بقلم / مسعود معلوف
سفير متقاعد
عندما زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو البيت الأبيض في الثامن من شهر شباط/فبراير من العام الحالي، وكانت هذه زيارته السابعة في ولاية الرئيس ترامب الثانية، تمكن نتنياهو من إقناع الرئيس الأميركي بأن إيران أصبحت على مقربة من إنتاج سلاح نووي تستطيع بواسطته ليس فقط تدمير إسرائيل، بل أيضا قصف الولايات المتحدة، وتم عندئذ الإتفاق على شن حرب على إيران بالتعاون بين الولايات المتحدة وإسرائيل لتدمير قدرات إيران النووية المزعومة.
في هذا الإجتماع، ومن أجل إقناع ترامب بشن الحرب على إيران، أشاد نتنياهو بما قام به ترامب ضد فنزويلا منذ أشهر قليلة، وكيف قضى على نظامها بسرعة قصوى ودون أية خسائر أميركية في الأرواح، مؤكداً لترامب أن الولايات المتحدة بقيادته تستطيع أن تفعل الشيء نفسه في إيران بالتعاون مع إسرائيل، وأن تسيطر على النفط الإيراني بعد القضاء على النظام، وبذلك يحقق ترامب انتصاراً تاريخياً يمكنه توظيفه في الإنتخابات النصفية التشريعية في مطلع شهر نوفمبر.
بعد عشرين يوماً على هذا الإجتماع، أي في الثامن والعشرين من شهر شباط/فبراير، قام الطيران الأميركي والإسرائيلي بشن حرب على إيران تم من خلالها القضاء على القيادات الإيرانية وقصف المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية والعديد من البنى التحتية المدنية. وبعد الخسائر العسكرية الكبرى التي أصابت إيران، ردت هذه الأخيرة على هذا الهجوم العسكري بإقفال مضيق هرمز وفرض رسوم على البواخر التي تود عبوره. نفذت عندئذ القوات الأميركية حصاراً بحرياً على المضيق أدى الى عدم تمكين المرافئ الإيرانية من تصدير النفط والغاز المسال كما اتخذت إجراءات إقتصادية صارمة ضد إيران آملة من ذلك إخضاع إيران وحملها على القبول بالشروط الأميركية.
بعد مرور سبعة أشهر على بدء هذه الحرب (علماً أن ترامب كان أعلن في البداية أنها ستنتهي في مهلة أربعة الى ستة أسابيع على أبعد تقدير) ما زالت إيران صامدة وتحاول فرض شروطها على الولايات المتحدة للعودة الى طاولة المفاوضات من أجل إنهاء هذه الحرب.
إقفال مضيق هرمز من قبل إيران أدى الى ارتفاع ملموس في أسعار النفط والغاز، مع تأثير مباشر على أسعار بطاقات السفر وسائر التنقلات ومعظم المواد الإستهلاكية في مختلف مناطق العالم، بما فيها الداخل الأميركي. الرئيس ترامب، الذي كان ركز في حملته الإنتخابية على تحسين الأوضاع الإقتصادية وتخفيض الأسعار وإيقاف الحروب الأميركية في العالم، وجد نفسه في وضع سيئ للغاية إذ أصبح حوالي سبعون بالمائة من الأميركيين ضد الحرب على إيران وضد إدارته للملف الإقتصادي، وذلك قبل أسابيع قليلة من الإنتخابات التشريعية النصفية التي ستجري في الثالث من شهر نوفمبر، أي بعد أسابيع قليلة.
الحزب الجمهوري الذي هو حزب الرئيس ترامب يتمتع حالياً بالأكثرية في مجلسَيْ النواب والشيوخ التابعَيْن للكونغرس، ولكن بسبب هذه المعارضة المتزايدة للحرب، أصبح من المرجح جدا أن يخسر الحزب هذه الأكثرية، ومن شأن ذلك أن يخلق صعوبات جمة للرئيس ترامب في السنتين المتبقيتين من ولايته بعد الإنتخابات. هذا مع العلم أن عدداً غير قليل من الجمهوريين ابتعدوا عن الرئيس ترامب ومن المرجح جداً أن لا يشاركوا في الإنتخابات، مما يزيد من احتمال فوز الحزب الديمقراطي المعارض بقوة لسياسات الرئيس ترامب.
في سعيه لاستعادة قسم من الأصوات التي يعرف أنه خسرها، بدأ الرئيس ترامب بإطلاق تصريحات يأمل منها طمأنة الجمهور الأميركي، منها على سبيل المثال ان الولايات المتحدة قضت على كامل قدرات إيران العسكرية، وان اسطول إيران أصبح يقبع في قعر البحر بعد أن دمرناه، وأن إيران لن تحصل إطلاقاً على السلاح النووي، وأن الحرب ستنتهي قريباً جداً وأسعار النفط والطاقة عامة ستهبط الى مستوى أدنى مما كانت عليه قبل الحرب. ولكن هذه التصريحات، على ما يبدو، لن تجدي نفعاً إذ أن الجمهور الأميركي يرى أن الأمور معقدة وإيران ما زالت تستعمل ورقة مضيق هرمز وتفرض شروطها على الولايات المتحدة بالرغم من الخسائر العسكرية الضخمة التي مُنِيتْ بها.
ما عُرِف باتفاق إسلام آباد الذي وقعه كل من الرئيس الأميركي ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزكشيان لم يعش مدة الستين يوماً المتفق عليها إذ جددت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية ضد إيران بعد أن توقفت المفاوضات وما زالت حالة الحرب قائمة ومضيق هرمز مقفل من قبل إيران ومحاصر من قبل البحرية الأميركية.
فالرئيس ترامب واقع في مأزق إذ أن مضيق هرمز كان سالكاً للجميع وبدون أية رسوم قبل الحرب، وقد عبرت إيران بعد ذلك عن إرادتها الواضحة بفرض رسوم على البواخر التي تعبر المضيق وفي ذلك خسارة كبرى للرئيس ترامب إذ أن أسعار النفط ستبقى مرتفعة وفي ذلك تأثير سلبي على الإقتصاد العالمي، ولذلك نرى ترامب يتبع مسارين متوازيين، فهو من جهة يزيد من تهديداته لإيران قائلاً بأنها ستُمحى من الوجود إذا لم توافق على الشروط الأميركية، ومن جهة ثانية يحاول ترويض الإيرانيين عبر وعود بأن إيران يمكنها أن تصبح دولة قوية ذات شأن بين دول العالم إذا وافقت على العودة الى طاولة المفاوضات لإنهاء الحرب.
وفي تصريحات متكررة مؤخراً للرئيس ترامب، أكد هذا الأخير بأن الحرب ستنتهي مباشرة بعد الإنتخابات النصفية أي في مطلع شهر نوفمبر القادم دون إعطاء أي تفسير لطريقة انتهائها، علماً أن معظم تصريحات ترامب في هذه المسألة لم تعد تُؤخَذ على محمل الجد. ولا بد من التوضيح هنا أن ترامب وحده لا يمكنه إنهاء الحرب إذا لم يتوصل مع إيران إلى اتفاق حول ملفها النووي وعلى فتح مضيق هرمز دون فرض رسوم من قبل السلطات الإيرانية.
لذلك يعتقد معظم المراقبين أن الأمور ستبقى على ما هي عليه إذ أن إيران قادرة على الصمود في وجه الضربات العسكرية والقيود الإقتصادية المفروضة عليها، مستندين في ذلك الى مؤشرات أهمها:
أولا: قرار ترامب إرسال حاملة طائرات ثالثة الى المنطقة مع ما يقارب تسعة آلاف عنصر من البحرية الأميركية، وفي ذلك دليل على استعداد الرئيس الأميركي لتنفيذ ضربات عسكرية إضافية وقوية على إيران.
ثانيا: اجتماع غير معلن عُقد منذ أيام قليلة في كامب ديفيد برئاسة نائب الرئيس جي دي فانس وبحضور وزير الدفاع، ووزير الخارجية، ورئيس المخابرات، والمبعوث الرئاسي ستيف ويتكوف من أجل دراسة الخطوات التالية للإدارة في ضوء الموقف الإيراني.
ثالثا: توسع نطاق الحرب عبر حلفاء إيران خاصة في اليمن حيث سيطر الحوثيون على المناطق الغربية للبلاد المطلة على البحر الأحمر والجزر القريبة من باب المندب مما يمكن أن يؤدي الى إقفال هذا المضيق ويعرقل الملاحة ويزيد من الضغوط على تصدير النفط والغاز الى دول العالم.
رابعا: موقف إسرائيل الذي يحاول دفع الإدارة الأميركية الى عدم السير في طريق المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، علما أن نائب الرئيس جي دي فانس سبق له منذ أسابيع قليلة أن انتقد شخصيات إسرائيلية رسمية متهماً إياهم بالسعي الى عرقلة سير هذه المفاوضات. هذا وقد أوفدت الإدارة الأميركية، في الأيام القليلة الماضية، حوالي ثلاثة آلاف جندي الى إسرائيل استعداداً لاحتمال تجدد العمليات العسكرية ليس فقط بين إيران والولايات المتحدة بل أيضا بين إيران وإسرائيل.
لهذه الأسباب يسود الإعتقاد بأن الأمور لن تسير بسهولة وبسرعة في طريق المفاوضات لإنهاء الحرب، كما أن المراقبين لا يتوقعون قيام الولايات المتحدة بعمليات عسكرية ضخمة ضد إيران بالرغم من تهديدات ترامب بمحو إيران من الوجود، ويرون أن إيران لن تتراجع عن موقفها ولن تتنازل عن إقفالها لمضيق هرمز ودعمها لحلفائها وعن التهديد غير العلني بإقفال مضيق باب المندب، مراهنين على استمرار هذه الأوضاع لفترة غير قصيرة إلى أن يتمكن الوسطاء من قطر وباكستان وعُمان من إقناع الفريقين بضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات.
وكما تبدو الأمور حاليا، لن تستطيع إيران إخراج الولايات المتحدة من المنطقة، وكذلك فإن الولايات المتحدة لن تستطيع، بقوتها العسكرية، تغيير النظام وفرض شروطها في المسائل النووية على إيران أو إيقاف دعم هذه الأخيرة لأذرعها في المنطقة. لذلك المفاوضات ستكون الحل ولكن ليس في المستقبل القريب إذ أن أياً من الفريقين لن يتنازل كي لا يظهر أنه ضعيف وخسر المعركة، والظروف الراهنة ستستمر بعض الوقت الى أن يقتنع الفريقان بأن المسألة لن تُحل إلا بالجلوس على طاولة المفاوضات.










