بقلم: علي عبيد الهاملي
كاتب وإعلامي إماراتي
احتفل العالم في الخامس من أكتوبر باليوم العالمي للمعلّم، وهي مناسبة أقرتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» عام 1994، تقديراً للمعلّمين، واعترافاً بالدور الذي يؤدونه في بناء الإنسان وصناعة مستقبل المجتمعات. غير أن الاحتفاء بالمعلّم لا ينبغي أن يقتصر على يوم واحد، لأن أثره يمتد في حياة طلابه سنوات طويلة، وربما بقي معهم ما بقيت الذاكرة.
تمرّ في حياة الإنسان وجوه كثيرة، بعضها يعبر سريعاً فلا يترك أثراً، وبعضها يقيم في الذاكرة مهما امتد الزمن وتبدلت الأحوال. ومن بين الوجوه التي يصعب أن تغادر الذاكرة وجه معلّم آمن بتلميذه، أو اكتشف فيه موهبة لم يكن هو نفسه قد اكتشفها، أو قال له في لحظة ضعف كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، وفتحت أمامه باباً ظل مفتوحاً طوال حياته.
ليس المعلّم مجرد شخص يدخل الفصل، يشرح درساً ثم يغادره بعد أن يرن الجرس. هذه صورة وظيفية تختزل واحدة من أنبل المهن وأشدها تأثيراً. فالمعلّم الحقيقي لا يشرح ما في الكتاب فقط، وإنما يقرأ ما في وجوه طلابه، ويلتقط أسئلتهم الصامتة، ويدرك الفروق بينهم، ويعرف أن وراء كل واحد منهم قصة وظروفاً وأحلاماً ومخاوف قد لا يستطيع التعبير عنها.
قد ينسى الطالب كثيراً من الدروس والقواعد والمعادلات التي تعلمها، لكنه لا ينسى الطريقة التي عامله بها معلّمه. لا ينسى من شجعه أمام زملائه، ولا من أنقذه من الإحراج، ولا من منحه فرصة ثانية عندما أخفق. وفي المقابل، قد لا ينسى كلمة قاسية جرحت كرامته، أو سخرية أطفأت حماسه، أو حكماً متسرعاً أقنعه بأنه عاجز عن النجاح. فكلمة المعلّم ليست كلمة عابرة، لأنها تصدر عن شخص يراه الطالب مصدراً للمعرفة والعدل والقدوة.
لكل واحد منا، على الأرجح، معلّم بقي اسمه حاضراً في ذاكرته. ربما كان معلّماً صارماً، لكننا أدركنا بعد سنوات أن صرامته كانت شكلاً من أشكال الحرص. وربما كان هادئاً قليل الكلام، لكنه كان يعرف متى يقول الكلمة التي يحتاج إليها الطالب. وقد يكون معلّم لغة جعلنا نحب القراءة، أو معلّم تاريخ أخرج الشخصيات والأحداث من برودة التواريخ، أو معلّم رياضيات أقنعنا بأن المسائل الصعبة يمكن حلها بالصبر وترتيب الأفكار.
المفارقة أن المعلّم قد لا يعرف حجم الأثر الذي تركه في حياة طلابه. قد يقول كلمة وينساها، بينما يحملها أحدهم معه عقوداً. وقد يشير إلى موهبة في الكتابة أو الرسم أو الخطابة، فتتحول الإشارة إلى طريق كامل يسلكه الطالب في حياته. وربما يقابل المعلّم بعد سنوات طبيباً، أو مهندساً، أو كاتباً، أو مسؤولاً، فيقول له إنه كان سبباً فيما وصل إليه من نجاح، ويكتشف عندها أن البذور التي غرسها أثمرت بعيداً عن عينيه.
اليوم، وفي ظل ثورة التقنية والذكاء الاصطناعي، يتساءل البعض عن مستقبل المعلم، وهل يمكن أن تحل الآلة مكانه. تستطيع التقنية أن توفر المعلومة، وأن تشرح الدرس بوسائل جذابة، وأن تجيب عن أسئلة كثيرة في ثوانٍ، لكنها لا تستطيع أن تحل محل معلّم يشعر بقلق طالب، أو يكتشف الحزن في صوته، أو يعرف أن تراجعه الدراسي يخفي مشكلة أسرية أو نفسية. التعليم ليس نقل معلومات فقط، ولو كان كذلك لكانت الكتب قد أنهت دور المعلم منذ اختراع الطباعة.
ومع كل حديثنا عن مكانة المعلّم، تبقى هذه المكانة بحاجة إلى ما يترجمها في الواقع. فتقدير المعلّم لا يكون بالعبارات الجميلة في المناسبات وحدها، وإنما بتأهيله المستمر، ومنحه الثقة، وتخفيف الأعباء التي تصرفه عن رسالته، وإشراكه في تطوير التعليم. فليس من العدل أن نحمّله مسؤولية بناء الأجيال، ثم نعامله كمنفّذ لتعليمات لا رأي له فيها.
في اليوم العالمي للمعلّم، نتذكر أولئك الذين أمسكوا بأيدينا ونحن نخطو خطواتنا الأولى نحو المعرفة. بعضهم رحل عن الدنيا، وبعضهم تقدمت به السن، وبعضهم ربما لا يدري أننا ما زلنا نذكره. لكن الأثر الجميل لا يحتاج إلى حضور صاحبه كي يبقى. يكفي أن كلمة قالها معلّم قبل عشرات السنين ما زالت تمنح أحد طلابه الشجاعة، لندرك أن المعلّم لا ينتهي دوره عندما يغادر الفصل، وأن بعض الدروس لا نعرف قيمتها إلا بعد أن نكبر.









