الدكتور / زياد بشاره أفرام
كنت العب كأي طفل، اركض بين البساتين مع رفاقي في الصعيد، كنا نلهو إلى أن تتعب منا الطرقات، والزواريب. لم نكن نشعر بالملل أو التعب، كنا عفاريت الحي! عندمانعدو من جنب دار أم المصطفى، كانت تصيح علينا، مهددةًبأنها سوف تخبر والدنا، كيف نلعب قرب هذا الدار الصعيدي،”سوف أزور أهلكم لأقول لهم بأنكم شياطين، تلعبون بين الغسيل، وتستعملون الطناجر!تصدرون منها أصواتاً غليظة وصاخبة”….. اياكم أن تعودوا إلى هنا سوف أخبر أبو مصطفى!
كنانطلب من الشمس ألا تذهب إلى المغيب! كي لا ينتهي النهار، ونضطر الذهاب إلى منازلنا. لكنها لم تستجب لنا يوماً. في ذلك الوقت عندما يحل سواد الليل تقف أمي مناديه لي “فاروق لقد بات الطير” وأصبح الليلدامساً،هيا عُد إلى البيت. خوفاً من عِقَاب والدي، كنت أعود على الفور، عند سماع صوت والدتي. وما أن أدخل إلى الدار، كانت تستقبلني بكل حنانها وخوفها عليَّ، تنظر إلى كل قطعة من جسدي متفحصةً عما إذا كان هناك أي ضربة،أوأنني كنت قد أذيت نفسي اثناء اللعب!
كنت انتظر كل يوم تلك الساعة لأنظر اليها،وبعينيها بريق اللؤلؤة يَشُع منهما كنور النهار،تغمرني بين ذراعيها وتأخذنيإلى الحمام لأستحم. كم أنا محظوظ لتكون تلك الامرأةأمي حبيبتي.
عندصياح الديك فجراً كل يوم من حديقتنا المحاذيةللمنزل، كانت أمي تدخل إلى غرفة النوم لتتأكد بأن اولادها استفاقوا تحضرهم للذهاب إلى المدرسة. بالفعل كنا نستيقظ ونجهّز أنفسنا أنا واخوتي. نذهب سيراً على الأقدامإلى المدرسة.لتصل الساعة المبكرةمن بعد ظهر كل يوم،ويرن جرس الناظر، ليُعلِمَنا بأن هذا اليوم الدراسي قد انتهى. نعود عفاريت المدرسة ونستمر كذلك إلى أن يبيت الطير مرة ثانية ليلاًككل يوم.
استمتع كيف أتذكر تلك اللحظات التي لا تفارق مخيلتي، وكأنها تحصل اليوم، وأنا شاب في التسعة والعشرين من عمري، وكنت قد حصلت على البكالوريوس إدارة البنوك وأسواق المال، والعديد من الشهادات بامتياز، وإلى دروع تكريمية عديدة بعدما كنت قد نلت شهادة الدكتوراه.
اليوم وكل يوم، عندما يحين نفس الوقت حين كنت أسمع أمي تناديني، استرجع مقطعاً من فيلم عن حياتي، تلك اللحظة البغيضة البشعة وأنا في الرابعة عشر من عمري، وبذلك النهار شعرتبوعكة صحية،الزمتني ألاأفارق السرير لعدةأيام على التوالي، فلم أعد العفريت بعدها! حرارةتلهب جسدي كله، كنت منهك القوى وكأنني أزحت الجبل، الذي كان مقابل منزلنا لوحدي. لتمضي الأيام مع تزايد الحرارةإلى أعلى مراحلها لتفتك بي، وبقوتي. بعد زيارة عدةأطباء لم يتمكنوا من معرفه السبب أو العلاج! غلبتني هذه الحرارة لتدخل إلى شراييني من دون استئذان، وبعدها إلى عضلاتي جميعها،أعني جميعها رجليَّ، يديَّ، حوضي،أصابعي،ولساني. لقد تفككت، ليصبح كل جزء من جسدي يتصرف على هواه، لم أعد أستطيع السيطرة على أي جزء منه! تفككت لأصبح من ذوي الاحتياجات الخاصة، بعد نضال مع تلك الحالة التي المَّت بي، لكن من كثرةاهتمام وحنان أمي ورعايتها، استطعت أخيراًأن أحرك قدميَّ قليلاً، واصابعي أيضاً، والبعض من أجزاء جسدي. انقلبت حياتي من عفريت أم مصطفى والحي،إلى شخص يوجهون اصابعهم نحوه، قائلين “معاق”. لم أرضخ لما حصل لي، والحمد لله بعد وقت طويل تبدلت كلمة معاق إلىذوي احتياجات خاصة! استمريت في محاولاتي لأتمكن من المشي، حتى ولو بخطى كانت تخونني في معظم الأحيان، والرجفة في يديَّ كل الوقت إلى يومنا هذا.
مضى الوقت والزمن لم أعد اذكر كم، عُدتُوفي صباح ذلك اليوم، سمعت صياح الديك مجدداً، لكن هذا الصياح لن يصطحب دخول والدتي الغرفة! من شدة حزنها تركتني أتصرف حسبما أحب وأستطيع، بعد كل هذا العذاب الذي مررت به. وقفت ارتديت ثيابي خرجت من باب الغرفة متوجهاًنحو المطبخ، حيث كانت أمي موجودة، عرفت ذلك من قرقعة الصحون، لأقف مستنداً على حافة الباب،ألقي التحية عليها:”صباح الخير يا أمي” التفتت اليَّ وكأنها في صدمة، كيف لي أن أعبر كل تلك المسافة، وهي من الغرفةإلى المطبخ.”ابني حبيبي فاروق، لقد مشيت لوحدك كم هذا رائع” توجهتنحوي بحنانها المعهود، الذي لم يفارقني كل تلك الفترة العصيبة، قبلتني، وجلبت لي الكرسي لأجلس عليها. حينها طلبت منها أن ترافقني إلى غرفة الجلوس، لأثبت لها بأننيأستطيع المشي لوحدي الآن، ولا أريدها أن تقلق عليَّ بعد اليوم، فأنا يجب أن اقاوم، ولنأسمح لهذه الحالةأن تهزمني، فأنا رجلٌ عصامي منذ الصغر.
دمعت عيناها فرحاً، مع مرافقتي إلى غرفة الجلوس، جلسنا على الاريكة التي كانت مخصصة لها، وبدأنا نتحدث بكل التفاصيل التي حصلت معي لأصبح على ما عليه اليوم. شجعتني على افكاري الجديدة، لأبدأ بتنفيذها، وكما اعتاد عليَّ والديَّوهماالداعمان لي، مع بساطة مدينتنا “قنا” حققت كل ما سعيت لأجله،وبتفوق. وما زلت أبحث عن شيء هو الأهم لي، في هذه الأيام مع هذا المجتمع المريض وليس أنا! هذا المجتمع المعاق ولن تتغير هذه الصفة له.إلى أن!
- يعترف،أن اصابة الجسد بأي إعاقة، يستطيع أن يؤدي دوره في العمل، كما في المجتمع.
- يعترف، بأنه لا يروق له التعامل مع الاشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.
- يَقُر، بأن ذوي الاحتياجات الخاصة،يستطيعون الوصول إلى أهدافهم وتحقيقها!
- يعطي،لذوي الاحتياجات الخاصة الفرصة، ليثبت بأنه يستطيع أن يكون متفوق على زميله في العمل.
- يعطي،أهمية منح الفرصة أيضاً لذوي الاحتياجات الخاصة،أن يلعب دوره في المجتمع، ليحرره بعدها من الصفة البشعة وهي “المجتمع المعاق”.
لم أرغب أن انهي هذه القصة حزناً، بل ما أصبو اليه هوالنظر إلى الكوب من الجهة الممتلئة، وليس العكس. فالأمل والتفاؤل والمثابرة يشجع الانفتاح والتسامح ويحث على إعطاء الفرص للجميع للتألق بمهاراتهم وتحقيق امكانياتهم الكامنة. مع الدعم المناسب والثقة في الذات، يمكن لفاروق وغيره من ذوي الاحتياجات الخاصة أن يكونوا قادة ومِثَال للمجتمع ويساعدون في تغيير النظرة السلبية للمجتمع تجاههم. ويمكن للمجتمع أن يستفيد من تنوع المواهب والقدرات التي يملكها أفراده منذوي الاحتياجات الخاصة!كلما يريد فاروق أن يكون متكاملاًمع مجتمعه! وهو يبحث عن فرصة تسمح له بالمساهمة بإيجابية وتحقيق طموحاته. لأن فاروق اليوم ليس بحاجة لأحد أن يعطف عليه،فهو بحاجةإلى صديق، واخ، وزميل. كما أنه بحاجة لفرصة عمل تمكنه من متابعة مساره المهني من الناحية المادية، والمعنوية.
لن انفض عبارة عفريت الحي عني! لأنني الآن اصبحت عفريت هذا المجتمع.














