الأديبة والباحثة : إخلاص فرنسيس
جبار هو؛ الموت بكل بساطة نزق في حضوره ومدلل، يرتفع حين يهبط السكون يلتف على جذع أرواحنا، يتغاضى عن الوجع الذي يخلفه وراءه، إنكار حضوره كما إنكار الليل والنهار والشمس والقمر.
انتظارهم مثل انتظار أن يبعثر صدى صوتهم غابات أرواحنا كي نهدأ وتهدأ ثورة الدم. ان تدير فرص الهاتف تطلب الرقم شيء عادي، ما بالك أن يطلبك رقم من رحلوا فتختنق بين إشارة الهاتف والأرقام المتراقصة على الشاشة وبين أن تستل السكين تقطع حبل الشك باليقين، وأنت كنت قد رأيت أشلاءهم مبعثرة أمامك على الجدران، تقرع طبول صدرك يرتفع مستوى الوجع تغرق في دمعة محاصرة على طرف هدبك انتظرت طويلًا ليأخذها الريح إلى قبورهم، تبل يباب غربتهم.
الله أنجبنا ما بين أحياء وأموات، وأعطانا وعد الموت تماما كما وعد الحب كلاهما لا يموت. فوق الغسق نثر المساء أشعته وفي الفجر دمنا يهجرنا كلما لاحت في الأفق أرواحهم، تفر الدمعة كلما تعاقبت الفصول نحن هنا أنا هي وأنت هو معلقين على أسوار الأسرار بين اللعنة والبركة.
كم مرة تزورنا فراشات الحقول ورذاذ البحر يعيدان ألوانهم ورائحتهم فقط حين نترك الباب موارباً نطل منه على ماض لن يعود أسواره من زهر البنفسج ملوكي في رفاه وحزنه ووجعه وعطره، لقد ولدنا كي نموت وولدنا كي نحب.
نكسر الأيام على أرصفة الحياة، في مشهدية سجلها الله على أسفار الكتب المقدسة وقسم لنا أشعار الريح وغزل من القصب نايات ومن العيون أحجية. تسيل من ذاكرة الأفق نظرات تائهة، نحن لفظة صغيرة.
هذا الربيع القادم دافئ هل يعوض الشتاء البارد القابع في صدر نحن؟ ونحن نربى الأمل في عبثية الهاويتين الولادة والموت. شجر الرمان عقد حمرة خمرته ومضى السرو في العلو الكرمة تدلت عناقيدها الفضية وشجرة الليمون طرحت ثمارها.
في سياق واقعنا مضى الماضي، لذا نختزل التاريخ في عيد الأبدية. المنطق احيانا يتنافي مع الواقع، ومع الظواهر الكونية تأمل الصوت؛ هل هناك ما يفسر ان نحلم بضرب أرقام الهاتف وطلبهم كي نسمع صوتهم ونكتفي؟ هذا حلم من الأحلام نرجو أن نعيشها أو نخبرها لآخر لا هم من أين يأتي أو إلى أين يأخذني ولكن فقط يكفي أن يأخذنا إلى المسرح الكبير، ليتوافق المستحيل مع تردد الصوت داخلنا.
الخيال، الجنون، المستحيل، الأحلام كلها مجتمعة ضروب من الجنون. قد نعشق صوت وربما صورة وأحيانا كثيرة فكرة، كل هذا لا يكتمل إلا عند الإدراك إنما عشقنا صورتنا في الأخر لأنه هو من جعلنا نحس بوجودنا أساسا. هذه الأماكن هي الكهوف الموحشة، أكثر الأماكن التي يشعر بها الإنسان بالوحدة، الخارج مكتظ بالبشر أما الداخل فهو بارد.
ماذا حدث لا أعلم، بعض البشر يأتون إلينا يرتبون دواخلنا، يفتحون ثغرة في الجدار الحاجب حول القلب، ينبشون بمعول الحروف ما أخفاه الضباب. أظافر الذكريات تنسل خلسة وعنوة إلينا، يتآكل الكيان على إيقاع الوجع، نعلو ونهبط كالمد والجزر، ترتج أركان روحنا بهزة عنيفة أعلى من درجات رختر، تنتفض من على شفتينا ابتسامات في محاولات يائسة لإخفاء بحة أوتار القلب.
كم نشبه علب الهدايا قبل أن نفض الشريط ونقشر الورق، ونلج داخل العلب. أحسنت، أن أسير عكس التيار، مثل أسماك السلمون، أسبح طلوع عكس النهر، ولكن عكسها أنا أعلم أن الموت في الأعالي، ومع ذلك ألج الحياة من أوسع أبوابها، وأسير إلى النهاية بقلب مثقل بالحب، والوجع والعشق والحنين.
لا أندم على أية لحظة أعيشها أو عشتها، أحسن اختيار البسمة، والدمعة، أبكى ما استطعت إلى ذلك السبيل، فالدمع يغسل الوجع فتبدو الحياة أشد نقاء، أشفي من الجمع بالدمع، وأداوي دائي بالداء. لا يستهويني جلد الذات، لأنهم كثر من حاولوا جلدي، فأنا أحب نفسي، وكذلك لا أحب أن امسح ذاكرتي، فالإنسان دون ذاكرة ميت، وأنا أحيا لأصنع ذكرياتي، في الضوء في العتمة في كل الأحوال.
أرمم الأسوار حولي كلما هدمتها ظروف الحياة، لا تفهمني خطأ هي ليست أسوار تمنع عني الهواء بل هي أسوار الأسرار العلوية تقيني زيف المجتمع.
أم كلثوم ونسمة الجنوب، عبثا نسلخ بعض الكلمات منا، فانا بنت الجنوب، تقول وأقول تغني تهيج في داخلي الحنين، وتهدأ دمي وتسبر وجداني. الموسيقا وعزفها الراقي، ربما هي ليست الأفضل بين العازفين ولكن الأجواء كلها مهيأة لنستقبل بمشاعرنا التي هي أبعد من اللحظة نفوسنا المهيأة لجلسة علاج، لقاء الأرواح بالأرواح، جلسات الزار والشفاء.
لا أؤمن بأشياء كثيرة من الخزعبلات، ولكني أؤمن أن هناك لحظات لا يمكن أن نعيد ترتيبها إن أردنا، ولا يمكن لبرودة جو أن يطفأ نار تتأجج في النفوس والصدور.
أما عن العذراء التي تلد أربعة رجال، أمس كنت أفكر بهذا الموضوع، كيف لهن نساء مضت عقود على أوراق حملت ختمهن يشهدن على زيجة، أنجبن الأطفال وأصبحن جدات، حتى هذه تلك اللحظة لم يختبرن الحب وما زلن عذارى.














