صنّاع مجد لبنان – الحلقة الثانية
الرسالة الكندية: تحقيق منى حسن
من قيادة الأمن العام إلى الوساطات الوطنية والدولية… مسيرة رجل أمن حمل ملفات لبنان إلى طاولة التفاوض
الرسالة الكندية -,مديرة مكتب لبنان -منى حسن في تاريخ الدول، هناك مسؤولون تنتهي أدوارهم بانتهاء مناصبهم، وهناك شخصيات تتحول التجربة التي راكمتها إلى جزء من ذاكرة الدولة نفسها. واشراقة شمس واعدة المستقبل .
وفي الحلقة الثانية من سلسلة «صنّاع مجد لبنان»، يتوقف «بيروت تايمز» عند تجربة اللواء عباس إبراهيم، الذي تولّى قيادة المديرية العامة للأمن العام بين 18 تموز 2011 و2 آذار 2023، في واحدة من أكثر المراحل حساسية واضطراباً في تاريخ لبنان الحديث.
اثنا عشر عاماً لم تكن مجرد فترة زمنية في قيادة مؤسسة أمنية، بل مرحلة تداخلت فيها ملفات الإرهاب والنزوح والحدود والمخطوفين والموقوفين والأزمات الإقليمية والعلاقات العربية والدولية، بالتوازي مع عملية تحديث إداري وتقني واسعة داخل المديرية.
وقد وصفت مجلة «الأمن العام»، في عددها الصادر مع انتهاء ولايته، التجربة بأنها «12 عاماً من الولاية المسؤولة»، مشيرة إلى الخطط الخمسية والرؤية الإدارية والأمنية والإنسانية التي رافقت تلك المرحلة.
لكن قراءة تجربة عباس إبراهيم لا تختصر في وصف مؤسسة أمنية أو تعداد إنجازات إدارية؛ فالأبرز في مسيرته أن الملفات التي حملها تجاوزت في محطات كثيرة الحدود التقليدية للعمل الأمني، وصولاً إلى التفاوض والوساطة وفتح قنوات اتصال في ملفات لم تكن تمتلك الدولة اللبنانية فيها دائماً رفاهية الخطأ.
—
من مؤسسة أمنية إلى إدارة حديثة
عندما تسلّم إبراهيم قيادة الأمن العام، كانت المؤسسة أمام تحديات متراكمة تتصل بالانتشار والخدمات والبنية الإدارية والتطور التقني.
فأطلقت المديرية خططاً استراتيجية وخمسية لتطوير هيكليتها وتعزيز قدراتها البشرية والتقنية والأمنية.
وتشير منشورات الأمن العام إلى أن الخطة الأولى امتدت بين 2012 و2017، ثم تلتها خطة ثانية للفترة 2018–2022، وشملت تحديث الإدارة، وتطوير القدرات، ومواجهة الإرهاب وتداعيات النزوح السوري، وتعزيز الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين.
ولم يكن التطوير محصوراً في العاصمة.
فقد استحدثت المديرية عشرات المراكز والمقار في المحافظات والمناطق، وتذكر مجلة الأمن العام أن خطة التحديث أفضت إلى تأهيل المباني القائمة واستحداث نحو 70 مبنى لدوائر ومراكز، في إطار سياسة هدفت إلى توسيع حضور المؤسسة خارج بيروت.
وكانت الرسالة واضحة: الأمن العام مؤسسة للدولة في كل لبنان، وخدمات الدولة لا ينبغي أن تبقى محصورة في العاصمة.
—
الرقمنة… من المعاملة الورقية إلى الإدارة الحديثة
في موازاة الانتشار، دخل الأمن العام في مرحلة تحديث تقني وإداري.
وفي آب 2016 أطلقت المديرية مشروع وثائق السفر البيومترية، بدءاً من جواز السفر اللبناني، مع إدخال خصائص أمنية إلكترونية ومرئية وإعادة هندسة دورة إصدار الوثائق.
كما عملت المديرية على تطوير أنظمة المعلومات وتحليل البيانات، واستحداث شعب متخصصة في مكتب شؤون المعلومات، بما في ذلك مجالات التمكين الأمني وإدارة المصادر، إلى جانب العمل على قدرات متخصصة في الأمن النووي والإشعاعي والكيميائي.
وهكذا، لم تعد عملية تطوير المؤسسة مرتبطة بالمبنى أو بالعديد فقط، بل امتدت إلى المعلومة، والتكنولوجيا، والتدريب، وإدارة الأزمات.
—
في مواجهة الإرهاب… الأمن الاستباقي
جاءت ولاية إبراهيم في مرحلة كان لبنان فيها محاطاً بتداعيات الحرب السورية وصعود التنظيمات الإرهابية وانتقال جزء من الصراع الإقليمي إلى الداخل اللبناني.
وفي هذا السياق، وضعت المديرية مكافحة الإرهاب ضمن أولويات خططها الاستراتيجية، بالتوازي مع تطوير قدرات جمع المعلومات وتحليلها والتنسيق مع الأجهزة اللبنانية والدولية.
وتوضح وثائق الأمن العام أن الخطة الأولى التي أطلقت في بداية عهده ركزت على احتواء الإرهاب ومكافحته، إلى جانب التعامل مع التداعيات الأمنية والإنسانية للنزوح السوري.
كانت المعادلة شديدة التعقيد: حماية الداخل اللبناني من الإرهاب، وفي الوقت نفسه إدارة واحدة من أكبر موجات النزوح التي عرفها لبنان.
—
عباس إبراهيم… حين أصبح التفاوض جزءاً من المهمة
إذا كان الأمن هو عنوان الوظيفة، فإن التفاوض والوساطة كانا من أكثر الأدوار التي ارتبطت باسم عباس إبراهيم على المستوى اللبناني والعربي والدولي.
ملف مخطوفي أعزاز، راهبات معلولا، العسكريون اللبنانيون المخطوفون، مواطنون لبنانيون وأجانب محتجزون في دول مختلفة… كلها ملفات وضعت الرجل أمام معادلات تتطلب التواصل مع أطراف متعددة، وبعضها شديد الحساسية.
وتوثق منشورات الأمن العام عدداً من عمليات الإفراج والتحرير التي شاركت فيها المديرية خلال تلك المرحلة، بينها تحرير مخطوفي أعزاز عام 2013، وراهبات معلولا عام 2014، والعسكريين اللبنانيين عام 2015، إضافة إلى عمليات أخرى في العراق وسوريا.
وفي قضية راهبات معلولا تحديداً، تظهر وثائق مجلة الأمن العام أن الملف بدأ باتصالات مع المرجعيات الدينية والسياسية، قبل أن يُوضع بين يدي المدير العام للأمن العام لمتابعة الجهود الرامية إلى إطلاق سراح الراهبات.
هنا خرج اسم عباس إبراهيم من الإطار اللبناني الضيق، وتحول إلى اسم معروف في ملفات الوساطة المرتبطة بالرهائن والموقوفين.
—
العسكريون اللبنانيون… واحدة من أكثر المحطات تعقيداً
كان ملف العسكريين اللبنانيين الذين اختُطفوا خلال أحداث عرسال من أكثر الملفات حساسية التي واجهت الدولة اللبنانية.
لم تكن القضية مجرد تفاوض على إطلاق محتجزين، بل كانت مرتبطة بالأمن الوطني، وبمجموعات مسلحة، وبحدود مفتوحة على الحرب السورية، وبمخاطر ميدانية وسياسية شديدة.
وفي هذا الملف شارك إبراهيم في مسار المفاوضات والاتصالات التي انتهت بالإفراج عن العسكريين.
ووفق توثيق الأمن العام، جاء تحرير العسكريين ضمن سلسلة عمليات تحرير ومفاوضات تابعتها المديرية خلال تلك السنوات.
—
من أعزاز ومعلولا إلى عواصم العالم
لم تقتصر شبكة الوساطات على ملف واحد.
فقد شملت عمليات ووساطات مرتبطة بمواطنين لبنانيين وعرب وأجانب، وبرز اسم إبراهيم في اتصالات مع عواصم وأجهزة ومرجعيات مختلفة.
وفي آب 2019، وثقت مجلة الأمن العام الإفراج عن المواطن الكندي كريستيان ياكستر الذي كان محتجزاً في سوريا منذ عام 2018، كما وثقت مشاركات أخرى في عمليات تحرير مواطنين لبنانيين وقطريين في العراق.
هذه الملفات جعلت من الاتصال والتفاوض أداة من أدوات العمل الوطني، إلى جانب الوظيفة الأمنية التقليدية.
—
الحدود الجنوبية… من الأمن إلى التفاوض السيادي
من أكثر الملفات حساسية التي ارتبطت بإبراهيم أيضاً مسار التفاوض حول الحدود الجنوبية.
وفي حديثه إلى صحيفة «النهار» عام 2023، عرض إبراهيم روايته لمسار بدأ بالتفاوض حول الحدود البرية، مشيراً إلى تشكيل وفد ضم ضباطاً من الجيش والأمن العام للمشاركة في اجتماعات غير مباشرة، وإلى التوصل خلال مرحلة من المفاوضات إلى معالجة سبع نقاط من أصل 13 نقطة كانت موضع تحفظ لبناني، بحسب روايته.
ثم انتقل الملف إلى المسار البحري، وصولاً إلى الاتفاق الذي أُنجز عام 2022 بوساطة أميركية.
والاتفاق النهائي نفسه نص على تحديد خط الحدود البحرية بالإحداثيات المتفق عليها، مع التأكيد على أنه لا يمس وضع الحدود البرية.
وهنا برز إبراهيم كأحد القنوات اللبنانية التي شاركت في مسار الاتصالات والتفاوض، فيما بقيت القرارات السيادية النهائية من اختصاص مؤسسات الدولة.
—
النزوح السوري… إدارة أزمة دولة
لم يكن الأمن العام بعيداً عن واحدة من أكبر الأزمات التي ضربت لبنان خلال العقد الماضي: النزوح السوري.
أمام تدفق أعداد ضخمة من النازحين، وجد الأمن العام نفسه أمام ملفات الإقامة والوثائق وتنظيم أوضاع الأجانب والعودة والتنسيق مع الجهات اللبنانية والدولية.
وتوضح وثائق المديرية أن الخطط الاستراتيجية في عهد إبراهيم وضعت التعامل مع تداعيات النزوح السوري ضمن أولوياتها، بالتوازي مع مكافحة الإرهاب وحماية الاستقرار.
وكان إبراهيم من الأصوات الداعية إلى معالجة ملف النزوح من خلال العودة، مع التأكيد على الظروف الآمنة والكريمة وعلى دور الدولة اللبنانية في إدارة الملف.
—
الإنسان في قلب المؤسسة الأمنية
في تجربة الأمن العام خلال تلك المرحلة، لم يكن التطوير أمنياً فقط.
فقد توسع الاهتمام بملفات حقوق الإنسان والتعامل مع الفئات الأكثر هشاشة، إلى جانب التعاون مع مؤسسات جامعية وإنسانية واجتماعية.
كما جرى الاستثمار في تدريب العسكريين ورفع مستواهم العلمي والإداري، ضمن رؤية ربطت تطوير المؤسسة بتطوير العنصر البشري.
وتشير مجلة الأمن العام إلى أن اتفاقات التعاون مع الجامعات والمؤسسات المختلفة جاءت في إطار خطة هدفت إلى رفع المستوى العلمي والأكاديمي للعسكريين وتحسين أدائهم.
—
اللامركزية… الدولة تذهب إلى المواطن
من أبرز ملامح تلك المرحلة توسيع شبكة المراكز في المناطق.
ففي بعلبك – الهرمل وحدها، استحدث الأمن العام أربعة مقار جديدة، فيما تحدثت المديرية عن سياسة انتشار شملت مناطق بعيدة عن العاصمة، بينها عكار والنبطية والبقاع وبعلبك – الهرمل.
كما أُنشئت مراكز إقليمية في مناطق عدة، ضمن خطة هدفت إلى تقريب الخدمة من المواطنين وتعزيز الحضور الإداري للدولة.
وهنا يصبح مفهوم الأمن أوسع من الحماية: الأمن أيضاً هو أن يجد المواطن مؤسسات دولته بالقرب منه.
—
الإنسان… المؤسسة… الدولة
وراء كل هذه الملفات، تظهر سمة أساسية في تجربة إبراهيم: الجمع بين ثلاثة مستويات متداخلة:
الأمن، والإدارة، والتفاوض.
الأول يحمي الدولة.
الثاني يطور مؤسساتها.
والثالث يفتح لها الأبواب عندما تصبح القنوات التقليدية عاجزة عن الوصول إلى الحلول.
ولهذا ارتبط اسم إبراهيم في محطات عديدة بملفات لم تكن سهلة ولا قابلة للحلول السريعة.
—
عباس إبراهيم… رجل الأمن الذي حمل ملفات لبنان إلى طاولات التفاوض
في نهاية ولايته، لم يكن من السهل اختصار 12 عاماً في عنوان واحد.
فالرجل الذي دخل قيادة الأمن العام عام 2011 غادرها في آذار 2023 بعدما مرت المؤسسة، ولبنان معها، بمحطات استثنائية: الحرب السورية، الإرهاب، النزوح، أزمة الرهائن، أزمة الاقتصاد، الانقسامات السياسية، انفجار مرفأ بيروت، ملف الحدود الجنوبية، والتحولات الإقليمية المتسارعة.
ولهذا، فإن تجربة عباس إبراهيم لا تُقرأ فقط من زاوية موقعه الأمني.
إنها تجربة إدارة أزمات، وبناء مؤسسة، وتفاوض، ووساطة، وعلاقات عربية ودولية.
وقد وصفت مجلة الأمن العام في عدد نهاية ولايته تجربته بأنها انتقال بالمؤسسة إلى مستوى متقدم من العمل الإداري والأمني والإنساني، فيما تُظهر السجلات الرسمية للمديرية امتداد ولايته لأكثر من 11 عاماً ونصف العام.
—
بعد المنصب… ماذا يبقى من التجربة؟
انتهاء ولاية اللواء عباس إبراهيم لم يعنِ انتهاء حضوره في النقاش العام.
ففي شباط وآذار 2023، تناولت وسائل إعلام لبنانية مستقبل دوره، وطرحت قراءات مختلفة حول إمكانية انتقال خبرته إلى أدوار سياسية أو وطنية أوسع. وهذه القراءات تبقى، بطبيعتها، تقديرات سياسية وإعلامية وليست قراراً رسمياً بشأن مستقبله.
أما الثابت، فهو أن سنوات طويلة من العمل في الملفات الأمنية والإنسانية والتفاوضية راكمت لديه تجربة واسعة في التعامل مع الأزمات والقنوات اللبنانية والعربية والدولية.
وهنا تبرز أهمية السؤال الذي تطرحه سلسلة «صنّاع مجد لبنان»:
ماذا تفعل الدولة بخبرات رجالاتها بعد انتهاء مواقعهم؟
ففي دول كثيرة، تتحول خبرة المسؤولين السابقين إلى رصيد وطني يُستفاد منه في الدبلوماسية والوساطة والاستشارات وإدارة الأزمات والعمل العام.
وفي الحالة اللبنانية، تبدو هذه المسألة أكثر أهمية في ظل كثرة الملفات التي تحتاج إلى خبرة تفاوضية واتصالات دولية وفهم عميق لتعقيدات المنطقة.
—
عباس إبراهيم… فصل جديد في مسيرة لم تُكتب صفحتها الأخيرة
من المدرسة العسكرية إلى مواقع المسؤولية، ومن الأمن إلى التفاوض، ومن الملفات اللبنانية الداخلية إلى الاتصالات العربية والدولية، امتدت مسيرة عباس إبراهيم على مدى عقود.
لكن المرحلة الأبرز بقيت سنوات قيادته للأمن العام، حيث تزامنت مسؤولياته مع واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخ لبنان والمنطقة.
قد يختلف اللبنانيون في قراءة بعض مواقفه أو أدواره أو الملفات التي شارك فيها، وهذا جزء طبيعي من النقاش العام.
لكن الوقائع الموثقة تسمح بقراءة أخرى أكثر اتساعاً: رجل أمن وجد نفسه في قلب ملفات تتجاوز الأمن، فتحولت مهمته تدريجياً إلى مزيج من الإدارة والتفاوض والوساطة وإدارة الأزمات.
وهذا تحديداً ما يجعل تجربة اللواء عباس إبراهيم جديرة بالتوثيق.
ليس لأنه كان صاحب منصب فحسب، بل لأن طبيعة الملفات التي مرّت بين يديه جعلت من تجربته واحدة من التجارب اللبنانية اللافتة في الجمع بين الأمن والدولة والوساطة والعلاقات الدولية.
وفي سلسلة «صنّاع مجد لبنان»، لا تكمن الفكرة في صناعة الأبطال أو إطلاق الأحكام، بل في توثيق التجارب التي تركت أثراً في الدولة والمجتمع.
ومن هذه الزاوية، فإن سيرة عباس إبراهيم تبقى مفتوحة على فصل جديد.
فالرجل غادر منصب المدير العام للأمن العام، لكن الخبرة التي راكمها خلال أكثر من عقد في قلب الملفات الصعبة لا تنتهي بخروج صاحبها من مكتبه.
ويبقى المستقبل وحده كفيلاً بإظهار الموقع الذي يمكن أن تشغله هذه الخبرة في الحياة الوطنية اللبنانية.
عباس إبراهيم… تجربة دولة، وملفات دولة، وفصل لم يُكتب بعد.Displaying توزيع في كندا ومصر.png.













