بقلم: تيماء الجيوش
يُطرح هذا السؤال أحياناً من قبل المهتمين و الباحثين و ذوي الاختصاص لا سيما في حقوق المرأة و النسوية. قد تكون الإجابة ذات أبعادٍ مختلفة و لكل مجتمعٍ من الشرائط ما يمكن أن يفيض و يميزه عن غيره أو لا ، لكن فيما يتعلق من وعن و حول حقوق المرأة العربية لا سيما في الآونة الخيرة يبدو مفيداً أن يكون البدء بالقول إن حماية المرأة تتجاوز محورين هامين هما العدالة و النظام التقليدي الاجتماعي.
و لا بُدّ في الحديث عن حماية المرأة من العودة إلى لغة العدالة أي منع العنف ، ملاحقة الجناة ، حماية الضحايا، تيسير السُبل القانونية و القضائية كي تتمكن المرأة من الحصول على الإنصاف. و هذا تحديداً يُعدُّ مسؤولية جوهرية تقع على عاتق مجتمع يحترم دور و سيادة القانون، لكن ما تأمله العديد من النساء أن يتم تجاوز هذه العتبة.
ليس من المنطق أن ننتظر تعرض المرأة للخطر و أن تكون محلاً للأذى كي يعترف المجتمع بحقوقها. الحماية لا يجب ان تبدأ فقط حين يقع العنف عليها أو التمييز أو الإكراه أو الإساءة ، بل تبدأ من الاعتراف بان لها كرامة و مساواة أي أنها إنسانة بالدرجة الأولى.
السؤال في حقيقة الأمر لا يقتصر على صياغة مبسطة تقول : كيف نحقق العدالة للنساء عندما تُنتهك حقوقهن؟ بل الأجدى التوجه بسؤال ربما أعمق هو : كيف نبني مجتمعاً تجتمع فيه للنساء الأمن ، الكرامة ، الحرية و المساواة في المقام الأول؟
تبدأ الإجابة تحديداً هنا في دراسة النظم التقليدية الاجتماعية حين حددت تاريخياً ادوار النساء، قيدت من خياراتهن . و قد ينحى البعض في هذا الحيز إلى ان التقاليد هي جزء هام من هوية مجتمع بأكمله ، الى حدٍ ما هذا صحيح ، لكن لا يمكن بحالٍ من الأحوال ان تكون مبرراً لنزع حقوق المرأة الأساسية. فما ينبغي للأعراف و التقاليد هنا أن تتطور وألا تكون بعيدة عن التحديث بل ولا تتعارض مع قيم إنسانية أصيلة. ثقافة اي مجتمع هي ما يُثري الحياة الإنسانية و ليست الأداة التي تنتقص من الكرامة البشرية.
يطيب للبعض أن يستند إلى ما تقدم للقول ان حماية المرأة تعني فيما تعنيه أن ينُبذ المجتمع، أن تُنبذ الأسرة، أن تُنبذ الثقافة و التقاليد و هذا ليس صحيحاً بل الأصح هو بناء بيئة اجتماعية تصبح فيها الأسرة و المجتمع مصدراً للأمن و الحماية عوضاً من أن تكون أداة للسيطرة و الإضطهاد. تكون فيها المرأة قادرة على احترام أسرتها دون أن تتنازل عن استقلالها ، تعتز المرأة بثقافتها دون ان تُنتهك حقوقها، تكون شريكة في مجتمعها دون أن يُطلب منها الانتقاص من قدر نفسها.
و إذاً مرة ثانية ما الذي نأمله للنساء؟
مجتمعياً أن تنعم بالأمن ، ألا تكون محلاً للتحرش ، أن تمارس حقوقها الأساسية ، أن تشارك في الحياة العامة، ألا يُقال لها أنت امرأة أو فتاة فلا صوت لك ، ألا يتحدد مستقبلها
و ما يُفرض عليها من تقاليد سبقت ولادتها لكونها أنثى بل تنشأ و هي تدرك ان آراءها مهمة و كذلك كل ما تطمح اليه ، وان حياتها ملكاً لها.
. ولا يستقيم هذا كله دون دعامة اقتصادية تجعل المرأة و حق تملكها و حق ميراثها أمراً لا يتم النزاع بشأنه أو حرمانها منه ناهيك من ممارستها لأدوار قيادية و اتخاذها قراراتها دون ان تقع تحت وابلٍ من الخيارات كأن تختار بين أسرتها أو كرامتها ، بين حريتها و أمانها، بين القبول الاجتماعي أو التضحية بحقوقها الأساسية.
كذلك الحال في دور القوانين بان تمنع العنف بالمطلق و لا تكتفي بمعاقبة الجرم حين وقوعه ، بل تعترف بان هناك تمييز و ان ظروف المرأة الهشة تجعل أمر الحماية موضوعاً قانونياً ببعدٍ أخلاقي. يُحاسب القانون مرتكبي الجرائم ، يحدد الجرائم وأركانها و لا يتهاون حين يتم انتهاك الحقوق و توفير كل الآليات المتاحة لصون هذه الحقوق.
و لأن القانون وحده لا يكفي لتغيير المجتمع، فلا بد من زيادة الوعي المجتمعي شاملاً الرجال و النساء و الأطفال كلاً مجتمعين بان الحماية يجب ان توجه للنساء جميعاً وان يمنحن المساحة و لا يُعتبرن تهديداً لمجتمعاتهن حين يتحدثن عن استقلالهن، إلا تصبح مصداقيتهن موضع شك حين وقوع العنف وإلا يتوجه لهن باللائمة عليه . يبدأ التغيير القانوني مع وجود مؤسسات و ثقافة تدرك تمام الإدراك ان الدعوة إلى المساواة ليست امتيازاً يتم منحه للمرأة بل مبدأ أساسي في المجتمعات الإنسانية لا تضطر فيه النساء إلى إثبات حقهن في الحماية في كل مرة وعند وقوع اي حدث. لا تحتاج المرأة فيه لان تتماشى مع صورة مثالية ، أو مع صورة اجتماعية نمطية لتستحق المساواة لان حقوقها لا تتوقف على مدى رضا المجتمع عن خياراتها. بل يكفيها أنها إنسان.
ولهذا السبب، فإن حماية المرأة تتجاوز مفهوم العدالة في جوهرها؛ فالعدالة تأتي رداً على الخطأ، عقوبة على فعل جرمي، بينما تسعى الحماية إلى منع هذا الفعل الجرمي ، و قد تعيد العدالة الحق بعد انتهاكه، لكن الكرامة تقتضي احترام الحق منذ البداية.
كما أن هذه القضية تتجاوز حدود النظم الاجتماعية التقليدية؛ إذ لا ينبغي لأي تقليد أن يمتلك سلطة الحط من شأن المرأة أو وضعها في مرتبة أدنى من أي إنسان آخر. فالمجتمعات تتغير، والقوانين تتطور، والتقاليد ذاتها لم تظل يوماً جامدة تماماً هذا ما أثبته تطور المجتمعات الإنسانية. إن مقياس رقي المجتمع لا يكمن في مدى تمسكه الأعمى بكل ممارسة متوارثة، بل في مدى شجاعته في صون الكرامة الإنسانية مع السماح لمؤسساته وتقاليده بالتطور. لا ينبغي ان نقف عند مبدأ مجرد النجاة من الظلم بل إن للنساء:
أن يعشن بلا خوف.
وأن يخترن بلا إكراه.
وأن يتحدثن بلا ترهيب.
وأن يعملن بلا تمييز.
وأن يحببن بلا عنف.
وأن يتعلمن بلا عوائق.
وأن يتولين القيادة بدون اعتذار.
وأن يقمن بتربية أسرهن دون أن يفقدن ذواتهن.
وأن يبلغن الشيخوخة وهن يدركن أن حياتهن كانت ذات قيمة، لا لارتباطهن بشخص آخر، بل لكونهن بشراً يتمتعن بقيمة متساوية.
إن الغاية الأسمى ليست خلق عالم تُحمى فيه النساء لمجرد أنهن كائنات ضعيفة . بل الهدف هو خلق عالم تتمتع فيه النساء بالمساواة والاحترام والحرية؛ عالم لا تعود فيه الحماية مجرد استجابة استثنائية للخطر، بل تصبح تعبيراً معتاداً عن احترام الكرامة الإنسانية.
هذا ما ينبغي أن نتمناه للنساء: لا مجرد تحقيق العدالة بعد وقوع الضرر، بل صون الكرامة قبل وقوعه؛ ولا مجرد الحماية من المجتمع، بل المساواة داخله؛ ولا مجرد الحصول على مكان في العالم كما هو قائم حالياً، بل امتلاك الحرية للمساهمة في تشكيل العالم كما ينبغي أن يكون.










