بقلم: عبدالله الديك
اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ ..
هكذا قال الرب يسوع المسيح ( يوحنا 12/24 …)
قال العلماء أنهم وجدوا في مقابر قدماء المصريين حبات من الحنطة لها الآف السنين محفوظة في أواني ذهب و أخري فخار وهي بحالة جيدة.. و لكنها لم تثمر …
ينتج العالم أكثر من سبعمائة وخمسين مليون طن سنوياً من الدقيق في عملية صناعية و هندسية بالغة التعقيد تتخطي مجرد الطحن الذي يستهلك البشر منه أكثر من مليوني طن يومياً.. هذا المسحوق الأبيض الناعم الذي يطعم المليارات يمكن وراء مظهره الناصع و نقاءه الظاهري واحدة من اكبر المعارك العلمية والطبية في العصر الحديث فبينما يراه البعض وقوداً اساسياً لجسم الإنسان و مصدر لا غني عنه للطاقة .. يصفه أطباء و باحثون بالسم الأبيض القاتل الذي يدمر الأمعاء بصمت و يسبب السمنة و يقود البشرية نحو سيل من الأمراض المزمنة فما هي الحقيقة المرعبة المخفية داخل أجولة الدقيق و كيف تحولت حبة القمح الطبيعية من هبة إلهية إلي منتج صناعي يثير كل هذا الجدل و الذعر ؟؟ من حقول الزراعة و حصاد السنابل الذهبية مروراً بطواحين الغربلة و التقشير الكبري وصولاً إلي المعالجات الكيميائية و التبييض داخل المصانع و الأهم من كل ذلك لك أن تستشف إجابة صريحة عن السؤال هل الدقيق صديق لصحتنا أم عدو خفي يدمر أجسادنا ببطء.. إن الدورة الزراعية لهذا المسحوق العجيب تستغرق من خمسة الي سبعة أشهر حسب صنف القمح من فصل الخريف حيث يقوم المزارعون بتجهيز التربة و تقليبها بعمق لتهويتها قبل غرس البذور بمعدل عمق يتراوح بين ثلاثة الي خمسة سنتيمترات لضمان حمايتها و إنباتها المثالي .. يحتاج القمح في مراحله الأولى إلي مخزون رطوبة جيد و فترات برودة لتحفيز الأزهار يليها برنامج تسميد صارم يعتمد علي النيتروجين و الفوسفور لبناء شبكة جذور قوية و سيقان متماسكة قادرة على حمل السنابل .. يراقب المزارعون رطوبة الأرض طوال فترة النمو لتجنب تعفن الجذور و يحاربون الآفات الفطرية مثل صدي القمح التي قد تدمر المحصول بالكامل حتي نصل الي ذروة الصيف حيث تجف السيور تماماً و تنخفض نسبة الرطوبة داخل حبة القمح وهي العلامة التي تعلن للمزارعين إن المحصول أصبح جاهزاً للحصاد عندها تتحرك آلات الحصاد العملاقة وهي وحوش ميكانيكية ضخمة و طبعاً في عصرنا الحالي والتكنولوجيا مهيمنة نترفق بأحوال الفلاح الغلبان الشقيان في الماضي .. هذّه الآلآت تشق طريقها وسط السنابل بضجيجها المهيب و هي معجزة هندسية تقوم في ثواني معدودة بتقطيع السنابل و تفصل الحبوب الذهبية الثمينة عن القش ثم تقذف بالبقايا في الأرض و تجمع الحبوب النظيفة في خزاناتها الضخمة لكن هذا المشهد الآلي السريع لا يلغي حقيقة أن ملايين من الأطنان حول العالم لا تزال تحصد بالأيدي العاملة الماهرة في المناطق التي لم تصلها الماكينات حيث يواجه العمال حرارة الصيف الحارقة بالمناجل اليدوية بكل صبر و تضحية .. في النهاية تتجمع أطنان من حبوب القمح الخام محملة بأمال المزارعين و أسرار الطبيعة ليتم شحنها فوراً الي وجهتها التالية المطاحن و المصانع الكبرى حيث تخضع لعمليات التحول الصناعي القاسي في نظام معقد فريد لتخرج لنا أنواع الدقيق الأبيض و الأسمر وكم يحزن الإنسان عندما يعلم ماذا يحدث بالتكنولوجيا والمعالجات الكيميائية الصعبة للدقيق حيث يفقد قيمته الغذائية ليؤكد مقولة العلماء انه سم قاتل …
ونختم .. حكمة الرب من هذا التحول ليعطي الإنسان درساً متى سنعود الي طبيعتنا و نبطل عمل الشيطان عدو الخير انه مثال بليغ لعمل الرب في حياتنا دون تدخل مغريات الحياة..
متى سنحفظ كلام الرب و ننمو في النعمة و الاتضاع ليزيد الثمر و يزدهر ….














