بقلم: لمياء موسى
كان صوت صياح جدتها يكاد يصل إليها كل يوم بعد الظهيرة في فصل الصيف، وهي هائمة على وجهها، لا ترى من العالم سوى أجنحة ملونة ترفرف أمام عينيها. لكنه أحيانًا كان يضيع في فضاء الحقول الواسعة.
«تعالي يا ابنتي… كفاكِ ركضًا، فالشمس ستتعبك. الطعام جاهز.»
كانت الفراشات عالمها السحري. فما إن تقع عيناها على واحدة منها حتى تنسى الزمان والمكان، وتنطلق خلفها بقلب مفعم بالفرح، تحاول الإمساك بها واحدة تلو الأخرى، ثم تخبئها في جيبها الكبير، وكأنها تجمع كنوزًا نادرة.
هذه حمراء… كأنها قبس من شروق الشمس.
وتلك صفراء… كأنها زهرة طائرة.
وأخرى بنية… بلون الأرض.
تركض في كل اتجاه، لا تشعر بحرارة الشمس ولا بطول الطريق، حتى يوقظها صوت يأتي من خلفها:
«هلمي بسرعة… جدتك قالت لي ألا أعود إلا وأنت معي.»
تمد يدها إلى عمتها، بينما تبقى الأخرى ممسكة بجيبها المنتفخ بالفراشات، سعيدة بأنها استطاعت أن تأخذ معها من تحب إلى البيت.
تستقبلها الجدة بابتسامةٍ دافئة، ثم تقول مازحة:
«اذهبي وانظري في المرآة… لقد لوّحت الشمس وجهك.»
ثم تضيف وهي تضع الطعام أمامها:
«اغسلي يديكِ أولًا… وقولي لي، كم جمعتِ اليوم؟»
فتجيب بفخر:
«عشرًا يا جدتي.»
وبعد الغذاء، تحمل الجدة كوب الشاي إلى الڤرندة المطلة على مجرى مائي صغير، وتنظر إلى الفراشات المحبوسة في جيب حفيدتها، ثم تقول بحنان:
«أطلقي سراحها يا حبيبتي، ستموت. ألا تحبين أن تريها تطير وتلعب؟»
فتهز رأسها بعناد:
«لا يا جدتي، أحب أن تبقى معي… أحبها قريبة مني، في جيبي.»
تحاول الجدة مرةً بعد أخرى إقناعها، لكن دون جدوى. وفي النهاية تنهض إلى عملها، وتتركها مع فراشاتها.
تُخرج الفراشات واحدةً تلو الأخرى، تتأمل ألوانها، وتحدثها كأنها صديقاتها. تهمس إليها بأسرارها الصغيرة، وتبتسم في براءةٍ كاملة.
وقبل أن ينتهي النهار، تسكن الحركة في الجيب الصغير.
تتألم قليلًا، وما إن تغفو حتى ترسم في خيالها صباحًا جديدًا، تركض فيه خلف فراشات أكثر، وتملأ جيبها بكنوز جديدة.
وفي الصباح، تعيد الحكاية نفسها.
وفي أحد أيام الصيف، بعد سنوات طويلة، اجتاحت المدينة موجة حر خانقة، فخرجت تتمشى قليلًا بعدما خف وهج الشمس.
تسير بخطوات سريعة، وسماعات الهاتف في أذنيها، تستمع إلى أحد برامج البودكاست.
وفجأة،
رأت ثلاث فراشات تتراقص بين الأشجار، وفي لحظة اختفى العمر كله.
نزعت السماعتين وانطلقت تركض خلف إحداها، غير عابئة بالمارة ولا بنظراتهم المتعجبة، وانتقل الزمان وغابت عن المكان، حتى بدا صوت الجدة يصيح، وبحركةٍ عفوية، كأن يديها لم تنسيا ما تعلمتاه في طفولتها، استطاعت أن تمسك بإحدى الفراشات.
رفعتها بين كفيها برفق، وتأملت جناحيها الرقيقين، وغاصت في ألوانها الزاهية كأنها تستعيد شيئًا بعيدًا داخلها.
ثم همست لها:
«أنا أحبك.»
صمتت لحظة. ثم فتحت كفيها.
ارتفعت الفراشة في الهواء، وراحت ترقص بين الأشجار، بينما بقيت عيناها تتبعانها حتى غابت.
عادت إلى وعيها.
كانت الآن امرأة ناضجة. رحلت الجدة، ورحلت العمات، وغابت الحقول، وتغير الزمان والمكان والوجوه.
أما حبها للفراشات…
فلم يتغير أبدًا.
لكنها أدركت الآن أنها تحبهم أكثر.














