بقلم: عادل عطية
من الذي يربي بعض الناس على أن تُدين الآخرين مرتين: مرةً على ما لا تراه فيهم لأنه مستور عن الأعين، ومرةً أخرى على ما تراه خلافًا لما هو عليه في الحقيقة؟
في الحالة الأولى، تغتصب سلطة الله بالحكم على ما خفي في القلوب. وفي الثانية، ترتكب خطيئة الكذب والتجني على الحقيقة، حين تنسب إلى الناس صفات ليست فيهم.
يحكمون على الآخر بأن روحه دنسة، وأن مصيره إلى الجحيم. ويتهمونه كذلك بقذارة الجسد، مع أن هذا الآخر يعيش بينهم: في مجتمعهم، وفي شوارعهم، وفي أماكن سكنهم وأعمالهم.
من الذي يربي هؤلاء على المضي نحو أقصى درجات التطرف، حتى تصبح محبة الآخر فضيلة سامقة يفتقدونها؟
ومن الذي يربيهم على أن يقتلوا من يختلف عنهم في الدين أو المعتقد، بمختلف صور القتل وأشكاله؟
لقد حدثتنا الأخبار عن من عاشوا في الجاهلية؛ فكان منهم من ألف الحرب والقتال، حتى إذا لم يجد عدوًا يحاربه، حارب أخاه. ولذلك قال قائلهم: “وأحيانًا على بكرٍ أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا”.
إن سيول الألم التي تنهمر على قلوبنا تنبت مرارةً وأسئلةً حائرة، فنقضي أوقاتًا طويلة نفتش في ذاكرة التاريخ بحثًا عن إجابات موجعة.
ومع ذلك، لا بأس أن نستمر في المحاولة.
ثمة حادثة قد تكشف جانبًا من سر النفوس التي تطبعها الأنانية والبغض والعنف. ففي الوليمة التي أُقيمت بمناسبة فطام إسحاق، سخر إسماعيل من أخيه الأصغر. وكأن الجرح الإنساني القديم ظل يتناسل عبر الأجيال، حتى أصبحت قصص الصراع والكراهية تتكرر بأشكال مختلفة.
إن هذه الجراحات التاريخية تذكرنا بأن العنف كثيرًا ما يولد من الشعور بالتهديد، أو الغيرة، أو الرغبة في إقصاء الآخر، وأن الإنسان قد يحوّل اختلافه مع غيره إلى خصومة، ثم إلى عداوة، ثم إلى عنف.
ويبقى السؤال الأهم: هل نيأس من مواجهة هذا الواقع؟
أم نؤمن بأن المحبة الأخوية قادرة على ردع العنف، وعلى تمكين الإنسان من الانتصار على أنانيته، وتجاوز خلافاته، وبناء جسور اللقاء بين أبناء الأسرة الإنسانية الواحدة؟
لعل الشيء الوحيد القادر على قهر الشر المتراكم في القلوب هو محبة الله؛ تلك المحبة الجذرية، الثورية، والمعدية، التي تفتح للإنسان أفقًا جديدًا يرى فيه الآخر أخًا لا خصمًا، وشريكًا في الإنسانية لا عدوًا يجب إقصاؤه.










