بقلم / مسعود معلوف
سفير متقاعد
في أواخر العام 1979 أيام الرئيس حافظ الأسد، أدرجت الولايات المتحدة سوريا على لائحة الدول الراعية للإرهاب بسبب ما كانت تعتبره دعماً سورياً للجماعات المسلحة والعلاقة السورية مع إيران الخميني ومسائل لها علاقة بالإرهاب. كل ذلك أدى إلى عزل سوريا عن النظام الدولي عبر تقييد تصدير بعض السلع والتكنولوجيا الأميركية إليها، مع فرض قيود على المساعدات الأميركية بالإضافة إلى قيود مالية ومصرفية قوية، فأصبحت سوريا تعاني من صعوبات كثيرة في علاقاتها السياسية والإقتصادية الدولية.
وقد شددت الولايات المتحدة هذه العقوبات فيما بعد خاصة عام 2004 ثم عام 2011 حيث أصدرت مجموعة من الأوامر التنفيذية المتضمنة عقوبات قاسية على القطاع النفطي حيث تم حظر شراء النفط السوري وحظر الإستثمارات المتعلقة بهذا القطاع، مع عقوبات مماثلة على التجارة والنقل والطيران، وعقوبات على أفراد وكيانات سورية.
وفي العام 2019، صدر قانون قيصر الشهير الذي دخل حيز التنفيذ عام 2020 والذي تناول بالإضافة الى السوريين أطرافاً أجنبية تتعامل مع الحكومة السورية ما جعل شركات ودول ومصارف من دول أخرى تتجنب التعامل مع سوريا كي لا تتعرض للعقوبات.
بعد سقوط نظام الأسد في أواخر العام 2004، وبعد دخول الرئيس الأميركي دونالد ترامب البيت الأبيض، بدأت الولايات المتحدة برفع العقوبات عن سوريا بصورة تدريجية حيث أنهت، في بداية شهر تموز/يوليو 2025 برنامج العقوبات الإقتصادية بدءأً بقرار وزارة الخزانة الأميركية إصدار إعفاءات لتمكين المباشرة بأعمال الإغاثة والسماح بالتعامل مع البنك المركزي السوري والمؤسسات العامة، في الوقت الذي رفع فيه الإتحاد الأوروبي كافة عقوباته الإقتصادية عن سوريا.
وفي أواخر ذلك الشهر، ألغى الرئيس ترامب بأمر تنفيذي ستة أوامر تنفيذية سابقة كانت كلها تتعلق بعقوبات إقتصادية. وقد تلا ذلك في شهر كانون الثاني/ديسمبر من العام 2025 قانون موازنة الدفاع الأميركية لعام 2026 الذي ألغى قانون قيصر وهذا ما أدى الى إلغاء التهديد بالعقوبات الثانوية على المستثمرين الدوليين.
أما الخطوة التالية والأهم، فقد تم اتخاذها بتاريخ 8 تموز/يوليو من العام الجاري حيث أبلغت إدارة الرئيس ترامب الكونغرس عزمها على حذف سوريا من لائحة الدول الراعية للإرهاب، والملفت هنا ان الإدارة لم تكن تطلب من الكونغرس موافقته أو حتى رأيه بهذا القرار، بل كانت فقط تقوم بإطلاع الكونغرس على رغبتها باتخاذه، وفي حال عدم استلام الإدارة إعتراضاُ في مهلة 45 يوماً على هذا الإبلاغ، يصبح باستطاعة وزير الخارجية إصدار القرار النهائي بشطب سوريا من لائحة الدول الراعية للإرهاب.
هذه المهلة القانونية انتهت بتاريخ الثالث والعشرين من الشهر الجاري ولم يصدر عن الكونغرس أي اعتراض على ذلك علماً أن الحزب الديمقراطي المعارض بصورة عامة للرئيس ترامب لم يتخذ أي موقف مناهض لهذا الإجراء، وهذا ما يدل على ان هنالك توافقاً عاماً لدى الحزبين على رفع جميع العقوبات الأميركية عن سوريا تمكيناً لها من الاندماج مجددا في النظام الدولي.
لم يبق بعد الآن كخطوة أخيرة للوصول إلى الإزالة التامة لسوريا عن لائحة الدول الراعية للإرهاب وبذلك وضع حد نهائي لجميع العقوبات التي كانت مفروضة على هذه الدولة سوى إصدار قرار بهذا الإتجاه من قبل وزير الخارجية ماركو روبيو، وقد حصل ذلك اليوم بالذات وهذا من شأنه أن يفتح الباب لسوريا للعودة الطبيعية إلى المجتمع العربي والمجتمع الدولي بصورة عامة، مع التشديد على أن هذا الموقف الأميركي يعكس، كما أشرنا سابقاً، توافقاً أميركياً جامعاً في هذا الخصوص، بالرغم من الإنقسامات الحادة القائمة حالياً بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي ومعارضة هذا الأخير لمعظم مواقف وقرارات الرئيس ترامب.
صدور قرار إخراج سوريا من هذه اللائحة لا يعني إزالة جميع العقوبات إذ لابد من التوضيح أن بعض العقوبات ستبقى مفروضة على أفراد عائلة الرئيس السابق بشار الأسد والرموز المرتبطة بنظامه، وكذلك المتورطين بانتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب، بالإضافة الى شبكات تهريب الكابتاغون والكيانات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، ولكن سوريا كدولة لن تعود خاضعة لأية عقوبات. فماذا يعني بالنتيجة خروج سوريا من لائحة الدول الراعية للإرهاب وعدم خضوعها للعقوبات؟
من المفيد التوضيح أولاً أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعرب عن مواقف مؤيدة للرئيس السوري أحمد الشرع والتقاه في عدة مناسبات كان أولها في منتصف شهر أيار/مايو من العام الماضي في المملكة العربية السعودية، كما حصل لقاء آخر على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في شهر أيلول/سبتمبر 2025، وبعد ذلك استقبل ترامب الرئيس السوري في البيت الأبيض في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه وحصل اللقاء الأخير بين الرئيسين في أنقرة في الثامن من شهر تموز/يوليو على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) حيث أبلغ ترامب الرئيس الشرع بأنه ينوي اتخاذ قرار برفع سوريا عن لائحة الإرهاب.
بعد أن أصدر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هذا القرار الهام ، سنرى تحولات اقتصادية وسياسية هامة.
على الصعيد الإقتصادي، من أهم نتائج الموقف الأميركي عودة سوريا تدريجيا الى النظام المالي الدولي حيث كانت المصارف الدولية متحفظة بشدة في التعامل مع دولة خاضعة لعقوبات قاسية، ومن شأن هذا التطور أن يؤدي الى تسهيل التحويلات المالية من والى سوريا، وتسهيل تمويل تجارة سوريا مع الدول الأخرى، ودخول استثمارات ملموسة وتسهيل تمويل مشاريع الكهرباء والإتصالات ومشاريع إعادة الإعمار.
ولا بد من الإشارة هنا الى أن سوريا بحاجة الى عشرات المليارات من الدولارات لتمويل إعادة إعمار البنية التحتية. وبعد حذف سوريا من لائحة العقوبات سيصبح الإستثمار في سوريا ممكنا سياسياً وقانونياً ومن شأن ذلك أن يفتح الأبواب أمام الشركات الأميركية والأوروبية وبصورة خاصة الشركات الخليجية للإستثمار في قطاعات الطاقة والنفط والغاز والكهرباء والإتصالات والنقل والعقارات والمصارف علماً أن وزارة الخارجية الأميركية كانت قد بدأت بتشجيع التعامل الإقتصادي مع سوريا في مطلع هذا العام والإستثمار في هذه القطاعات.
أما على الصعيد السياسي، فإن الولايات المتحدة، من خلال هذه المواقف الإيجابية التي تتخذها تجاه سوريا، تتوقع تطورات سياسية كبرى ليس على الصعيد السوري فحسب، ولكن على صعيد منطقة الشرق الأوسط برمتها.
فعلى الصعيد السوري، تسعى إدارة ترامب الى إبعاد هذه الدولة عن إيران وإلغاء النفوذ الأيراني الذي كان سائداً أيام الرئيس بشار الأسد، كما انها تأمل أن تقطع بالكامل طريق إمداد حزب الله في لبنان بالمساعدات العسكرية والمادية بالكامل من إيران عبر الأراضي السورية، هذا بالإضافة طبعاً الى رغبة الولايات المتحدة بأن ترى سوريا دولة مستقرة وموحدة تحمي الأقليات وأن لا تكون ملاذاً للإرهابيين، بل شريكاً في مكافحة الإرهاب، وخاصة الإرهاب الداعشي.
أما على صعيد المنطقة، فإن إدارة ترامب تسعى من خلال مواقفها الأخيرة تجاه سوريا أن تحقق، وليس بالضرورة بصورة فورية، تسوية أمنية مع إسرائيل. ربما يبدأ هذا المسار بنوع من الإتفاق الأمني يؤدي إلى وقف التصعيد، يليه بعض الترتيبات الحدودية ومن ثم يبدأ مسار التطبيع بين سوريا وإسرائيل بصورة تدريجية. هذا مع العلم أنه سبق لدمشق أن أعلنت منذ فترة غير بعيدة أنها تسعى إلى اتفاق أمني مع إسرائيل يمهد لسلام أوسع، ولكن ذلك لم يحل دون استمرار سوريا بالمطالبة باستعادة هضبة الجولان كونها أرض سورية بالرغم من اعتبار ترامب في العام 2019 في ولايته الأولى أنها أرض إسرائيلية.
من جهة ثانية، تسعى أيضاً إدارة الرئيس ترامب إلى إبعاد سوريا عن روسيا وتقليص النفوذ الروسي ليس فقط في سوريا بل في كامل المنطقة، وإعادة سوريا إلى الحضن العربي ولكن مع علاقات جيدة جدا مع الغرب بصورة عامة ومع الولايات المتحدة بصورة خاصة. لا شك أن كل هذه التغييرات لن تحصل بين ليلة وضحاها بل ستأخذ بعض الوقت حتى لو تم كل شيء دون تطورات سلبية في الداخل السوري.
ويبقى في النتيجة السؤال الأهم، هل إن سوريا، قلب العروبة النابض، ستتخلى عن القضية الفلسطينية وتسير في القطار الأميركي المتجه نحو إسرائيل أم سيستطيع الرئيس أحمد الشرع الإكتفاء باتفاقية أمنية مع الدولة العبرية؟ والسؤال الآخر، هل سيقبل الرئيس ترامب بعد هذا الإنفتاح الأميركي على سوريا أن لا تنضم هذه الأخيرة إلى اتفاقات ابراهيم وتطبع علاقاتها بالكامل مع إسرائيل؟ والسؤال الأخير، هل سيقبل نتنياهو باتفاقية أمنية مع سوريا وهو الذي يهمه استمرار الحروب في المنطقة ليظهر أمام الناخب الإسرائيلي بأنه يحمي الإسرائيليين على عدة جبهات من أجل الفوز في الإنتخابات التشريعية القادمة والعودة إلى رئاسة الحكومة تجنباً لدخول السجن بسبب المحاكمات التي يتعرض لها حاليا بتهم الفساد؟؟
تطورت الأسابيع القليلة القادمة قد تعطينا الأجوبة عن هذه الأسئلة الهامة للغاية.














