بقلم: ناصر سليمان
لم تعد الحرب مع إيران مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف إقليمية ودولية، بل تحولت إلى اختبار سياسي كبير لقيادات اتخذت قرارات الحرب، وربطت مستقبلها السياسي بنتائجها. ومع التطورات الانتخابية الأخيرة في الولايات المتحدة وإسرائيل، يبدو أن المشهد دخل مرحلة جديدة قد تعيد رسم حسابات المواجهة في الشرق الأوسط.
ففي الولايات المتحدة، تلقى الرئيس دونالد ترامب ضربة سياسية بعد خسارة الحزب الجمهوري السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ لصالح الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي، في نتيجة عكست حجم الاعتراض الشعبي على عدد من سياساته، وفي مقدمتها تداعيات الحرب مع إيران وارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة.
أما في إسرائيل، فقد جاءت نتائج الانتخابات الأخيرة دون أن تمنح معسكر بنيامين نتنياهو الأغلبية البرلمانية المطلوبة، وهي 61 مقعدًا من أصل 120 مقعدًا في الكنيست، الأمر الذي وضع مستقبله السياسي أمام مفاوضات ائتلافية معقدة واحتمالات مفتوحة بشأن تشكيل الحكومة المقبلة.
ترامب.. رئيس بصلاحيات واسعة وكونجرس معارض
خسارة الجمهوريين للأغلبية في الكونجرس لا تعني أن ترامب فقد سلطته في إدارة السياسة الخارجية أو اتخاذ القرارات العسكرية، فالرئيس الأمريكي لا يزال يمتلك صلاحيات واسعة في هذا المجال.
لكن وجود أغلبية ديمقراطية في مجلسي النواب والشيوخ سيضع إدارته أمام رقابة سياسية وتشريعية أكثر صرامة، وسيمنح المعارضة أدوات أوسع لمراجعة الإنفاق العسكري ومساءلة الإدارة بشأن مبررات الحرب ونتائجها وتكاليفها الاقتصادية.
وهنا يصبح استمرار الحرب قرارًا أكثر تعقيدًا، خصوصًا إذا ظلت أسعار الطاقة مرتفعة، واستمرت تداعيات المواجهة في التأثير على الاقتصاد الأمريكي.
نتنياهو.. حسابات السلطة تصطدم بتعقيدات الداخل
على الجانب الإسرائيلي، يجد نتنياهو نفسه أمام معادلة مختلفة. فغياب الأغلبية البرلمانية لا يعني بالضرورة خروجه الفوري من السلطة، لكنه يفرض عليه البحث عن شركاء لتشكيل حكومة جديدة، أو مواجهة حالة من الجمود السياسي قد تفتح الباب أمام انتخابات أخرى.
والأكثر أهمية أن الحرب مع إيران أصبحت جزءًا من الحسابات السياسية الداخلية الإسرائيلية، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع مستقبل الحكومة وشكل التحالفات السياسية.
فهل يستطيع نتنياهو مواصلة سياسة المواجهة العسكرية بالوتيرة نفسها في ظل غياب أغلبية مستقرة؟ أم أن الضغوط السياسية ستدفعه إلى إعادة ترتيب أولوياته؟
إيران.. هل تتحول الضغوط السياسية إلى فرصة للتفاوض؟
تبدو طهران أمام واقع جديد، فالتغير في موازين القوى السياسية داخل واشنطن، إلى جانب الارتباك السياسي في إسرائيل، قد يمنح الدبلوماسية مساحة أكبر للتحرك.
لكن ذلك لا يعني أن إيران خرجت من دائرة الخطر، أو أن المواجهة العسكرية أصبحت مستبعدة؛ فهناك عدة سيناريوهات مطروحة:
العودة إلى المفاوضات: قد تتجه واشنطن إلى البحث عن اتفاق يضمن مصالحها الأمنية ويحد من القدرات النووية والعسكرية الإيرانية، مقابل تفاهمات اقتصادية وسياسية.
استمرار المواجهة المحدودة: قد تستمر الضربات المتبادلة والعمليات العسكرية دون الانزلاق إلى حرب شاملة، في محاولة من الأطراف للحفاظ على أوراق الضغط.
التصعيد العسكري: قد تدفع الحسابات السياسية بعض الأطراف إلى اتخاذ قرارات أكثر حدة، سواء لإظهار القوة أو لتحسين شروط التفاوض، وهو السيناريو الأكثر خطورة على استقرار المنطقة.
مضيق هرمز.. الاقتصاد العالمي في قلب المعركة
لا يمكن قراءة مستقبل الحرب دون النظر إلى مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا حيويًا لتجارة النفط العالمية. فأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة والطاقة لن يقتصر تأثيره على دول الخليج، بل سيمتد إلى أوروبا وآسيا والولايات المتحدة، ويزيد الضغوط الاقتصادية على الحكومات والشعوب.
وهنا تكمن إحدى أهم أوراق التأثير الإيرانية، كما تكمن إحدى أكبر مخاوف المجتمع الدولي من استمرار الحرب.
هل انتهى زمن القرارات المفتوحة للحرب؟
المؤكد أن خسارة ترامب للأغلبية في الكونجرس، وتعثر نتنياهو في تأمين أغلبية برلمانية، يفرضان واقعًا سياسيًا مختلفًا عن المرحلة التي بدأت فيها المواجهة.
لكن من الخطأ افتراض أن خسارة الأغلبية تعني تلقائيًا وقف الحرب أو التوصل إلى اتفاق. فالقرارات العسكرية لا تحكمها الانتخابات وحدها، بل تتداخل فيها المصالح الاستراتيجية والأمنية وموازين القوة والضغوط الدولية.
وقد تكون المفارقة أن الحرب التي راهن عليها الطرفان لتحقيق أهداف استراتيجية، أصبحت بدورها عبئًا سياسيًا واقتصاديًا يحتاج كل منهما إلى التعامل معه.
الخلاصة
الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة دقيقة، قد تكون فيها المفاوضات أكثر حضورًا، لكن احتمالات التصعيد لا تزال قائمة. والسؤال الأهم لم يعد فقط: من يملك القوة العسكرية الأكبر؟ بل من يستطيع تحمل تكلفة استمرار الحرب سياسيًا واقتصاديًا؟
فالتاريخ لا يقيس نتائج الحروب بما يحدث في ميادين القتال وحدها، بل بما تتركه من تحولات في موازين السياسة والاقتصاد ومستقبل الشعوب.










