بقلم: د. خالد التوزاني
إن اختيار كثير من الدول العربية، ومنها المغرب، سياسة الانفتاح وتبني توجهاً ديمقراطياً، مدعوماً بانتشار الإنترنت والهواتف الذكية، قد وضع الشباب العربي في قلب ثورة رقمية غير مسبوقة. وخاصة بعد جائحة كورونا، هذه التحولات كان لها تأثير واضح في لغة التواصل اليومية، فقد أصبحت المنصات الرقمية تجمع بين أشكال متعددة من اللغات، حيث تخلق مزيجاً من العامية والعربية الفصحى واللغات الأخرى، غير أن ذلك لا يعني فقدان الهوية العربية، بل على العكس استفاد الشباب العربي من الثورة الرقمية في إحياء رموز الثقافة التراثية، فنجد بعض الكلمات العربية تنتشر انتشاراً واسعاً، مثل كلمات اللباس أو الطبخ والمناسبات: القفطان، والطاجين، والكسكس.. وفي الوقت نفسه نجد تبني كلمات جديدة وإدخالها إلى حيز التداول العربي وخاصة في أوساط الشباب، مثل كلمات: أون لاين، وبودكاست، وتيك توك..
وهذا الجمع بين الأصالة والمعاصرة هو أحد تجليات اندماج الشباب في عصر الرقمنة، حيث يملكون القدرة على التكيف مع مختلف الظروف والمستجدات، دون فقدان الهوية والانتماء، وفي الوقت نفسه مع الانخراط في الحداثة والعصرنة، ودون أي إحساس بالنقص أو الحرج من المزاوجة بين اللغة العربية وبين اللغات العالمية، فنجد مثلا بعد الكلمات العربية تُكتب بالحروف الأجنبية، ونجد استخدام كلمات باللغة الأجنبية تُكتب بحروف عربية، مثلا “لايك” عوض كلمة “إعجاب”، وهكذا، هناك تأثير طبيعي لمواقع التواصل الاجتماعي على لغة الشباب، لكنه لا يهدد الهوية بقدر ما يجعلها هوية قادرة على ولوج العالمية، بدليل قدرة الكثير من الشباب على توظيف لغة عربية سليمة في كتاباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، في حين يختار البعض منهم اللغة الدارجة أو العامية ويعبر بها بإبداع وتفنن، وهناك فئة ثالثة تختار اللغات الأجنبية في التعبير، أو تجمع بين أكثر من لغة، وكل ذلك يعكس مرونة الشخصية المغربية وتركيزها على وظائف اللغة، وعلى رأسها وظيفتي الإبلاغ والتواصل، وهناك أيضا اليوم استخدام واسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي بين صفوف الشباب، ما أتاح لهم التمكن من القدرة على التعبير بصورة مدهشة، حيث يمكن للشباب العربي اليوم أن يكتب أي نص بأي لغة يريد وبكفاءة عالية..
ويبقى السؤال الذي يؤرق أهل التربية والتعليم وحماة الهوية، هل هذه التغيرات طبيعية أم خطر على الهوية؟
إن التغييرات التي تقع حاليا في لغة الشباب العربي تعد طبيعية وضرورة حضارية، لأن العرب اليوم لا يتواصلون مع بعضهم البعض فقط، وإنما استطاعوا خلق جسور من لقاء الثقافات مع حضارات أخرى من أقصى الشرق والغرب، حيث تعد المنصات الرقمية فضاءً للشباب العربي للتواصل وللتعريف بثقافة العرب وتاريخهم، سواء عبر المحتوى المحلي (مثل التراث الشعبي) أو عبر الانفتاح على ثقافات عالمية. هذا التفاعل يُنتج هوية تزاوج بين الأصالة والتجديد، أي أنها تعترف بالجديد الوافد دون التخلي عن الثوابت والأصول.
من المؤكد أن التغيّر اللغوي والثقافي سُنّة طبيعية، خاصة في عصر الرقمنة، لكنه يحتاج إلى توجيه لضمان ألا يؤدي إلى قطيعة مع الجذور، والإشكالية ليست في التغيير نفسه، بل في التوازن بين الأصالة والانفتاح، ولذلك أعتقد أنه ينبغي التمييز بين التطور الطبيعي للغة والهوية، وبين التغريب والاستلاب المفرط الذي يُفقد الهوية خصوصيتها وفرادتها.
وما يبعث على بعض التفاؤل هو أن كثيراً من الشباب العربي اليوم يعبرون عن اعتزازهم الكبير باللغة العربية، إلى جانب اللهجات المحلية في كثير من الدول وخاصة في شمال إفريقيا، حيث تسود اللغة العربية، وتعد لغة وطنية إلى جانب العربية في المغرب، أما اللغة العامية أو الدارجة فهي لغة التواصل اليومي التي توحد الشعوب لأنها مزيج عدة لغات محلية وعالمية، وتعبر عن نوع من الانفتاح على الثقافات وقدرة الشعوب على التفاعل مع الآخر، وهو شكل من أشكال الذكاء الجماعي في ترسيخ هوية موحدة ومتعددة الروافد لها تجليات في اللغة واللباس والطبخ والمناسبات والعادات والتقاليد.. تختار الانفتاح في سياق يفرض الانفتاح دون أي شعور بالنقص، وتختار الأصالة في سياق يفرض التعبير عن تمغربيت بفخر واعتزاز.
في ظل الثورة الرقمية التي يعيشها الوطن العربي، أصبح لزاماً على المؤسسات التعليمية والثقافية أن تلعب دوراً استباقياً وليس مجرد رد فعل، من خلال سياسات عملية تعترف بتحولات العصر دون التضحية بالهوية، تنمي تعليم اللغات العالمية، وفي الوقت نفسه تعمل على تعزيز حضور الثقافة المحلية في شخصية الشباب العربي، ويمكن أن يتحقق ذلك وفق عدة مداخل، منها؛ إدماج التربية الرقمية في المناهج الدراسية والمقررات التعليمية، مع الاهتمام بتقوية الوعي النقدي تجاه المحتوى الرقمي وتحليل الخطاب، وخلق أندية رقمية بالمدارس والجامعات لتشجيع التلاميذ والطلبة على إنتاج محتوى رقمي بالأمازيغية والعربية الفصحى أو الدارجة سواء فيديوهات أو بودكاست، وإبداع مبادرات جديدة لربط استخدام الانترنيت بالهوية المحلية ومنها التعدد اللغوي في بعض البلدان العربية الذي يمثل انعكاساً لخيار التواصل دون التفريط في الأصول أي الأمازيغية والعربية.
أما المؤسسات الثقافية فينبغي أن تعزز من استخدام الانترنيت من خلال العمل على رقمنة التراث المغربية وإعادة إبرازه بأشكال جديدة معاصرة تجعله منتوجا عالمياً، مثل الموروث الشعبي كالحكايات المغربية الشعبية والأغنية المغربية ومظاهر الاحتفال بالمناسبات والقيم الأصيلة مثل التضامن والتراحم والتعاون والوحدة والكرم.. بحيث يتم التعبير عن هذه الهوية بلغات متعددة، ومنها اللغات الوطنية الرسمية، قبل الانفتاح على اللغات العالمية، وجعل الشباب العربي في صلب هذه المبادرات.
وبالطبع إلى جانب المؤسسات الثقافية هناك الإعلام الذي يقوم بوظيفة مهمة في هذا السياق، لأنه يتأسس على اللغة والتواصل، ومن ثم فإن حضور الهوية في برامج الإعلام العربي ولغاته، هو حضور بارز ويتزايد وخاصة بعد جائحة كورونا، هناك عودة قوية للمحلي وإحياء للأصالة، بما فيها اللغة المغربية، والتي أصبحت تفرض نفسها في كثير من المحافل الدولية، من قبل الشباب العربي، وهو ما يعكس أهمية الوعي بالهوية، والذي نجد له صدى واسعاً في مختلف أشكال الإنتاج الإعلامي سواء المسلسلات بالدارجة أو العامية واختيار مواضيع من صلب التراث والأصالة العربية المحلية، أو في الأفلاح والوثائقيات..
وانخراط الشباب العربي في تعزيز هويته اللغوية يتجلى كذلك في بعض المبادرات التي تقودها جمعيات المجتمع المدني، وبذلك يتحول الشباب إلى سفراء حقيقيين للترويج للثقافة العربية، (مثل #هاشتاغ “أنا عربي وبافتخر”).














