ثمنها كان أهل سوريا على اختلاف معتقداتهم السياسية ، ثقافتهم، أعراقهم ، طوائفهم أو مناطقهم ، دفعوا الثمن دون توقف لا سيما منذ العام ٢٠١٢.
على مدى أربعة عشر عامًا، طُلب من السوريين البقاء على قيد الحياة، البقاء على قيد الحياة في وجه القصف، البقاء على قيد الحياة في وجه النزوح، البقاء على قيد الحياة في وجه الفقر، البقاء على قيد الحياة في وجه انهيار المؤسسات ، البقاء على قيد الحياة في ظل عدم اليقين بشأن المستقبل.
دُمّر الاقتصاد السوري تدميراً كاملاً، لحقت أضرار جسيمة بشبكات الكهرباء والمياه والطرق والمدارس والمستشفيات والمنازل والمصانع. الأكثر إيلاماً ووجعاً حين دمّرت الحرب رأس المال البشري حيث نزح و هاجر ملايين السوريين، وفقد عدد لا يُحصى من الأطفال سنوات من التعليم، ودخل جيل كامل مرحلة البلوغ حالة من عدم الاستقرار.
لم تقف النتائج عند الوقوع في براثن الفقر لأكثر من ٩٠ بالمئة من السوريين ، بل تعدت تبعات ذلك بإضاعة فرص العمل، والى القطاع الصحي حيث بات من الصعوبة بمكان الحصول على معدات سواء كانت طبية ، صناعية ، الوقود، ذهبت فرص العمل لجيل كامل من الشباب و ذهب إدراج الرياح كدّهم في اكتساب درجات علمية ، فُقد الدواء وًتراجعت الخدمات الصحية إلى مستويات دنيا ، فباتت الهجرة هي المستقبل الوحيد للعديد.
مع سقوط نظام الأسدين الديكتاتوري في العام ٢٠٢٤ فُتِحَ فصل جديد في تاريخ سوريا ، هذا السقوط لم ولا يعني بالمُطلق إعادة بناء بلدٍ متهالك تلقائيًا. فالتغيير السياسي لا بد أن يُترجم إلى وقائع يومية في حياة الناس توفير للطاقة، مشافٍ عاملة، مدارس و تعليم للأطفال، فرص عمل للجميع ، قطاع مصرفي و بنوك ، مواد غذائية ، والقدرة على التخطيط للمستقبل، بقيت هذه جميعاً مُعلقة بانتظار دفعٍ اقتصادي سياسي قانوني. بل جزء هام منها بقي معلقاً بتصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب.
هذا التصنيف الذي كان سارياً منذ العام ١٩٧٩ . هذا التصنيف الذي حمل عبئه ملايين السوريين في حلهم و ترحالهم حين حُجِبت عنهم مزايا عديدة في المجتمع الدولي فقط لأنهم حاملي الجنسية السورية .
إلى أن حدث و قامت في الرابع و العشرين من شهر آب/ أغسطس للعام ٢٠٢٦ الولايات المتحدة الأمريكية و بقرارٍ رسمي بإزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب .
هذا القرار الرسمي يتجاوز أبعاده السياسية و القانونية ، فهو في حقيقة الأمر ينقل سوريا من العزلة الدولية إلى اقتصادٍ لا يواجه اندماج نظامها المالي مع النظام الدولي أية عقبات، يصبح تعامل المؤسسات المالية الأمريكية مُيسّراً و هذا ما قد يُشّجع شركات استثمارية على القدوم والاستثمار .و بلغة مُبسّطة بعيدة عن المصطلحات القانونية المعقدة انه يُمكّن الشركات السورية من إقامة علاقات مصرفية دولية، حرية الاستيراد، توسع الاستثمار و خلق فرص عمل ، تحويل الأموال بسلاسة عبر قنوات مالية رسمية ، و بالتالي اندماج اقتصادي كامل مع النظام الاقتصادي الدولي.
هذا كله لا يعني ان العقوبات قد انتهت حتماً و نهائياً و أن سوريا أصبحت مزدهرة ، وان كل العوائق الأمنية و السياسية قد زالت . ما يعنيه جوهر الأمر ان خطوات و أسس التعافي قد تم إرسائها . ما يحتاجه السوريون الآن هو فرصة لإعادة بناء وطنهم في ظل دمار غير مسبوق يصعب على المرء تصوره أو استيعابه ، و قد قدّرهُ البنك الدولي بما يتجاوز ٢١٦ مليار دولار أمريكي. ما تحتاجه سوريا و أهلها أن المجتمع الدولي عليه أن يفهم أن الأمر هو إعادة بناء للإمكانيات الإنسانية وليس فقط إعادة إعمار بناء. تحديات هذا وذاك جسيمة والحزمة تضم فيما تضمه بنية تحتية متهالكة ، مؤسسات ضعيفة، الأمن ، البطالة، الفقر، النزوح، الحاجة إلى الاستقرار السياسي الدائم، احترام دور و سيادة القانون ، و من التحديات ايضاً ان تتم تلبية معايير الاستثمار بما يتطلب من مصداقية و ضمان تتعلق بالعقود، وحقوق الملكية، والأنظمة والمؤسسات المصرفية. و المعايير السليمة الأهم و التي لها تأثير مباشر و آني على المناح السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية ان تكون هناك أولويات ثابتة تبدأ من حقوق الإنسان ، حماية المدنيين، والمساءلة، وحقوق الأقليات، وحقوق المرأة إلى استقلال المؤسسات، وسيادة القانون.
ايضاً تبرز أهمية أخرى في التأكيد على تمييز جوهري و جذري ما بين البعدين السياسي و الإنساني للقرار ، فالانفتاح الاقتصادي يعود بالنفع على المواطنين السوريين كافة و ينهي ارث الديكتاتور حين كان النفع مقتصراً على النخب السياسية، الجماعات الموالية له ، رجال الأعمال أو الأفراد ذوي النفوذ، حيث كان الاستثمار و الاقتصاد عبارة عن آلية أخرى لتركيز الثروة في أيدي قلة من الناس. الهدف اليوم هو سوريا التي يترافق فيها الانتعاش الاقتصادي مع الشفافية والمساءلة وسيادة القانون وتكافؤ الفرص ، سوريا التي تُنهي عهداً من الإضطهاد و القمع.
إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب لا يُعيد من قُتلوا من الشهداء ، ولا يمحو معاناة من اعتُقلوا أو عُذّبوا أو نزحوا من ضحايا النظام ، ولا يُعيد بناء طفولة مُدمّرة أو يُعيد أربعة عشر عامًا ضائعة لجيل كامل فقد أهم حقوقه في الحياة الآمنة و التعليم . لكنه يُمكن أن يُساعد في إزالة أحد الحواجز القائمة بين سوريا والعالم. ويجب استغلال هذه الفرصة بحكمة.
المقياس الحقيقي لهذا القرار ليس فقط عبر الترحيب به سياسياً و دبلوماسياً و صدور تصريح رسمي أو شعبي بخصوصه في العواصم المعنية أو الأسواق المالية الدولية, بل المقياس الحقيقي حين تتمكن عائلة سورية بعد سنوات من الآن من ان تتوفر لديها مقومات خدماتية، أن تتوفر فرص العمل لإفرادها، أن تكون هناك خدمات طبية ، أن يكون هناك بيتاً و سقفاً يحميها ، ان تمارس حقوقها في حرية التعبير و الحياة ، أن يكون لها مستقبل بعد ٥٤ عاماً من ديكتاتورية .














