بقلم: تيماء الجيوش
المحامي محمود بدر الجيوش كان خريج جامعتي دمشق و كامبريدج من بريطانيا ، كان سياسياً مخُضرماً و له تاريخه من خلال عمله كوزيرٍ سابق ، محامٍ ، محكم تجاري دولي ، رئيس و نائب رئيس لعدة مراكز تحكيم تجارية دولية ، قام بتأسيس اول لجنة للدفاع عن حقوق الإنسان في سوريا في ستينيات القرن الماضي، عضو في المؤتمر القومي العربي ، رئيس لجنة رفع الحصار عن شعب العراق، بقي مدافعاً عن الديمقراطية و مبادئها حتى اللحظات الأخيرة من حياته. كان لي من الحظ الشيء الكثير فهو عمي ، شقيق والدي الذي افخر به ، بل وأزيد على ذلك بأنه كان على الصعيد المحلي و العربي و الدولي مصدراً علمياً و ثقافياً و مهنياً لا تفيه الكلمات حقه في سردها . كان لي الحظ و الشرف ان انهل من علمه و تجربته و تاريخه عندما بدأت عملي كمحامية حقوق إنسان في دمشق ، سوريا كان هو من ألجأ إلى خبرته و نصحه و دعمه في تفاصيل عملي و أبحاثي القانونية في وقتٍ كان فيه القمع و الإضطهاد هو ما يطغى على سوريا في ظل نظام الأسدين الديكتاتوري.
حين ذهبت إلى المكتب في دمشق بعد عودته من بيروت و مشاركته في المؤتمر القومي هناك وجدته ممسكاً بهذه المداخلة بيده و يدفعها لي لأقرأها ، ثم تمحور حديثنا عن مركزية الديمقراطية ، الحاجة إلى الحوار في الشأن القومي و المحلي، و أن الخروج من دائرة الإحباط لا يكون إلا من خلال رؤيا جديدة تقوم على التنوع و قبول الأطراف المختلفة لبعضها البعض . وكم يشابه اليوم الأمس ! وكم نحتاج اليوم إلى الحوار للخلاص من براثن الطائفية و كل خلافٍ ثقافي، اجتماعي ، سياسي … إلخ. اليوم اسمحوا لي في هذه المقالة ان أشارككم
المداخلة التي قدمها عمي الراحل المحامي محمود بدر الجيوش أمام المؤتمر القومي الإسلامي السادس في جلسته المنعقدة في السادس من شباط للعام ٢٠٠٩ في البريستول في بيروت ، لبنان حيث قال فيها رحمه الله ما يلي :
« يتكرر اجتماع النخب الفكرية المنظمة للمؤتمر القومي الإسلامي دورياً، وكلما تدعو الحاجة لُتلقي نظرة مستعجلة على واقع تداخل الفكر القومي العربي بالفكر الأيديولوجي الديني ، و لمعرفة ما إذا كان من الممكن أن يؤثر الواحد منهما في الآخر ، أو أن مثل هذا التأخير يصبح وارداً في جميع ظروف والأحوال من حيث الحجم و المقدار و الكيفية المؤثرة واستخلاص نتائج هذا التأثير .
ومن المؤكد أن مؤثرات الفكر الديني الإسلامي في الفكر القومي الإسلامي كانت هي الأقوى، وذلك عائد فيما إلى أن الفكر الديني كان مرحلة انتقالية في اختلاط الإيمان الغيبي في محاولة لبلورة نظرية متكاملة في الفكر القومي العربي بعد أن تراجعت الحركة القومية في جميع ميادينها بنكسات أدت إلى الإحباط وفساد الرؤية ، وهي ما تزال تتكرر ، فالواقع العربي المعاصر الذي يفرض علينا التلاقي والبحث في هموم الأمة إنما هو شعور وإيمان عميق بأن هذا التلاقي ما كان يتم و يتفاعل لو أن الفهم الصحيح لكلا النظريتين القومية ودينية أخذت كل منها مسارها الصحيح ، وتحمل كل منهما ما كان يتوجب عليها أن تتحمله ، و بصورة خاصة في المسؤولية التاريخية تجاه بعضهما البعض بالنظر لوحدة المصادر المرجعية لكل منهما .
ومن المؤسف حقا أن تتكرر المفاهيم النظرية للفكر القومي والقومي الإسلامي في كل دورة يعقدها المؤتمر ، فلا تتسع دائرة المعارف ولا يُبنى على ما سبق من تحليل ونتائج فعل ذلك عائد إلى أننا نبقى مشدودين إلى الخلف ولسنا مجددين في الرؤية وعاملين على التطوير وغير قادرين على تحريك المفاهيم بما يتفق مع طبيعتها .
فإن الحركات السياسية والدينية التي تتغذى بمصادر المعرفة في الإيمان الكلي والغيبي وتنطلق من الوحدانية والشمولية بحيث يصبح من غير الممكن أن يُعاد صياغة نظرية في الأيديولوجية والمفاهيم المكتسبة وبدون أن تطور إيديولوجياتها ويتم اختراق في دائرة بنيانها ودعواتها للتعبير الحقيقي عن صادق عقيدتها و فلسفة نظريتها فلن يكون هناك صدق في العمل الوطني . كما لا يمكن مخاطبة الجماهير مخاطبة أصيلة ومن هذا الفهم فإن اكتساب المعرفة أساسا لصياغة النظرية الأيديولوجية أو السياسية لابد أن يكون مبني على ثقافة عقائدية وليس على ثقافة شعبية أو إعلام عقائدي موجه .
فالفهم الحقيقي للنظرية هو الإيمان فيها والدفاع عن مفاهيمها و بعث الاطمئنان في نفوس حملتها .
إن الأجيال القومية و الإسلامية و هي تسلم قيادتها خلف هذه النخب الكريمة وهي تُقاد حكماً لقدرها تدرك أن ضياعاً قد حدث أوصلها إلىى حافة الهزيمة .
إن الأجيال القومية الإسلامية و هي تُقاد معكم لقدرها تدرك أن ضياعاً قد حدث في نضال الأمة أوصلها إلى حافة الهزيمة وما كان لذلك أن يقع لو بقي القومي على نزاهته وإيمانه .
ولذلك فنحن بحاجة إلى فترة هدوء تراجع فيه الحركات الوطنية القومية معتقداتها وتقبل كل واحدة منهما على الأخرى بروحٍ إيجابية وبناء تتخلى في نظرتها الجديدة وتترفع عن السلبية في العلاقة فقد انتهى أثر مرحلة السلفية إلى غير رجعة.
وإذا أردنا أن نستعيد لهذه المؤتمرات أدوارها القومية والشعبية فيجب أن ترتفع بحماسها إلى المستويات التي تجعل من النضال والتضحية أساسا للحصول على التغيرات .
من الواضح أننا بحاجة إلى أن نقوم بتفعيل النظريين القومي الإسلامي والديني، وأن نطور بالمفاهيم القديمة لكل من هاتين النظريتين بما يتفق مع الأصل التاريخي والمعاصرة وأن اختيار نماذج والتجارب لا يعني الخروج على الاصل الذي تكون هذه النماذج قد خرجت منه.
ان انفتاح القومي الإسلامي على الإسلامي والعكس انفتاح الإسلامي على القومي ، وإظهار مفاهيم كل منها بما يكون الهدف منه الحوار القومي البناء والتاريخي توصلاً إلى توحيد المسائل الغير المختلف عليها التي تتأصل في كثير من المبادئ الديمقراطية والإنسانية كخطوة أول نحو إظهار العناصر المختلفة عليها والحوار حولها بقصد التقريب بالمفاهيم وإيصال هذه المفاهيم من بعضها .
لقد ضاعت فرص وزمن طويل عجز خلالها الجيل القومي من طرق باب الحوار فيها ومن حولها وآن لنا ان لا نختلف حولها من جديد وقد كنا نتغنى بالقومية العربية والوحدة . فهلموا أيها الرفاق لنضع اليد على الجرح ، ونبدأ بالتضميد دون خجل او هوان ، فإن الأمم التي تصاب بنكسات يمكن أن تتغلب على المطبات التي تكون قد وقعت فيها وتعثرت في تقديرها تجنبا للوقوع فيها. إن الاستيقاظ والصحوة وتقديم القضية طاهرة نقية بمحتواها القومي الذي يتم اختياره من التجمعات الوطنية ومن مختلف فئات المجتمع سيكون أعظم هوية قومية يقدمها جيلنا إلى من بعده للتأكيد على أن عزيمة الأمة ما لانت وهي قادرة على متابعة المشوار .
فإذا صحونا من نومنا ولم يكن قد بدأنا الحوار بعد فسنجد أن قاطرة الزمان قد أفلتت من أيدينا وأصبحت بأيدي غيرنا فكراً وقيادة وتوجيهاً ، ولا ندري ما سيحل فيها أو وفي محتواها .
وإن أثمن هدية نقدمها للأجيال التي تأتي من بعدنا بحيث أن العقيدة القومية هو هذا الحوار والهدف منه ان تساهم فيه الأجيال القادمة بمختلف أشكال المساهمة . إن الأجيال محبطة وعلينا أن نسترد لها العافية وما لا يتم ذلك فإن التاريخ سوف يسجل على جيلنا أنه جيل الكوارث والنكبات . وتفضلوا أيها السادة بقبول فائق الاحترام. « محمود الجيوش . انتهت المداخلة . و هنا حقيقةً ما طرحته المداخلة هام و لا زال له امتداد إلى الآن من حيث التأكيد على ما يلي:
١- العلاقة الجدلية بين القومي و الديني و حتمية انفتاح العلاقة بينهما.
٢-تراجع الحركة القومية و أهمية التلاقي و الرؤية الحداثية القائمة على التحليل .
٣-الثقافة العقائدية في صياغة النظرية السياسية.
٤- الاستناد على المبادئ الديمقراطية و الإنسانية في الحوار بين التيارات المختلفة و تقريب وجهات النظر و احترام التنوع.
٥- الهوية القومية ،مستقبل الأمة، والإرث المحتمل للأجيال القادمة.
عمي و أستاذي محمود الجيوش جاء من جيلٍ تعود فيه قيمه و فلسفة عمله الوطني إلى مبدأٍ مؤداه ان الحوار بين الأطياف السياسية على تنوعه هو ضرورة وطنية ، ناهيك عن أهمية الحوار الديمقراطي بين الديني و القومي. وان السياسة مسؤولية عامة يجب ان ترتكز على الكرامة الإنسانية والمساواة والحرية والعدالة واحترام حقوق الإنسان .
اسبوع سعيد لكم جميعاً . شاكرةً اهتمامكم و قرائتكم و املاً أن يكون الغد مختلفاً للأجيال التالية ، أن يكون غداً ديمقراطياً و انسانياً بعيداً عن الطغيان .














