الأديبة والباحثة : إخلاص فرنسيس
كلما داعبت الريح خلخالي خلعت عنّي عباءة الحروف، وأرتدي فقاعات الصابون، أهرع صوب الفناء الخارجي نحو جدار أبكم اشتكي له غيابك المتزامن مع فترات انتفاضة جسدي، ألمس ورقة توت كانت تغطّي عري حواء، وأقصف ورقة التين التي تستر بها خطاياك، وما إن تهبّ ريح الشرق حتى يذبل الجو، ويتعطّر بالغبار، تيبس أوراق المآزر على عيونهم، وتتساقط مثل نفناف رماد الحرائق، يقف على السور الغراب، ينعق بخبر احتراق الزيتون في مناقير الحمام، وغرق أحلامنا بطوفان العمر، تحترق حقيبة السفر التي أعددتها ليوم زفاف أختي الصغيرة، يتراكم الرماد الأصفر حول مساحات الليل، حيث شقّ ثوب الفجر، وتسلّل من صندوق الأسرار بعد أن كسرت أمّي القفل في غياب أبي، وطارت السنوات التي حشرها مع لفافات التبغ وجهاز راديو صغير كان يبثّ أخبار مَن ماتوا على الجبهة، أغلق أخي النافذة المطلّة على شرفة الحقول حيث كانت الغنيمات القليلة تمسد الربيع، وتتبع راعيًا أعمى يتعكّز على صوت الناي، أختي تمشّط شعرها الفاحم أمام المرآة، تتأمّل الدراق النامي على خدّيها، والنور الذي يفيض من بين جفنيها، سقطت قذيفة ماتت المرآة، ونجت أختي بأعجوبة، تكسّرت أغصان الكرمة المعرّشة على سطح منزلنا، وسال العنب في البئر، غرفت منه لأغتسل بثمل النهار، وراحت الشمس ترقص مع موج السنابل في المرج، صفراء خريفية كنت في عمر السنة الخامسة للحرب، تخرّجت وفي يدي بندقية، وفي حقيبتي سكين بدل قلم الحمرة، أعطيت مكحلتي للريح، وعدت ألملم بقايا النوافذ والجدران المحطّمة، اجتمع حولي الجيران، كان السرير شديد البياض والبرودة، وكانت الورود بغير موسمها بيضاء وحمراء. تخشّبت قدماي وأوجعتاني، أردت أن أخرج من جديد أقبّل أوراق الليمون، وأعيد ترتيب أوراق التوت والتين، ولكن أغلقت عليّ برودة السرير، ويداي تنامان على صدري، سمعت صراخ أمّي، ورأيت وجه طفولتي، والتمعت صور وصور. صرخت، فلم يبرح صوتي حنجرتي، صرخت بأعلى صوت، رجوت أن تكفّ أمّي عن النحيب، حضنت أختي وجه أمّي النائم على جسدي، وشعرها الأسود لصق بفمي، ودخلت رائحة عطرها أنفي، تحرّك الموكب، كنت أراهم فوق الأكتاف يرفعون الصندوق الخشبي الأبيض المزيّن بالورد، يرقصون تارة، وتارة يسيرون بصمت، صرخت، وصرخت إلى أن أنهكني الطيران، وابتلعني الغيم، والمسافة تبتلع أمّي، رفشوا التراب، اتّسخ الصندوق الأبيض، رجل بعقدة سوداء وفي يده كتاب يقرأ منه، ويرشّ التراب، اتّسخ الصندوق أكثر، لا أحبّ رائحة التراب، فالحياة تملأ صدري .














