بقلم: هناء الرملي
في صباح سبتمبر الماطر في مونتريال، دخل سامي إلى مدرسته الثانوية في مونتريال وهو يضع يده في جيبه كما يفعل كل يوم. لكن هذه المرة، لم يخرج هاتفه ليُلقِي تحية سريعة على أصدقائه عبر الرسائل. بدلاً من ذلك، سار مباشرة إلى خزانته، فتح الباب الصغير، ووضع الهاتف في الداخل كما لو كان يودع صديقًا قديمًا ليوم طويل.
كان ذلك اليوم هو الأول في تطبيق قرار جديد هز أروقة المدارس في مقاطعة كيبيك: حظر شامل للهواتف من أول جرس إلى آخره، حتى في فترات الاستراحة والغداء. كان القرار تحولًا في إيقاع اليوم الدراسي بأكمله.
الممرات التي عادت للحياة
في الأسابيع الأولى، لاحظ المعلمون شيئًا غريبًا: الممرات التي كانت صامتة، عادت تعج بالضحكات والأحاديث المباشرة. في ساحة المدرسة، لم يعد الطلاب جالسين في زوايا منعزلة، كل طالب ينظر إلى شاشته، بل شكّلوا دوائر كبيرة يتبادلون فيها القصص والنكات.
إحدى المعلمات تقول: «في الماضي، كنا نطلب من الطلاب إغلاق هواتفهم خمس مرات في الحصة. اليوم، نبدأ الدرس والهواتف في الخزائن، والتركيز واضح على الوجوه، لا على الشاشات”.
لكن… هل الجميع موافق؟
لم يتبنى كل الطلاب الفكرة بحماس. في إحدى المدارس الثانوية، همس طالب لصديقه: «أعتقد أنهم سيستخدمونها في الخفاء، في دورات المياه مثلًا». كانت هذه المخاوف حقيقية، وبعض التقارير أشارت إلى أن الطلاب قد يجدون طرقًا للالتفاف على الحظر إذا لم تكن هناك آلية تخزين واضحة ومراقبة.
لكن في المقابل، عبّر آخرون عن ارتياحهم. طالبة في الصف العاشر تقول: «في البداية شعرت بالقلق، لكنني اكتشفت أنني أتحدث أكثر مع صديقاتي، وأقرأ في أوقات الاستراحة بدلًا من التمرير اللانهائي”.
الأهل بين القبول والقلق
في المنازل، كان الحديث مختلفًا بعض الشيء. بعض الأهالي شعروا بالارتياح لأن أطفالهم سيعودون إلى البيت بمزاج أفضل ووقت نوم أبكر. لكن آخرين تساءلوا: «كيف سنتواصل معهم في الحالات الطارئة؟”.
الحل كان بسيطًا: المدارس وفرت أرقامًا مباشرة لمكاتب الإدارة، وشرحت للأهل أن الهاتف ليس الوسيلة الوحيدة للتواصل في الحالات الاستثنائية. كما شجّعت المدارس على استخدام ساعات ذكية بدون شاشة أو هواتف «مقيدة» للاتصال بأرقام محددة فقط.
كيبيك تقود الموجة
لم تكن كيبيك وحدها في هذا التحول، لكنها ذهبت إلى أقصى حد. بينما طبّقت مقاطعات أخرى حظرًا جزئيًا أو مرحليًا، قرّرت كيبيك أن الحظر يجب أن يكون شاملًا: لا هواتف، لا سماعات، ولا حتى ساعات ذكية ذات وظائف اتصال داخل أسوار المدرسة.
الهدف لم يكن معاقبة الطلاب، بل إعادة اكتشاف شيء بسيط فقدناه: القدرة على النظر في عيون من أمامنا، لا في شاشاتنا.
نهاية اليوم
عندما دق الجرس الأخير، فتح سامي خزانته وأخرج هاتفه. نظر إلى الشاشة للحظة، ثم وضعه في جيبه وخرج ليلاقي أمه التي كانت تنتظره عند البوابة. في الطريق إلى المنزل، سألته عن يومه. هذه المرة، لم ينشغل بالرد على رسالة عاجلة. رفع رأسه، ابتسم، وقال: «كان مختلفًا… لكن بشكل جيد”.
ربما هذا هو الدرس الأكبر الذي تعلمته المدارس هذا العام: عندما تصمت الهواتف، تبدأ القصص الحقيقية.














