بقلم: كنده الجيوش
عندما أتى إلى كندا بعض النساء المهاجرات من سوريا لا سيما من شمال شرقها تفاجئن بوجود نوعٍ من الطعام المحلي، و الذي هو مقتصراً على محافظات شمال شرق سوريا دون غيرها، تفاجئن بان يتم تقديمه من قبل بعض الجاليات الأخرى القادمة من أوروبا، بولندا ، تركيا و الجالية الموسوية على انه طبق محلي خاص بهم ايضاً، و اعني بهذا طبقاً يدعى كبيبات أو الكبة ، ربما هذا تحديداً أثار كم هو من الممكن أن يكون الطعام قاسماً مشتركاً بين مجتمعات إنسانية مختلفة ، و كم يمكن لهذا الفن أن يكون له أبعاداً ثقافية ، أن يساهم في الاندماج و الأهم أن يساهم في الدعم الاقتصادي ليس للأسر المهاجرة القادمة حديثاً و إنما يجوز لنا القول انه يساهم في دعم اقتصاد كندا بطريقة أو بأخرى، والتي بات موضوع العمل في فنون الطبخ و مجالاته هو احد أهم عوامل التمكين الاقتصادي للمرأة المهاجرة و اللاجئة عن طريق صناعة الطعام و تسويقه. فإذا أخذنا المرأة العربية المهاجرة واللاجئة والتي قدمت كما قدم الآلاف من اللاجئين العرب من سوريا، العراق، لبنان، فلسطين، مصر و بلاد المغرب العربي الكبير لوجدنا أن أمر إعداد الأطباق العربية و فنون المطبخ العربي آخذةً بالاتساع.
و هذا يعود في حقيقة الأمر إلى عوامل عدة منها ما يتعلق من صعوبات لغوية ، معوقات الاندماج، صعوبات عن مراحل تعلم لغة غير اللغة الأم ، لغة لم يعرفنها النساء العربيات من قبل سواء الفرنسية أو الإنكليزية ، و منها ما يتعلق بقصور في الكفاءة العلمية المشترطة للعمل في هذه المقاطعة أو تلك ، و منها ما يتعلق بشروط سوق العمل نفسه، و منها ما يتعلق بالدورات الاقتصادية من نمو أو كساد . على أية حال المرأة العربية استطاعت تجاوز هذه الشرنقة عبر العمل على تحضير أطباق محلية و تقديمها إلى المجتمع الكندي . بدأ الأمر بإعداد أطباق معينة ، تحضيرها ، تنظيمها، العودة إلى مناسبات معينة وطنية، ثقافية أو سياحية و التسويق من خلاها او من خلال المطاعم و المحلات التجارية على تنوعها. امتاز المطبخ العربي على تنوعه بأنه لذيذ ، ذو ذوق رفيع و قيمته الغذائية عالية تتفق و ما يوصي به أخصائيي التغذية بما يسهم في بناء الصحة الجسدية . شهد العديد منا عدد النساء العربيات و لا نبالغ ان قلنا بالمئات و هُنَّ يؤدين هذا العمل و يساهمن في دعم أسرهن المادي و الاقتصادي و أيضاً المعنوي . ينشطن في مجتمعهم الجديد القادمات إليه عبر مشاريعهم الصغيرة ر بما في حجمها لكنها الواسعة في تأثيرها . أغنى ما قدمته النساء العربيات قائمة الطعام في كندا و كيبيك ، كما قامت النساء المهاجرات بالتعريف بثقافة بلادهم .
و هذا عامل هام في الاقتصاد الكندي من حيث ان شريحة من المجتمع لم تقع في براثن العطالة عن العمل و الفقر ، بل هي ساهمت في الإنتاج و الانتماء إلى سوق العمل في كيبيك .و لهذا الأمر خصوصية لا يُستهان بها في ظل ما يحدث من المتغيرات السياسية و الاقتصادية الدولية و تغير النظام الدولي القديم الذي لا يطال كندا وحدها بل يعم بلداناً من القارات كافة على اتساعها. كما انه عامل إنساني اجتماعي و ثقافي لا يقل أهمية عن الاقتصادي، فالنساء العربيات قدمن من خلال اطباقهن قصة تراث، تاريخ، و ثقافة عندما ساعدت بمعرفة أسماء أطباق معينة ، وصفة تحضيرها، الحكايا عنها و متى نشأ هذا الطبق او ذاك و ما هي القصة الشعبية ورائها ، أية حميمية ترافقها عندما تكون خاصة بأعياد الميلاد، الفطر ، الأضحى، الفصح و موائد رمضان المبارك. هذه التجربة ليست بجديدة على تاريخ كندا او مقاطعة كيبيك ، كما أنها ليست طارئة على المجتمع الإنساني في كيبيك ، بل هي تعود بجذورها إلى موجات المهاجرين المتعاقبة و منها الجاليات اليونانية ، ، اليهودية او الإيطالية والتي جلبت معها انواعاً معينة من الطعام لتصبح سلسلة مطاعم، او لحوم ، او صناعة غذائية من منّا لم يتذوق الأطباق الإيطالية من السباكيتي أو كرات اللحم، أو السلطة اليونانية او اللحم المدخن الذي قدمته الجالية اليهودية و عرفت به المقاطعة .
أصبحت هذه الأطعمة مجتمعة بصمة لا تقتصر على منشأها كجالية و إنما لتُعرف ب مقاطعة كيبيك و تنوعها و فرادة ما تقوم به الجاليات من عملٍ يمنح المقاطعة بل و كندا صفة من صفاتها و يوثق العُرى بين أبنائها و يُسّرع من اندماجهم و تعاونهم في بناء الاقتصاد و المستقبل الذي يعود بكل ما فيه على أبناء البلد قاطبة.
اليوم هناك تجربة مماثلة تقوم بها الحكومة السعودية و بالتعاون مع منظمات الأمم المتحدة لتمكين المرأة السورية الاقتصادي في سوريا حيث يُقدّرَ عدد السيدات المستفيدات من هذا البرنامج ما ينوف عن ٥٠٠ سيدة يتوزعن على الريف الداخلي السوري . و هذا برنامج تُقدّر و تُثمن عليه الحكومة السعودية و الأمم المتحدة و الأمل أن يمتد البرنامج ليمتد مناطق سورية أكثر لا سيما في الشمال الشرقي و في حوران. وقع أهل سوريا في فقرٍ مدقع خلال الأربعة عشر الماضية و كل ما يفيد و يدعم كرامة الإنسان و كرامة المرأة يعني ان البلد بخير و ان التعافي قادم و خطواته تبدأ من تمكين المرأة الاقتصادي .














