الدكتور / زياد بشاره أفرام
لم يكن أنس يريد العمل في تلك المنطقة، النائية، والبعيدة عن العاصمة، لكنه فضلَ أن يبقى بالقرب من حبيبته رهف. وفي عام 1914 عندما تزوج من حبيبته وهو عامل في احدى المصانع للنسيج، إلا أنه وبعد فتره من الزمن أصبح هو المسؤول عن خط الانتاج الذي كان يديره، لم يمضِ سوى عامٍ واحدٍ فقط ليصبح المدير العام للمصنع. كانت حياته مليئة بالنجاحات العملية، ومكللة بالحب مع زوجته، وكانا قد رزقا بخمسة أولاد شابان وثلاث فتيات، كانوا جميعاً مترابطين ومخلصين لبعضهم البعض. فكانت لينا تساعد أمها بالأعمال المنزلية ومرح ومها تساعدها بالاهتمام بشقيقَيهما هادي وقاسم.
وما إن انبلج الفجر في ذلك الصباح، هرع الحارس نحو منزل أنس، وقبلَ وصوله ليقرع الباب، بدأ ينادي من بعيد: استاذ أنس، استاذ أنس افتح الباب بسرعة! سمعته زوجته رهف! ايقظت زوجها، بينما ظلّ الحارس ينادي بأعلى صوته: أنس افتح الباب! نزل بسرعة البرق أنس ليفتح الباب له، وعند وصوله وبعدما أخذ نفسه الحارس واستطاع التكلم، صائحاً: إن المعمل يحترق! انه يحترق ولا نعرف ماذا يجب فعله. وعلى الفور توجه أنس والحارس إلى المعمل. وبدأوا بإخماد النار بما توفر لهم من معدات، إلى أن وصلت فرقة الاطفاء للمساعدة على إخماد النار! ما إن وصلت فرقه الاطفاء حتى وصل وَلداه الشابان أيضاً، اخذ هادي خرطوم المياه محاولاً الدخول من الباب الرئيسي، لكنه لم يفلح، فالمحاولة الثانية باءَت بالفشل أيضاً! كانت فرقة الاطفاء تستعمل الخرطوم الثاني لإخماد ما تستطيع، وتخفيف اللهب من الباب الرئيسي، ليتمكنوا من الدخول ومتابعة العمل من الداخل. ليقفز قاسم على السلالم المعدة للنجاة التي كانت مبنية من الحديد الصلب المثبتة على جانب البناء، وما إن وصل إلى الطابق الأول رمى بالحبل لأخيه ليربط خرطوم المياه ويسحبه متوجهاً إلى الباب! هكذا تمكّن قاسم من إخماد النار المؤججة في الطابق الأول، بعد عناء وجهد ومساعدة من فرقة الإطفاء من الجهة المقابلة. حيث اتضح بأن الحريق بدأ من تلك النقطة بالذات.
وبعد نجاح عملية الإطفاء بالكامل واخماد النيران! جلس هادي وقاسم على المدخل الرئيسي وكانت العناصر التابعة لفرقه الاطفاء قد غادرت، هنا كانت الساعة قاربت الحادية عشرة والنصف صباحاً من ذلك اليوم. ليصل صاحب المعمل عند سماع الخبر وكان برفقته الشركاء الثلاثة، ليستعلموا عن التفاصيل وماذا حدث! اجتمعوا بالمدير الاستاذ أنس وبقربه هادي وقاسم. وبينما أنس وهادي يرويان القصة وما وجِدَ داخل الحريق، ليوقفهما قاسم الابن الأصغر سارداً بأن ما تسبب بالحريق هو أسلاك الكهرباء وعدم وجود صيانة عامة للماكينات والكهرباء داخل المصنع! طلب أنس من قاسم عدم المتابعة، إلّا أنه رفض طلب والده! ليقترب منه هادي هامساً في أذنه: “لا تُكمِل اخرس”، وفي الحال قام قاسم بدفع أخيه هادي بعيداً عنه، وصاحَ غاضباً: أنا من دخل أول شخص إلى الطابق الأول حيث بدأ الحريق، ولا أحد شاهد ما شاهدته. اعتذر الوالد من الموجودين عما حصل بين أولاده، وعما قاله ابنه الأصغر قاسم، متابعاً أنه سوف يقوم بالكشف الشامل على المكان ومعاينة أسباب الحريق.
عاد قاسم إلى المنزل وما إن دخل من الباب الخلفي حتى لاقته والدته وسألته عن والده وأخيه هادي. بدأ بالصراخ على والدته ولومها على أنها تحب هادي أكثر منه، معاتباً لها بأنها لم تسأله عما إذا تألم أو حصل معه شيء اثناء اخماد الحريق، بل أنها مهتمة بهادي ووالده فقط! في تلك اللحظة كان هادي قد وصل إلى المنزل، سمع صوت أخيه وهو يصيح بوجه والدته، ويوجه لها العبارات النابية التي كان يتلفظ بها. خطا خطوتين باتجاه قاسم، ليقوم بصفعه على وجهه! ويرديه أرضاً! هرعت الوالدة لتساعده على الوقوف، فمنعها هادي من الاقتراب منه، وقال له: “انهض لوحدك إن استطعت”، في أول محاولة لم يتمكن قاسم من النهوض من شدة الضربة، فحاول مرة ثانية ووقف. شارفة الساعة السادسة من بعد الظهر ليصل الوالد بعد نهار متعب في المصنع والكشف على الأضرار ومحاولة معرفة سبب الكارثة التي وقعت، وأدت إلى خسارة الطابق الأول بالكامل، وقسم من الطابق الأرضي، والباب الرئيسي. حاول التحدث مع ولديه اللذَين ساعداه في تلك الكارثة. ولكن قاسم لم يوافق على ما سرده الوالد. بل كان يقوم بحركات غير أخلاقية أمام الجميع، ويتفوه بألفاظ سلبية متوجهاً بها لوالده أيضاً.
وقفت أخته لينا طالبةً منه التوقف عن هذا التصرف، وما يقول لوالدها، كما وأن مرح ومها نهرتاه ليتوقف في الحال. لكن قاسم تابع واشتدّ غضبه عندما عارضه الجميع، ولم يعد يكترث لعائلته! ما كان من هادي إلا أن وقفز من فوق الكرسي التي كانت تفصل بينهما ليلكمه بكل قوة على رأسه، ليتخبّط قاسم مع نفسه من شدة الضربة! نظر هادي وهو في منتصف الغرفة إلى والده واستأذنه بأنه سوف يطلب من قاسم مغادرة المنزل وفوراً، لأنه لا يستحق أن ينتمي إلى عائلتهم!
لم يكن الوالد أنس والوالدة رهف يدريان ما يجب فعله مع ابنَيهما هادي وقاسم. بعدما شاهد هادي غضب والده، عاد واقترب من أخيه قاسم وسحبه إلى خارج المنزل خوفاً على والده، أن يحصل له أي عارض صحي. تألمت الوالدة مما جرى من احداث اليمة في تلك الأمسية، ومن عجزها تهدئة ابنها الصغير!
أصبح قاسم خارج المنزل، مستمراً بتوجيه كلمات رديئة وهو يغادر ويبتعد شيئاً فشيئاً عن المكان!
جلس هادي وشقيقاته بالقرب من الوالدة لمواساتها ومساعدتها على تخطي تلك المصيبة التي حلت على العائلة! والتكلم مع الوالد عما يجب فعله لحل هذه الأمور العائلية والعملية!
اتصلت مرح بحبيبها تخبره عن الأحداث التي حصلت وخوفها لمغادرة أخيها الصغير المنزل! فما كان من حبيبها إلا أن جاء لزيارتها لمعرفة التفاصيل أكثر وكيف يمكن مساعدتهم. قرع الباب منتظراً من مرح أن تفتح الباب. لكن هادي هو من فعل ذلك، ليشاهد ولأول مرة شاباً طويلاً نحيفاً، مرتّباً، مستقيم القامة، مبتسماً له، قائلاً: معك باسل.
اجابه هادي: أهلاً باسل، من حضرتك؟
باسل: أنا رفيق مرح فهي اتصلت بي، أصبحت قلقاً عليها بعد ذلك الاتصال!
هادي: رفيق مرح؟ لم تخبرنا من قبل بأن لديها رفيق يُدعى “باسل”!
امهلني بعض الوقت لادعوها إلى هنا.
باسل: حسناً شكراً لك.
دخل هادي إلى الصالون حيث كانت العائلة مجتمعة، نظر إلى أخته مرح وقال لها: رفيق لك اسمه باسل، واقفاً على الباب يستأذن الدخول! هل تعرفين أحداً بهذا الاسم؟ توجهت مرح فوراً نحو الباب، وطلبت من باسل الدخول. دخلا الصالون، ومن ثم قدّمت باسل إلى العائلة: أبي وأمي هذا “باسل صفرا” صديق لي في الكلية. كنت قد اتصلت به وشرحت له ماذا حدث معكم خلال النهار ومع أخي قاسم. فحضر للاطمئنان!
لم يعترض الوالد في البدء انضمام باسل لهم. فيما بعد خيمَ الصمت على الحضور، استقامَ الوالد أنس في جلوسه، وحدّقَ نحو باسل مطولاً وكأنه استفاق على أمر مهم! ليسأله: باسل ما هي كنيتك؟ هل أعدت وقلت لنا مرة ثانية؟ تفاجأت مرح من سؤال والدها، نظرت إلى رفيقها وكأنها تقول له أنا من سوف اجب! لم يفسح باسل لها المجال أن تتكلم بالإنابة عنه، بل رد بشكل مباشر: أنا من عائلة “صفرا” وهي موجودة في المنطقة المجاورة لكم، وكما قالت مرح نحن أصدقاء في الكلية ونمضي معظم الوقت سوياً، لكن لم يحن الوقت لنخطط لزيارتكم والتعرف على العائلة. والآن بسبب المصيبة التي المّت بكم، قررت المجيء والوقوف بجانبكم في محنتكم! أستاذ أنس هل كنيتي ذكرتك بشيء؟ وعسى أن يكون خيراً! شُحِبَ وجه أنس، أجابه: نعم، تذكرت شيئاً، لكننا سوف ناقش الأمر لاحقاً. فالآن لدينا مشكلتين يجب أن نعالجهما، شكرا لك على المجيء! تجاوزت الساعة الحادية والنصف مساءً، ليطلب الوالد من الجميع الذهاب إلى غرفهم والاستراحة. عاد وشكر باسل على زيارته ورافقه إلى الخارج.
لم يغمض له جفن الوالد، بل كانت الذكريات الأليمة تعود إلى مخيلته وعقله، وكأن الأحداث لم تكن قد حدثت في الماضي، بل وكأنه ما زال في صراع داخلي من تلك المشاكل، وذلك لتمكن عائلة “صفرا” من إدارة الأمور في ذلك الزمن! فكان والده قد ورث ميراثاً كبيراً من بيوت وأراضي زراعية من اجداده. ولم يتوانَ والده ولا مرة عن الاهتمام بالأعمال الزراعية كما بالميراث! بل تذكر أنس كيف هيمن مختار المدينة وحاشيته على ما يملك والده، ولم يستِطع ردع المختار لنفوذه مع الحاكم الموجود آنذاك. وتفاقمت المشاكل بين العائلتين إلى أن اضطر الوالد وعائلته المغادرة ليلاً ومن دون أي سابق إنذار! خوفاً من أن يُقتل هو والعائلة. فكان أنس الشاهد على المصائب التي حدثت والمرافق لجده ووالده، وهذه المراحل التي لم يتمكن من نسيانها. استفاقت الوالدة رهف وتفاجأت عندما رأت زوجها نائماً على الكرسي بجوار السرير! وضعت يدها على كتفه برفق وحنان لتوقظه، فتح عَينَيه ونظر اليها بينما هي واقفة بجانبه، واضعةً يدَيها عليه! ابتسم، وطلب منها تحضير القهوة.
مضت الأيام وعادت أمور العمل جيدة على ما كانت عليه قبل الكارثة. ولكن للأسف وضع العائلة لم يعد فرحاً وعاطفياً كسابق عهده! بل تولت الأحاديث في الضيعة عن الوضع المادي والصحي السيئ الذي اصاب ابنه قاسم، وهو الآن يعيش وحيداً في غرفته الصغيرة المهترئة (المقرفة)، بمنطقة تبعد عنهم مسافات طويلة.
ففي صباح جديد لتلك العائلة المتماسكة، وبعد كل ما أصابها من محن ومشاكل، جمع أنس أولاده وزوجته رهف الحنونة على طاولة الفطور، وخلال تناول الطعام شرح الوالد ما سمعه من صديقه في العمل عن أبنه قاسم! وبعدما استغرق وقتاً بالشرح، نظر إلى ابنه البكر، طالباً منه الذهاب إلى مكان وجود أخيه قاسم ومساعدته على العلاج للشفاء. وجلبه إلى حضن العائلة ليعودوا كما كانوا! عائلة متماسكة، مترابطة، قوية تهزم جميع الصعاب وتتخطى المحن!
وكان طلبه الثاني موجهاً إلى افراد عائلته جميعاً، منبهاً: بأنه يجب أن يبقوا يداً واحدةً، وقبضة قوية لمتابعة مسيرة الحياة. فلا أحد ينجح إذا كان، أو أراد أن يكون وحيداً في هذا العالم! ففي الإتحاد قوّة! وبالترابط العائلي تُولد القوة!










