بقلم / مسعود معلوف
سفير متقاعد
تتباهى الولايات المتحدة بأنها من أكثر دول العالم تطبيقاً للمبادئ الديمقراطية، وأنها دولة القانون والنظام بامتياز، وتحترم الحريات العامة ولا سيما حرية الإعلام، وهذه الأمور كانت الى حد ما صحيحة نسبياً، ولكن تغير الكثير منها مع دخول دونالد ترامب عالم السياسة وترشحه للرئاسة في الحملة الإنتخابية للعام 2016.
بعد فوز ترامب في تلك الإنتخابات ودخوله البيت الأبيض في مطلع عام 2017، بدأ يتصرف خارج القوانين والأنظمة والأعراف المتبعة، معتبراً نفسه صاحب السلدة المطلقة، سواء في التعيينات الإدارية أو حتى في تعيين قضاة المحكمة العليا التي أصبح ستة من أعضائها التسعة من أتباع الحزب الجمهوري الذي هو حزب الرئيس ترامب، لدرجة أن هذه المحكمة، في عدد غير قليل من القضايا التي عُرِضت عليها، اتخذت قرارات استناداً الى خلفية سياسية أكثر منها دستورية أو قانونية.
وعندما ترشح ترامب مجدداً في العام 2020 ولم يتمكن من الفوز في ولاية ثانية، ما كان منه إلا أن قام بتوجيه اتهامات علنية متكررة بحصول تزوير بشكل واسع جداً في العملية الإمتخابية ما أدى الى فوز خصمه الرئيس جو بايدن، هذا مع العلم أن حملته الإنتخابية تقدمت بشكاوى الى حوالى ستين محكمة في ولايات مختلفة، ومعظم قضاة هذه المحاكم كانوا ممن عينهم ترامب بنفسه في ولايته الأولى، ولم يصدر أي حكم يفيد أن تزويراً من شأنه أن يغير نتائج الإنتخابات قد حصل.
وما زال الرئيس ترامب يدعي، دون أي دليل، انه هو الفائز في انتتخابات عام 2020 لولا التزوير الذي حصل على نطاق واسع. ولا شك أن مجرد صدور مثل هذه التصاريح عن البيت الأبيض وعن مسؤؤلين أميركيين يحتلون مراكز عالية في الإدارة، يؤثر سلباً على مصداقية الولايات المتحدة عالمياً، ويُظهِرها كأنها إحدى دول العالم الثالث الخاضعة للحكم الديكتاتوري
والتي يتم فيها تزوير الإنتخابات باستمرار، علماً أن هذا الواقع لا ينطبق فعلياً على الولايات المتحدة.
ولكن التراجع الكبير في مصداقية الولايات المتحدة عالمياً ازداد بشكل واضح منذ بداية الولاية الثانية للرئيس ترامب في مطلع العام 2025. فقد بدأ ترامب ممارسة الحكم بتعيين وزراء ومديرين عامين فقط من بين الذين يؤيدون الرئيس دون أي تردد ودون أية حدود وعليهم ان يعلنوا أن انتخابات عام 2020 فاز فيها الرئيس ترامب ولكن التزوير الذي حصل أدى الى نتيجة عكسية.
حسب الدستور الأميركي، يعين الرئيس الوزراء والمدراء العامين وكبار الموظفين ولكن هذا التعيين لا يصبح نافذاً إلا بعد موافقة مجلس الشيوخ. وبما أن الحزب الجمهوري يتمتع بالأكثرية في هذا المجلس منذ الإنتخابات التشريعية الأخيرة، فإن الموافقة على هذه التعيينات تحصل بسهولة. ولكنبعض الصعوبات حصلت أخيراً عند تعيين الرئيس ترامب لمحاميه السابق تود بلانش في مركز وزير العدل بعد أن عزل ترامب وزيرة العدل السابقة بام بوندي لأنها ترددت في قبول الإدعاء على بعض أخصام ترامب لعدم وجود أدلة واضحة ضدهم. لقد أعرب عدد قليل من أعضاء الحزب الجمهوري عن عدم قبولهم بهذا التعيين واستعدادهم للتصويت، ضده علماً أن جميع أعضاء الحزب الديمقراطي أعلنوا رفضهم لهذا التعيين لقناعتهم بأن وزير العدل سيصبح بمثابة موظف عند ترامب. لذلك مورست ضغوط كبرى من قبل البيت الأبيضعلى أعضاء مجلس الشيوخ من الحزب الجمهوري الذين سبق أن أعلنوا عدم تأييدهم لهذا التعيين، وبعد هذه الضغوط، قبل بعضهم بقرار الرئيس وتمت الموافقة على تعيين تود بلانش وزيراً للعدل ولكن بأكثرية ضئيلة جداً.
ومن الأمور الأخرى التي تقلل من المصداقية الأميركية في العالم بعض التصرفات من قبل الرئيس ترامب خاصة في ولايته الثانية مثل استعمال القضاء للإنتقام من أخصامه السياسيين وتلفيق الإتهامات بحق هؤلاء الأخصام والطلب، غير المعلن طبعاً، من وزارة العدل ترتيب ملفات عن هؤلاء الأشخاص، وفي أفضل الحالات، إن لم يتمكن القضاء من إثبات الإتهامات ومعاقبة هؤلاء الأخصام، فإن هذه المحاكمات تؤدي الى تكبيدهم مبالغ طائلة كأجرة المحامين التي هي مكلفة للغاية، وبذلك يستطيع الرئيس ترامب الإنتقام من هؤلاء الأشخاص حتى لو لم يتم صدور قرارات قضائية بحقهم.
ولكن ما أدى أكثر وأكثر الى هبوط مصداقية الولايات المتحدة في العالم كان طريقة دخول ترامب الحرب الى جانب إسرائيل ضد إيران منذ بضعة أشهر. لقد اتهم بصورة علنية عدد غير قليل من أعضاء الكونغرس من الحزب الديمقراطي الرئيس ترامب بأنه انصاع لضغوط من قبل رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو للمشاركة في هذه الحرب موضحين أن نتنياهو أقنع ترامب بأن الولايات المتحدة تستطيع أن تفعل ما فعلته في فنزويلا قبل فترة قصيرة وتحقيق انتصار سريع يمكن أن يوظفه الرئيس ترامب في الإنتخابات التشريعية النصفية التي ستجري في مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر القادم.
قبِل ترامب مشاركة إسرائيل في هذه الحرب دون أن يكون عنده أهداف واضحة إذ بدأ عند إعلان الحرب التي سماها عملية عسكرية أو حتى “نزهة” لن تدوم أكثر من أربعة إلى ستة أسابيع، بدأ بدعوة الشعب الإيراني الى التحرك ضد الحكام واستلام السلطة، ثم تحدث عن أهداف أخرى مثل القضاء على قدرات إيران النووية وعلى القواعد الصاروخية، وعلى عدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي، وغير ذلك من الأمور التي كانت تتغير باستمرار. وكم مرة قال انه تمكن من تغيير النظام في إيران بالرغم من معرفة الجميع بأن النظام مازال قائماً بالرغم من مقتل كبار القادة الإيرانيين في بداية العمليات العسكرية.
ومنذ بداية هذه الحرب حتى الآن، كرر ترامب مرات عديدة ان الولايات المتحدة قضت بالكامل على السلاح الجوي الإيراني، وعلى البحرية الإيرانية، وعلى الرادارات والمنشآت النووية والصواريخ الباليستية، ولكن تحركات إيران على الأرض أثبتت عكس ذلك إذ ما زالت الدولة الإسلامية تُظهِر قدرات عسكرية قوية ضد القواعد الأميركية في دول الخليجج وصولاً الى الأردن، وما زالت تفرض شروطاً على الولايات المتحدة للعودة الى طاولة المفاوضات والبحث في بنود مذكرة التفاهم التي وقعها كل من الرئيس الأميركي والرئيس الإيراني ولكنه توقف العمل بها عند عودة الولايات المتحدة الى تنفيذ عمليات عسكرية ضد إيران.
ليست التصاريح المتضاربة وغير المرتبطة بالواقع هي وحدها التي زادت من الإنتقاص في مصداقية الولايات المتحدة بل إن انجرار الدولة العظمى وراء إسرائيل للقيام بهذه الحرب التي لم تصل الى أية نتيجة بعد تكاليف زادت عن مائة مليار دولار حتى الآن، ومقتل ثمانية عشر عنصراً من القوات المسلحة الأميركية، هي ما جعل الولايات المتحدة تخسر الكثير مما كانت تتمتع به من احترام في علاقاتها الدولية خاصة مع أقرب الحلفاء في أوروبا.
يضاف الى كل ذلك طريقة تعاطي إدارة الرئيس ترامب مع الدول المجاورة للولايات المتحدة والمتحالفة معها مثل كندا والمكسيك، حيث بدأ ولايته الثانية بفرض رسوم جمركية على هاتين الدولتين وكذلك على الحلفاء الأوروبيين مما أدى الى نوع من الجفاء من قبل هذه الدول مع الحليف التاريخي الأميركي، كما ان استمرار ترامب في توجيه انتقادات علنية لأسلافه مثل جو بايدن وباراك أوباما دون أسباب وجيهة ساهم أيضاً في انتقاص المصداقية الأميركية.
لقد أصبحت الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب بعيدة جداً عن الديمقراطية حيث يتصرف ترامب بطريقة ديكتاتورية الى حد ما، ولا يعير الدستور والقوانين أي اهتمام إذ بدأ الحرب على إيران دون أخذ موافقة الكونغرس وفق ما تقتضيه المادة الأملى من الدستور، كما أنه خالف قانوناً صادراً عام 1973 يقتضي الرجوع الى الكونغرس بعد ستين يوماً من بدء الحرب، مدعياً ان اتفاق وقف إطلاق النار يعني أن الحرب غير قائمة.
ومع أن الدستور الأميركي لا يسمح بأكثر من ولايتين للرئيس، فإن ترامب لا يتورع ل=عن التلميح برغبته بالترشح لولاية ثالثة، وهذا ما يودي الى المزيد من قلة المصداقية للولايات المتحدة خاصة وأنه حتى الآن لم يبرز زعيم في الحزب الديمقراطي من المحتمل ان يتسلم الرئاسة بعد ترامب ويستعيد بعض المصداقية التي فقدتها الولايات المتحدة في العقد الأخير من الزمن.














