بقلم: درويش صباغ
وأنت تفكر بالخطوة التالية التي سوف تخطوها في مسيرة حياتك وأنت تعيش في هذه البقعة من الأرض لأكثر من خمس وستين عاماً تفاعلت فيها مع الناس ومع المجتمع ومع البيئة التي احتضنتك واستقبلتك وعشت فيها بسلام وبطمأنينة مع أهلها الذين يقيمون فيها منذ مئات وآلاف السنين وبت في هذا الوطن وكأنك في أحساسك الداخلي قد ولدت هناك ونشأت هناك وعشت تاريخاً لا يقل بامتداده وبجذوره عن تاريخ سكان تلك المنطقة من العالم . أنت الآن عليك أن تفكر بطريقة مختلفة وقد وصلت السكين إلي حدود العنق وبت في منطقة الحظر والحصار وعليك أن تقرر الأستسلام والهزيمة أو الفرار أمام جحافل المغول والتتار القادمين باثواب جديدة وبأيات قرآنية جديدة لم تكن تعرفها من قبل ولم تكن قد قرأتها في قرآنك من قبل ، وأنت سوف تكون مضطراً لحفظها ودراستها وكأنها وحي من السماء ونزلت على نبي جديد بعد آخر الأنبياء كما كنت قد تعلمت ودرست وحفظت . المشهد منذ البداية سوف يكون درامياً ومأساوياً إلي حدود الكفر وإلي تلك الحدود القصوى من ألم الذكريات وأنت تجترها وتعيدها وتحاول بطريقة ما أن تفهم لماذا .. لن تستطيع أن تصل إلي اي جواب إيجابي مقنع تستطيع به أن تسيطر على ذاتك وعلى تلك الأفكار والذكريات التي تحيط بك وتعيش معك منذ خمس وستين عاماً يوم أن اضطررت أن تغادر بيتك في فلسطين تاركاً خلفك كل ما كان يخصك من متاع الدنيا واختصرت كل أمور الدنيا آنذاك بمفتاح بيتك الذي مازلت تحتفظ به حتى الآن على أمل العودة يوما ما إلي ذلك البيت . وأنت آنذاك غادرت بيتك في فلسطين بأمر من دولة إسرائيلية برعاية مجموعة من دول لها مصالح بكل هذا على حساب مواطنين سوف يغادرون بيوتهم ويتركونها لأغراب لا علاقة لهم بدولة فلسطين ولم يولدوا على أرضها بل أنهم لا يعرفون لغة أهلها وسكانها الأصليين الذين ولدوا وترعرعوا فيها آلاف السنين. سوف يغادر الفلسطيني أرضه وبيته بأمر صهيوني يختلف عنك في الدين واللغة والايديولوجيا ، وسوف يلجأ إلي إحدى دول الجوار ليتابع بقايا حياته على الإعانات والإهانات وحزمة من الممنوعات وكأن ما بدأته اسرائيل تكمله الآن دول الجوار وقد التجأ إليها ذلك الفلسطيني التائه … وتشاء الظروف أن تعبر أنت إلي الجوار السوري لتبدأ من هناك مسيرة حياتية جديدة دون أن يناديك الحنين إلي فلسطين التي غادرتها على أمل العودة . غادرت فلسطين بأمر من الدولة الإسرائيلية التي مارست بعض اصناف القتل والأغتيالات والأرهاب والقتل لتعجل بمغادرتك ولكن تلك الدولة الصهيونية لم تسبي النساء ولم تفرض الفتيات الفلسطينيات للبيع بسوق النخاسة وإسرائيل كانت تستطيع ذلك ، الآن وأنت في موقف لا تحسد عليه وعليك إختيار القرار بالفرار قبل أن تطبق الكماشة على عنقك فأنت الآن بين مطرقة النظام الذي تعرفه جيداً وعشت في كنفه سنوات حتى الفته وتعايشت معه وعشت بظله آمناً مطمئناً ترنو في ثوب من رغد العيش ، وبين سندان تتار قادمين من شتى أصقاع الأرض ليحققوا حلم دولة إسلامية على اشلاء الوطن السوري واستقرار هذا الوطن وتاريخه الضارب في جزور الإنسانية . هؤلاء التتار لن يرحموك وهم يمارسون العنف والتهجير بسادية وحقد ذاته الذي مارسته عصابات الصهاينة من قبل وبتقنية أكثر تطوراً وبعنف أكثر وحشية وباختطاف النساء والفتيات وعرضهن في سوق النخاسة ، هؤلاء التتار القادمين إلي الوطن السوري من مختلف دول العالم ليسقطوا النظام في سورية ، وبعد أكثر من أربع سنوات لم يسقط النظام وسقط الوطن . كان الثمن غالياً لاسقاط نظام فاهُجّرت ملايين المواطنين الآمنين المسالمين، وسرقت بيوتهم وممتلكاتهم وخطفت نساؤهم ومورس الظلم باقصى حدوده على مواطنين لا حول لهم ولا قوة . لم يسقط النظام وسقط الألوف من الضحايا الذين لا ذنب لهم ولا ناقة لهم فيها ولا جمل ، كأن هذه المسرحية الدرامية كانت بالأساس لهذه الرؤيا . تدمير الوطن ، تفتيت الأرض وتشريد سكان مقيمين منذ آلاف السنين . المسؤولون عن هذه المجموعات من التتار كانوا قبل ذلك قد أسقطوا أنظمة دول في مختلف دول العالم دون أن يتعرضوا للإنسان وللسكان وللمواطنين وللوطن. الآن تبدو الأمور أكثر وضوحاً . الأرض السورية بكل دولها هي التاريخ الضارب في أعماق الإنسانية منذ بدأ الإنسان السوري يخط الحرف الأول في أبجدية المعرفة والارتقاء والتطور نحو مفهوم العقل والعلم والابداع . المواطن السوري اجتاز مراحل صعبة في تاريخه حتى أستطاع أن يحقق ذاته وأن يعيش معادلة المواطنة مع كل ما يتبع ذلك من مسؤوليات وتبعات ونقاط أختلاف مع الآخر الذي هو جزء من الإنسانية العالمية التي يعيش فيها الوطن السوري ويسبح في ملكوتها . المرء بطبيعته عدو ما يجهل . العلم سلاح له اكثر من حد . العلم فضاء يغزوه المواطن ليحقق المستحيل وليصل إلي حدود المعرفة والأنطلاق . داعش والنصرة وكل الدول المساهمة في هذه الحرب القذرة انما هم مجموعة من جهلة لم يقرؤا التاريخ ولم يدركوا حدود المعرفة وأفاق الإنسانية الرحبة التي تتسع لكل المتناقضات وتطور كل العلاقات البشرية في بوتقة المودة والأحترام . هذا المفهوم ضيق الأفق لأنشاء ولايات وأختراع إمارات مذهبية وتصنيف الإنسان وأحتقار تاريخه وتهميش وجوده في حدود أرضه ووطنه وقد جاءت هذه المجموعات التترية وبرعاية ودعم من قوى متنفذة لتحقيق المعادلة الصعبة بإلغاء الوطن وسحق مكونات وتدمير لشعب ارتقى بفكره إلي حدود آلهة العلم والمعرفة . هذه المعادلة يراد تحقيقها على أرض لا علاقة لهم بها ولا تربطهم بها أي رابط أو علاقة أو دين ! أنهم بكل ما قاموا به في هذا الوطن يزرعون الريح وهم سوف يحصدون العاصفة . سوف تتغير المعادلات على الأرض كما في ذلك التاريخ الذي لم يقرؤوه ولم يصلوا إلي حدود المعرفة به .. رحل عن هذه الأرض هولاكو وجنكيز خان وتيمور لنك، وإذا كانت هذه الدواعش والنصرة وغيرها صورة كاريكاتورية مشوهة لكل من حاول أن يضرب هذا الوطن كما جاء في الأنبار وفي الكتب التي لم يقرؤها ولم يدرسوها بعد ، وكما ذهبت بهم عواصف من التحدي والإرادة وقوة شخصية ذلك المواطن وقد أدرك حدود لعبة الأهم التي شاءت الأقدار أن تكون في ملاعبنا . هي الهجرة الثانية خلال خمس وستين عاماً ، وهي مرة أخرى الوقوع في المجهول الذي لاأعرف حتى الآن ، مداه !









