الأديبة والباحثة : إخلاص فرنسيس
قصية قصيرة
جلس يرقب المساء في عينيها، تقلّب صفحة تلو أخرى، يرقص الورق بين أناملها، والكلمات تتسابق لتعانق عينيها، وتقطر كحلة العيون حبرًا على الورق، تبتسم حينًا، ويتجهّم وجهها حينًا آخر، تترقرق دمعة، تنحسر بين الجفون تبعًا لما تقرأه، وهو في الركن المقابل يرتدي جاكيتًا طويلًا أسود، وكأنّه خارج من أحد أفلام هيتشكوك القديمة، ينفث دخان غليونه في الهواء، الغرفة أصغر من أن تتّسع لها ثلاث طاولات، وأوسع من هذا المدى لكثرة اللوحات التي تحتلّ الجدران، دون أن تترك مساحة راحة اليد. هي مستوحاة من كلّ أنحاء العالم القريب والبعيد، صور فنانين وموسيقيين، وملامح عفّرها دخان السجاير، وكتب علاها غبار الزمن، وكأنّها الشاهد الوحيد على عمر وحدته، وسني عمره، ورحلة حياته التي قضاها بين الكتب والورق وحبر الروح.
لم يخشَ أن يختلس إليها النظر من تحت العدسات السميكة، ومن بين دخان السجائر الكثيف بين الفينة والأخرى، بعين الفضول أو الإعجاب، لا يدري، وكأنّه لأول مرة يراها على الرغم أنّها لم تكن المرة الأولى.
اعتدل في جلسته، أراد أن يلفت انتباهها بطريقة ما، لكنّه خاف أن يخرجها من صومعتها هذه، وكأنّها في حالة عبادة وخشوع.
يرى انشغالها بالورق، ترتبه بعناية فائقة بعد أن تنهل بتروّ حدّ الارتواء والارتقاء من هذا العالم المحسوس.
وحيدة في هذه البقعة من الدنيا، ورفيقها الكتاب. تُرى ماذا تقرأ؟ هل هي رسائل جبران ومي زيادة كما بدا من غلاف الكتاب؟ مخفيّ عن أنظاره، اقترب أكثر، لفت انتباهها، رفعت بصرها نحوه، شعر بتأنيب الضمير لأنّه قطع خلوتها.
آسف
بحركة عفوية من رأسها، وكأنّها تقول: على ماذا؟
قطعت عليك استرسالك في القراءة.
ابتسمت، وهزّت رأسها قائلة:
هل تخافين ضوء الشمس
هل تخشين مدّ البحر وجزره؟
أجابها جبران، وكأنّي شعرت أنك تقرئين جبران.
اقرئي أيضًا.
دون أن تجيب راحت تقرأ حروف جبران وكلماته، وكأنّها فراشة ترقص في مرج الزهور، شفتاها، بحّة الصوت، مخارج الحروف.. تركته في زغللة، وسحبت منه الروح إلى أجيال مضت.
توقّفت، وسألته: هل تخاف الحبّ؟
تلعثم، ارتجفت يداه، وتصبّب العرق في قميصه المفتوح برغم البرد:
هل يخاف الحبّ؟
ما كان عليه أن يجيب على هذا التساؤل لنفسه قبل أن يقرأه في عينيها.
لا يخاف الحبّ، بل يخاف الفراق.
لا يخاف الحبّ، بل يخاف أن يبرد فراشه بعد دفء.
لا يخاف الحبّ، بل يخاف بعد أن وجده أن يفقده.
سكتت الموسيقى الخفيفة، الحيطان المزركشة باللوحات.. الأبيض والأسود، فنجان القهوة. كلّ شيء بدا في ثوب عرس بعد طول غياب، ارتعشت روحه، قلبه ينبض بالحياة. أن يختبر الحبّ أو أن يعرف عنه شيئين مختلفين.
يخاف الحبّ، نعم
يخاف شفتيها
يخاف شعرها الأسود
يخاف التوت على أظافرها
ويخاف الحبق في أنفاسها
لملم أشياءه وكتبه، وخرج إلى الشارع البارد، غاص في ضوضاء أزقّة المدينة. المألوف منها بدا غريبًا، أزعجه أصوات الساهرين في المقاهي وأمّ كلثوم، أغلق أذنيه عن أن يسمع سوى التنهّد في صوتها، ومخارج الحروف من بين شفتيها. فراشات سكنت داخل قميصه الأخضر، أسرع الخطى هربًا من الحبّ، فوجده على عتبة الدار صديقًا يتيمًا ينتظر..










